دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

شيء عن اتجاهات الرواية العربية المعاصرة

الأحد, August 29, 2021
كاتب المقالة: 

عند الحديث عن اتجاهات الرواية العربية المعاصرة، فإنه لا بد من التأكيد على حقيقة أن مُؤلَفاً واحداً عن اتجاهات الرواية سواء في بلد بعينها أو أكثر، لا يمكن أن يقدّم تغطية شاملة حولها، لكثرتها في أي مرحلة أو زمن، وكذلك لتداخل معظم هذه الاتجاهات ببعضها البعض، ولذا فإن كتاب "اتجاهات الرواية العربية المعاصرة"، الصادر حديثاً عن دار "كتارا" للنشر في الدوحة، يقدم، وعبر العديد من الباحثين، ومن دول عدّة، كتابات باتجاهات في الرواية وليس كتاباً حول اتجاهات الرواية، باعتبار الأول يغطي بعض هذه الاتجاهات وليس جميعها، ولكون أن المشاركين لا يغطون كافة الأزمنة، ولا كامل الجغرافيات الناطقة بالعربية، مع أن المشاركين سعوا إلى تقديم ما أمكن بما يضمن عدم الفصل بين هذه الجغرافيات، وعدم الانحياز إلى الرواية المعاصرة على حساب سابقتها.

ويأتي الكتاب باعتبار الرواية، ورغم أنها بالأساس ليست فنّاً عربياً، إلا أنها استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً في صدارة الفنون والآداب لدى المثقف العربي، فمنذ ما يزيد على القرن برز جيل من الروائيين العرب العمالقة ممن تمكنوا من ترجمة الواقع العربي في كتابات سردية حاولت ملامسة الواقع الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والحضاري، وارتمت تارة في حضن التاريخ لتحلق منه، أو في حضن التوثيق فتعمل المخيال في واقع يختلف من جغرافيا إلى أخرى، وفي الجغرافيا ذاتها من زمن إلى آخر، أو في حضن الفنتازيا التي لا تقل عن فنتازيا الواقع نفسه، وغير ذلك.

كما تمكنت الرواية العربية من رصد والتعبير عن التغيرات الحاصلة في البيئات المختلفة للروائيات والروائيين، بل إن ما كتب في عقود سابقة بات يشبه المرجع المُعبّر عن زمانه ومكانه والحياة بتكويناتها المختلفة عبر شخوص الروايات التي اختطوها، فهي بالتأكيد حكت واقعاً مغايراً عما نعيشه، اليوم، وإن لم تكن كتب تأريخ ولو كانت روايات تاريخية.

ومع كل هذا الزخم، وتوالي الأزمنة، تولدت العديد من الاتجاهات في الرواية العربية، يصعب، بالتأكيد، على الباحثين، الإلمام بكامل تفاصيلها، ومن هنا يبدو كتاب "اتجاهات الرواية العربية المعاصرة" محاولة لسد شيء من هذه الثغرة، عبر مناقشة أبرز هذه الاتجاهات.

وهنا أفاض د. عبد المالك أشهبون، في الحديث عن "الاتجاه الواقعي في الرواية العربية: مسارات ومرجعيات وتجارب"، في دراسة خلص في خاتمها إلى أن الواقعية أثبتت أنها الاتجاه الروائي الجمالي الأكثر انفتاحاً وقابليّة للتجدد والتطوّر، رغم ظهور موجات روائية أخرى تندرج في إطار روايات "تيّار الوعي" و"الرواية البوليسية"، و"الرواية الجديدة"، وبرغم ما قُدم في إطارها من منجزات مهمة، فإن أشهبون يرى أنها لم تستطع المحافظة على ديمومة حضورها، على خلاف الرواية الواقعية التي بقيت تواصل حضورها في المشهد الروائي العربي إلى يومنا هذا.

وأشهبون ناقد وأكاديمي مغربي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة فاس، وحاصل على الدكتوراه في الأدب العربي المعاصر، ومتخصص أكاديمياً في مباحث السرديات، ومهنياً في "ديالكتيك اللغات".

وليس بعيداً عن سابقه، تناول د. إبراهيم السعافين "اتجاه الواقعية الجديدة في الرواية العربية المعاصرة"، ممهداً بالتأكيد على أن الحديث "عن واقعيّة صلبة غير ممكن، لأن البعض يرى أن الواقعية تعبّر عن واقع الأحداث والشخصيات والعناصر الأخرى"، منتهياً إلى أن الرواية الواقعية تدخل في ميدان الرواية التفاعليّة، التي تَعِد الرواية بمستقبل غنيّ بالتحولات، مشدداً على أن الرواية العربية، على وجه الخصوