صُحفٌ فارغة وقلم.. وفعلٌ مضارع

الجمعة, June 1, 2012
كاتب المقالة: 

إنّ رؤيتنا للواقع ولما يحدث حولنا، يجعلنا نفكر مراراً وتكراراً حول الأسباب التي أدت إليه.. نفكّر ثم نستنتج ربما ما استنتجه السابقون، نستنتج الأسباب المباشرة. لكننا سرعان ما نلاحظ أنّها قاصرة عن إعطاء الحل والدواء الكامل الشافي.. نفكر ثانيةً لوقتٍ أطول ونحلّل بعمق أكثر، فنصل إلى أسباب أخرى، ليست مباشرة في تأثيرها لكنها خطيرة في بقائها لتمركزها عميقاً في العقل اللاواعي: استوطنت هناك وعشعشت وهيّأت الأمر رويداً رويداً في الوصول بنا إلى هذا الواقع..

نفكر أن نعلن ما استنبطناه، لكنّنا نتردد بعد أن ننظر إلى عمرنا وعمر تلك الأسباب، وتزداد عندها الخشية.. لذلك نفكّر أكثر، ونعيد التحليل من البداية بحذر أكبر، تفادياً للوقوع في أي خطأ أو أية سهوة. لكننا نصل إلى نفس النتيجة، إلى نفس الأسباب المختبئة.. نصل إلى اللحظة التي نمتلك فيها الثقة الكافية لإعلان تلك الأسباب، لاستئصالها من العقل اللاواعي.. فقد آن الأوان لكي يسود العقل الواعي على اللاواعي بعد عقود وقرون طويلة من ظلمة وطغيان اللاواعي، فالعقل الواعي الآن أصبح واعي..

أصبح واعي على الأسباب المختبئة..
كما أصبح واعي على الطريق الذي سلكناه والذي أوصلنا إلى هذا الواقع..

أصبح واعي على المحور الأهم في تقدم أي أمّة، على المحور الأساسي لأي حضارة.. أصبح واعي على "العمل"، على عملنا أنت وأنا (على ما نقدّمه)، على العمل المبذول الآن والعمل الذي كان من المفروض أن يُبذل.. أًصبح واعي على أنّ الناس هنا لم تعد تكترث لتتقدم خطوات إلى الأمام، لم يعد يهمّها الصعود كباقي الأمم.. أصبح واعي أنّ الناس رضوا بما هم فيه، بالبقاء ضمن العالم الثالث.. أصبح واعي بأنّ هناك خلل ومفهوم أعوج وراء هذا.. أصبح واعي بأنّ هذا المفهوم الأعوج يسكن العقول فيكبّل الحركة.. أصبح واعي على الحلقة الدائرية التي نفكر من خلالها والتي لم ولن تصلنا إلى أي مكان.. أصبح واعي أنّ أعمالنا التي نقوم بها الآن ربما لم تكن مكتوبة مسبقاً منذ الأزل!..

هل فكرت في هذا؟

هل اقتنعنا فعلاً أنّ ما نعمله الآن بكل سلبياته مكتوب قبل أن نخلق!.. أنّ واقعنا الحالي المزري مكتوب أيضاً ولا مفر منه ولا مهرب؟.. أمازلنا نقول أين المشكلة في هذا ما دمنا لا نعرف ما هو المكتوب؟ أيعقل أنّنا لا نشعر بالجبر فقط لأنّنا لا نعلم ما هو المكتوب وفي الوقت نفسه نؤمن تماماً أن جميع أفعالنا مكتوبة قبل أن نخلق؟ أي أننا نجسد الأفعال المكتوبة على الورق! أي أنّ الله تعالى خلقنا كي ننفذ الأفعال التي كتبها!.. ربما تقول: أفعالي التي كُتبت منذ الأزل كُتبت على ما أرغبه أنا الآن! لكن مهلاً، الرغبة هذه التي تتحدث عنها هل هي نابعة الآن منك أنت، أم أنّها أيضاً مكتوبة منذ الأزل!؟

هل استسغت الجبر لدرجة لم تعد تراه؟

حياتك الحالية بُرمجت ونُتجت من ذلك حتى ولو لم تفكر به بشكل صريح.. فعقلك اللاواعي الذي تربى على هذا المنهج يقوم برؤية العالم وتحليله عنك فيعطي أحكامك وانطبعاتك عن الواقع وعن الحياة وعن كل ما يجري لك ولحولك..

هل فكرت بالصغير؟

هل فكرت أنّه عندما يتربى طفل ولسنوات طوال على مفهوم أنّ أعماله قد كُتبت جميعها قبل أن يُخلق - مفهوم اللوح المحفوظ – فإن هذا سيؤثر بالتأكيد على سلوكه فيما بعد، حتى وإن أُقنع أو أقنع نفسه أنّ هذه الكتابة لن تؤثر على حياته ما دام لا يعلم ما هو المكتوب؟.. هل فكرت أنّ معنى الكتابة - حتى وإن لم يُفكّر به بشكل صريح ويومي - يطبع في ذهنه وفي عقله اللاواعي معنى من معاني الإجبار، أنّه مجبر على ما يحصل له، كون هذا مكتوب له مسبقاً منذ الأزل؟ وخاصة عندما يواجه أمراً صعباً يحتاج إلى جهد كبير جداً، فإن النفس سرعان ما ستستسيغ الجبر وتبرر إخفاقها في الأمر بأنّه أمراً من القضاء والقدر عليه تقبّله، بدلاً من لوم النفس على عدم بذل الجهد العالي المطلوب للنجاح في هذا الأمر الصعب..

هذا المفهوم أثّر على العقل اللاواعي لدينا جميعاً وبرمجه، فأصبحت معظم أفعالنا تنطلق من ذلك المفهوم، بل تقوقع العالم بأسره لدينا واختزل ليناسب ذلك المفهوم.. أنّ أفعالنا مكتوبة قبل أن نخلق وبالتالي لا مجال لتغيير الواقع (رُفعت الأقلام وجفّت الصحف)، أنّ جميع المآسي التي مررنا بها هي مآساي لابد المرور بها، هي أيضاً مكتوبة منذ الأزل.. لا يوجد هناك احتمال أنّه لو اختلفت الظروف، أي اختلف أعمال أجدادنا وأعمالنا، لاختفت مآسينا اليوم. لا شيء يحمّل أحد المسؤولية، فلا أحد بالتالي يتعلم الدرس. لا شيء إطلاقاً من هذا القبيل مادام كل شيء مقدر ومحسوم مسبقاً منذ الأزل..

هل فكرت أنّ لجوءنا إلى الدعاء في أوقات الأزمات يعكس هذا المفهوم البائس: أننا عبر قيامنا بالدعاء نُرجع حالنا وواقعنا بشكل لا إرادي إلى الله وكأنّه المصدر!؟ وكأنّ الله سبحانه وتعالى هو مصدر الأزمات، وليس لأعمالنا أي دخل فيها أو أي دور للتخلص منها: لا شيء يربط النتائج بالأسباب الفعلية التي صنعته. فقط الله تعالى من يبتلينا ويخلصنا، فالأزمات لم تكن النتيجة المنطقية لأفعالنا: ولماذا تكون النتيجة ما دام الله جلّ وعلا بيده أمّ الكتاب يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء.. بدعائنا هذا يتجسّد مستوى الحضيض الذي وصلنا إليه: أنّنا نطلب منه تعالى أن يزيل عنّا هذا ويثبت ذاك ونحن جالسون قابعون ومستمرون بأعمالنا في العالم الثالث، بدون الإحساس بالعلّة والخطأ في أفعالنا نحن.. المشكلة أنّنا لا نفهم أنّ الأزمات لم تكن يوماً من الأيام محن ابتلانا الله بها لنيل المزيد من الحسنات، بل كانت هي وما زالت نتيجة طبيعية لما نحن عليه، لواقعنا البائس، لما نقدمه من أعمال ومن أفعال..

بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَمَا أهلكْنا مِنْ قريَةٍ إلاّ ولَهَا كِتابٌ مَعْلُوم * )) الحجر، آية4، ص262

هل اللوح المحفوظ هو كتاب معلوم؟ هل الإنسان يستطيع أن يعلم ما بداخل اللوح المحفوظ ليقال أنّه معلوم؟ أم أنّ المقصود به هنا هو أعمال هذه القرية، سجل أعمال سكان القرية؟ فمن سوء أعمال سكان القرية وفجرهم أصبحوا يمارسون السيئات بالعلن، أصبحت أفعالهم السيئة معلومة لمعظم البشر، لدرجة سجل أعمالهم أصبح لا يخفى على أحد.. أي التفسيرين أقرب إلى المنطق: أن يكون هلاك الأمم لأنّ هذا هو المكتوب في اللوح المحفوظ. أم هلاك الأمم يأتي بسبب سوء عملها، على ما اقترفت يداها؟
وكيف يمكن تفسير أداة الحصر "إلا" في الآية؟ هل يتوعد الله تعالى هلاك القرى التي لديها كتاب معلوم وهو الذي كتب هذا الكتاب المعلوم (اللوح المحفوظ)؟

لماذا إذن عند كل مصيبة لا نرجع إلى أنفسنا لنفحص ما اقترفت أيدينا، لا نرجع إلى أفعالنا؟

 

هل فكرت يوماً أن تضع حداً لهذا؟

هل فكرت يوماً أن تتحرّر من هذا؟

هل فكرت على الأقل أن تتحرّى عن هذا؟

أن تتحرّى إن كانت أعمالك بالفعل قد كُتبت قبل أن تخلق!؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم: ((  وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ )) النساء، آية81، صفحة91

الله جلّ وعلا لا يستحي أن يضرب مثلاً، ولا يستحي أيضاً أن يصف ما يفعل.. نعم، إنّ الله تعالى بعظمته يعلن بكل وضوح أنّه "يكتب" بالفعل المضارع أفعالنا بعد أدائنا لها.. هل لدينا أية مشكلة في هذا؟

أليس هذا ما ينسجم مع دور الخليفة، مع حرية الخليفة، مع المعنى من الحساب على اختياراتنا؟

ربما تكون صدمة أن تصحو في يوم ما لتعلم أنّ كتابك الذي طالما تخيلته ممتلئاً بكل سلبياته وايجابياته هو كتاب فارغ.. تملؤه أنت الآن كيفما تريد..

لكن الذي يصدم أكثر أنّ هذه الآية ليست الوحيدة والاستثنائية في القرآن.. بل جميع آيات القرآن التي تتحدث عن كتابة أعمال الإنسان جاءت بصيغة المضارع، جميعها بدون آية استثناء:


((
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * )) مريم، آية77-79، صفحة311

((وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * )) الأعراف، آية156، صفحة170

(( قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ * )) يُونُس، آية21، صفحة211

(( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * )) الزخرف، آية80، ص485

(( لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * )) آل عمران، آية181، صفحة74

(( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * )) الزخرف، آية19، صفحة490

((َإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * )) المائدة، آية83-85، صفحة122


هذا الوضوح الشديد للآسف لم يدم في آيات أخريات، فهناك آيات أخرى توحي بعكس ذلك، ما جعلنا ننزلق..
لكن قبل عرضهم لدراستهم، يجب أن نؤكد أنّ القرآن مستحيل أن يحمل في طياته أي تناقض. ومادام الله تعالى بنفسه العليّة أكّد على الكتابة الآنية بصيغة المضارع لفعل الإنسان، فإن الآيات الأخريات لابد وأن تُبنى على هذا المعنى.
ثانياً، يجب التخلص من الفكرة التي تقبل بأن يكون الله تعالى قد كتب أفعالنا منذ الخلق، والملائكة تعيد كتابة أفعالنا الآن، لأنّ هذا ببساطة ليس له معنى. فيوم الحساب عند عرض أعمالك فإن الله تعالى لن يعرض أمامك نسختان لتتأكد من صحة إحداها، بل جميع القصص - الآيات - التي وردت عن يوم الحساب أكّدت بأنك سترى كتاب واحد وستُزهل من شدّة دقّة التفاصيل، وحتى وإن ملكت الجرأة لتكذّب ما في الكتاب فإن الله تعالى لن يجلب لك اللوح المحفوظ لتتأكد منه لأنّك أيضاً لن تصدقه، بل ستنطق يدك ورجلك ويأكّدون هم عنك.. لذلك فكرة أن يكون هناك نسختان عمّا تقوم به ليس لها أيّة معنى: فمادام الله تعالى أعلن أنه يكتب أفعالنا الآن فما فائدة أن يكون قد كتب نسخة أخرى منذ الأزل؟ هل الله يكتب الشيء مرتين؟ كيف كنّا نفهمها وخاصة أنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، فَلِمَ كتب - كما نزعم - النسخة الأولى إن كان لا أحد سيطّلع عليها؟
النسخة التي يجب أن تُكتب تُكتب الآن كما بيّن المولى: تُملاً من مجموع خياراتك ورغباتك الآنية، تُملأ من ما تفعله أنت الآن في حياتك. تُملأ من نتيجة الحرية التي أعطاك الله إياها
(( فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ * )) الكهف، آية29. تُملأ بضحكاتك وسهراتك، بألامك وانفعالاتك، بانجازاتك واخفاقاتك. تُملأ بصبرك ومثابرتك، كما تُملاً باستخفافك وهزلك. تُملأ من كل ما تفعله أنت في علنيتك وسرّك. ليس فقط كل ما تفعله في حياتك، بل وآثار ما فعلته إلى يوم القيامة..

(( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ * )) يس، آية12، صفحة440
سجل أعمالك سيكون إمامك هناك لأنّه سيقودك للجنّة أو إلى النار بناءً على اختياراتك، على ما فعلته في حياتك. وكل الآثار المتراكمة والمتدحرجة من هذه الأفعال ستُكتب بأصغر تفاصيلها وأدق تشعباتها، لكي تتعلم أن تفكر بغيرك، أن تمرّن دماغك بأن يتجاوز في التفكير حدود نفسك..

 (( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً * )) الكهف، آية49، صفحة299

(( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * )) الإسراء، آية13-14، صفحة283

(( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * )) الجاثية، آية28-29، صفحة501

 

هذا الوضوح جميل جداً، لكن مازال باقي الجزء الأصعب.. أن نربط هذا الوضوح مع باقي الآيات، مع الآيات التي أدى تفسيرنا الخاطئ لها في ايصالنا إلى ما نحن فيه.. فمثلاً:

(( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * )) الأنعام، آية59، صفحة134

(( َقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * )) سبأ، آية3، صفحة428

((َمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * )) يُونُس، آية61، صفحة215


هناك طريقين لتفسير مثل هذه الآيات: الأول أن نقول أن أعمالنا من ضمن الكل شيء المكتوب والمحسوب مسبقاً منذ الأزل، وبالتالي نناقض ما أعلنه الله بأنّه يكتب أفعالنا الآن فنبقى قابعين في مكاننا. أو أن ننطلق من الوضوح والحقيقة التي أعطانا إيّاها الله تعالى ونقف عندها لنتسائل عن المعنى الذي عمّد جل جلاله في إيصاله من خلال هذه الآيات وما علاقتها بالإنسان. نعم كل شيء في هذا الكون قد خُلق بقدر، بل وبشكلٍ محسوب جيداً ومكتوب بأدق تفاصيله، لكن هذا كله لا علاقة له إطلاقاً في أنّ أعمالنا قد كُتبت أيضاً. كل شيء في هذا الكون مقدر ومحسوب ومضبوط بأدق وأبدع صورة، لكي تفهم أن تضبط سلوكك وأفعلك، على الأقل لكي لا تكون النشاذ في هذا الكون المتناسق.. كان باستطاعته جلّ وعلا كما جعل كل شيء في هذا الكون يسير بأروع صورة ومُنضبط بقواعد مسجّلة في كتابه تعالى أن يجعل أفعالك أيضاً تسير بأروع صورة وأن تكون منضبطة وفق كتابه.. لكنّه تعالى تركها لك عندما قرر أن يترك في الأرض خليفة، ترك لك هذه المسؤولية وهو معك يسمع ويرى..


هناك آية أخرى تُستعمل أيضاً لنفس الغاية:

(( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ * )) الرعد، آية39، صفحة254

من السهل أن نعمّم هذه الآية عندما نستأصلها من محيطها لتصبح قانون عام. لكن هل حقيقة هي كذلك؟ الآية جاءت كما يلي: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ * )) الرعد، آية38-39 
إذن الآية لم تتكلم عن موقف عام، بل تحدثت عن حالة خاصة جداً هي معجزات الرسل وخرقهم لنواميس الكون. ببساطة، لم يكن ليفعلوها لو
لا الله، لأنّ الله هو واضع هذه النواميس وجميع قوانين الكون. هو من سيّرهم جميعاً بأنظم وأدق صورة، فلكل شيء في هذا الكون تفاصيله الدقيقة، تفاصيل من نوع: السبب والمسبب والنتيجة والأثر والمؤثّر والمؤثّر فيه عاجلاً وآجلاً.. من يستطيع غير العقل المدبّر لكل هذا بأن يقوم بأي تعديل؟

اجتثاث النصوص من محيطها وجعلها قوانين عامة هي الطريق الأوتستراد الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه..


وهذا ما تعاملنا به بالضبط مع الآية الأكثر شعبية في مفهوم الجبر والقضاء والقدر المهيمن في عقولنا:

(( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون )) التوبة، آية51، صفحة195

بدون الاعتماد على محيطها التي قيلت فيه، وبدون الحقيقة أنّ "أعمالنا تُكتب الآن" فإنّ الآية حتماً ستصبح آية للجبر بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. ستطلب الآية منك الصبر على ما يحدث لك، لأنّ كل شيء يصيبك هو من الله، وبالتالي لا يجب أن تتذمّر مهما كان الشيء الذي يصيبك.. ستصبح الآية شمّاعة نعلّق بها أخطائنا وتقصيرنا، بل ونفرح بهذا الفشل مبررين ذلك بأنّ الشيء الذي أصابنا هو من الله تعالى، ونحن نؤمن أنّ كل ما يصدر من الله هو خير. إذن، المصائب التي تصيبنا في منظورنا هي خير.. لا مكان لتأنيب الضمير ولتحمّل المسؤولية، وبالتالي لا نتقدم كباقي الأمم إلى الأمام..

أمّا بالاعتماد على محيط الآية التي قيلت فيه، وبالاعتماد أيضاً على الحقيقة أنّ "أعمالنا تُكتب الآن" فإن المعنى سيختلف حتماً:
(( لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ * )) التوبة، آية44-52، صفحة195

سياق الآيات واضح جداً وهو سياق الجهاد.. إذن الآية لا تتكلم عن الحياة بشكل عام وبالتالي عن الحسنات والمصائب التي نواجهها في حياتنا اليومية لكي نعمم الأية، بل تتكلم عن السياقات المنتجة من فعل الجهاد، ولا يمكن تعميمها، هذا أولاً. ثانياً، تركيب الآيات يقودنا إلى شيء مهم، هو أنّ الآيات تظهر وجود فئتين. فالله تعالى يطلب من رسوله بأن يقول رداً على تصرف الفئة ثانية: أنّه لن يُصيب الرسول وأصحابه إلا ما كتب الله لهم. وهنا تكمن الفكرة: الكتابة جاءت هنا كميزة خاصة لفئة الرسول، وبالتالي الكتابة ليست صفة عامة تقيّد البشر. ولو كانت الكتابة هنا هي صفة عامة ستصيب كل البشر لما كان الله تعالى ذكرها للرسول كحجّة يقولها للفئة الثانية في هذا الموضع، خاصةً أنّ الله عادل، فالله أيضاً سيكون قد كتب للآخرين، ولا يمكن أن يكون قد كتب واختار الجيد من الحظ والقدر للمؤمنين وترك الرديء والفاسد لغيرهم.. لذلك الشيء المكتوب الذي عنته الأية سيتجه بنا نحو شيء آخر قد كُتب بالفعل لنا..
ماذا عن القرآن؟ أليس الله كتب للرسول ولأمته القرآن؟ كتب لهم المنهج، وكتب لهم باتباعهم لهذا المنهج أن ينالوا النتائج المضمونة له، أن يسودوا في الأرض..
باسقاط هذا المعنى على الموضوع الخاص للآيات نجد أنّ الرسول قد عنى بايصال رسالة محددة للفئة الثانية، وخاصة أنّهم يركّزون على المصائب والحسنات الآنية التي تصيب الرسول. الرسالة كانت بتحويل تفكيرهم إلى من سينال ويربح النهاية، في أنّه عليه أفضل الصلاة والسلام يملك الثقة الكاملة بما سيحدث، بعواقب الأمور. فمن معه البوصلة التي ستوصله إلى النصر، إلى أن يسود في الأرض؟ من غير الرسول وأصحابه من يملك المنهج الذي يؤدي إليه، إلى أن ينالوا ما كتب الله لهم عبر قرآنه؟

شتّان بين أن تعني القضاء والقدر عندما تقول (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) لتبرّر استهتارك وكسلك.. أو ضعفك وفشلك..
وبين أن تعني القرآن عندما تقول (قل لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا) فبالتالي تراقب نفسك مع آيات القرآن.. تراقب كم بقي لك لتصبح كالرسول "قرآن يمشي على الأرض"..


المشكلة أن الأمر لم يقف عند هنا.. فقبول نظرة الجبر للآية سرعان ما استشرت لتصبح الطريقة الوحيدة التي ننظر من خلالها للقرآن وبالتالي لكوننا ودورنا في هذه الحياة. فمثلاً:

(( وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً * )) الإسراء، آية58، ص287

أو:

(( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * )) الحديد، آية 22-24، صفحة540

كيف يمكن أن نفهم هذه الآية؟ أو أولاً كيف كنّا نفهم الآية؟ كنّا نفهما كالتالي: لا يوجد مصيبة في هذه الدنيا إلا وهي مكتوبة منذ الأزل: فهي قضاء وقدر، سواءً كانت المصيبة في الأرض أم في النفس، فإنّ كل شيء مسطّر في اللوح المحفوظ من قبل إيجاد هذه الخليقة. لذلك لا تحزن على ما فاتك فلو كان من نصيبك لأخذته (وهذا يعني ضمنيّاً أنّ حتى لو كان الشيء الذي فاتك هو أن تكون من العالم الأول – لا يهم – فهو ليس مكتوب لك وإلا لكنت أخذته!).. ولا تفرح وتفتخر بما تملك لأن النعم التي تمتلكها ليست من صنعك ومن تعبك إنّها مكتوبة لك أن تأخذها.
هذا هو المعنى السائد للآسف – ولا حاجة هنا لأذكر اسم التفسير، يكفي أن تنظر إلى أي تفسير بحوزتك. لكن كيف نستطيع من خلال هذه النظرة أن نفهم لماذا يحذرنا الله تعالى بعد هذا من الوقوع في الغرور (والله لا يحبّ كلّ مختال فخور)؟  أي، كيف لنا أن نفهم الربط بين الغرور والمصيبة؟ وخاصةً أنّ الشخص المعني بالموضوع هو الذي يرضى بما هو مقسوم ومكتوب له فلا يزعل إن قل ولا يفرح إن كثر؟ من أين له أن يُصاب بالغرور!؟

أتريد أن تعرف الحقيقة؟ اسمع هذه الآية: (( ومَا أصابكُمْ مِنْ مُصِيْبةٍ فبِمَا كَسَبَتَ أيْديِكُمْ ويعْفُوا عَنْ كثيرٍ * )) الشورى، آية30، صفحة486  هناك احتمالين لا ثالث لهما: إمّا أنّ القرآن يحوي تناقض في آياته وبالتالي هو كتاب غير محكم. أو أنّ التفسير الذي نرى من خلاله هو الخاطئ، وهو الذي يؤدي إلى تناقض واضح بين آياته..

لذلك لابد وأن يكون هناك تفسير آخر تنسجم وتتكامل فيه هاتين الآيتين. ولابد أيضاً أن يُبنى على الحقيقتين: الأولى، أن أعمالنا تُكتب الآن ولم تكن مكتوبة منذ الأزل (كما أعلن الله تعالى بكل وضوح). والثانية، أنّ أي مصيبة تُصيبنا هي بما كسبت أيدينا (كما بيّنت الآية الأخيرة).

(( مَا أصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضُ وَلا فِي أنْفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قبْلِ أنْ نَبْرأها إنّ ذلِكَ على اللهِ يَسِيرٌ ))
لكي نستطيع أن نفهم الآية دعونا نتخيّل مصيبة، أي مصيبة، مثلاً الطوفان في زمن سيدنا نوح.. هل الطوفان الذي حدث، حدث لأنّ هذا هو المقدر والمكتوب للقوم في اللوح المحفوظ؟ أم هذا كان نتيجة مستحقّة لسوء كتاب أعمالهم على مدار ألف عام؟  
هل سقوط بغداد في عام 2003 حدث لأنّ هذا هو المكتوب في اللوح المحفوظ؟ أم حدث بناءً على سوء ما في سجل أعمال أغلب من عاش في المنطقة لحين سقوط بغداد؟  وهل احتلال اسرائيل لفلسطين قضاء وقدر مكتوب ومسطّر أيضاً منذ الأزل؟ أم أنّه كان نتيجة طبيعة لمدى عمق القاع الذي نعيش فيه؟

متى سنستيقظ لنتعلّم؟

هل تسألنا مرة لماذا ما دمنا نعتبر أن الكتاب في الآية هو اللوح المحفوظ لماذا إذن جاء نكرة (..إلا في كتاب من قبل..)!؟ لماذا وهو - كما نعلم - كتاب واحد يعلم بوجوده كل المسلمين لماذا لم يذكره الله تعالى مع آل التعريف كـ: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في الكتاب من قبل أن نبرأها..)؟ هل هذا يثبت ويؤكد الحقيقة؟ في أنّ النكرة تفيد العموم؟ أي أنّ المصيبة قبل أن تتجسّد على الواقع ستكون قد اكتملت شروطها في كتابي وكتابك وكتاب كل منّا؟ أي أنّ كتابي وكتابك وكتاب كل واحد منّا هو الموطن والمنشأ الأساسي لأي مصيبة تُصيبنا؟

(( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ))
السبب من أن يُعلمنا المولى جلّ جلاله بأنّ المصائب التي تصيبنا هي نتيجة ما اقترفناه هو لكي لا نحزن!.. فعندما ندرك أن المصيبة التي حدثت لنا، لم تحدث بشكل اعتباطي بل حدثت بسبب ما اقترفت يدانا، لخطأ في سلوكنا هو الذي أوصلنا إلى هذا، فإنّنا بالطبع لن نحزن لأنّنا سنكون تعلّمنا الدرس، اقتنينا الخبرة التي كنّا نفتقدها وسنتجنّب ذلك في المستقبل. سنتعلم وندرك أنّ ليس حظنا العاثر هو سبب فشلنا وبالتالي نجلس ونأسى على ما فاتنا، بل الفشل أو المصيبة هو خطأ يمكن تصحيحه، هو فترة إعادة الحساب مع أنفسنا، إعادة النظر في الطريق الذي نسلكه، في الوسائل التي نستخدمها..
وكذلك الأمر، الإنسان الذي يعلم أن نجاحه كان بناء على أسباب حقّقها لن يفرح بالنجاح لأنّه يدرك جيداً أنّه لم يأتي بسبب حظه السعيد والجميل لكي يفرح، بل جاء عبر الكدح والتعب.. سيفكر بشكل أكثر جدوى من الفرح، سيفكر كيف يحافظ على الأسباب التي أوصلته إلى ذلك.

عندما تصل إلى هذه القوة: أن تتعلم من أخطائك وتستفيد منها لتبني نجاحاتك عبر الكدح والعرق، عندها ربما تصاب بالغرور لذلك هنا وبالتحديد ينبّهك الله (والله لا يحبّ كلّ مختال فخور) لأنّ الغرور سيقودك إلى العمى، إلى أن تفقد البصيرة.. أن تفقد السؤال التي يجب أن تذكّر نفسك به: عن الهدف من هذا النجاح والسعي؟ عن الآخرة؟. ومن المعروف أيضاً أنّه كلما تعبت في الحصول على شيء، كلما تمسكت به أكثر، كلما بخلت في إعطائه لغيرك، مهما كان مالاً أو علماً أو..الخ (..والله لا يحبّ كلّ مختال فخور * الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتولّ فإنّ الله هو الغني الحميد) يذكًرك أن سعيك في الدنيا لا يجب أن يكون لنفسك، بقدر أن يكون للمجتمع وللآخرين..


فرق كبير بين هذا المعنى وذاك، تماماً كفرق واقعنا عن الواقع الذي يجب أن يكون..

فرق كبير بين أن تكون في قمة الخضوع للجبر "الوهمي" المغلوب على أمرك، وبين أن تكون في قمة الايجابية والفاعلية لأمرك..


العقلية (طريقة تفسيرنا للقرآن وللكون ولدورنا) التي عشنا بها هي التي أوصلتنا إلى هنا، إلى ما نحن فيه: حتى لم تساعدنا في أن نتقدم ولا خطوة واحدة إلى الأمام، لا شيء سوا الانغراس في القاع أكثر عاماً بعد عام..

عندما نغيّرها سيتغيّر كل شيء..

فلقد أثبتت بنفسها فشلها بامتياز.. أثبتت كم هي بعيدة عن القرآن..

تصوّر أنّ اللوح المحفوظ الذي له هذا الأثر الهائل في نفوسنا وعقولنا لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة فقط!.. وقد صرّح الله تعالى بشكل واضح جداً أن القرآن هو الشيء الوحيد المكتوب فيه: ((  بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ * )) البروج، آية21-22، صفحة590


لا أدري في نهاية هذا المقال من ستصدق: كُتب التفاسير التي تقول لك أنّ أعمالك مكتوبة قبل أن تخلق، أم كلام الله الذي يقول ويعلن بجلاله العليّة أنه يكتب أفعالك بعدما تفعلها.. لكن الذي أدريه تماماً أنّك تملك كل الحرية في أن تختار..




المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

13 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.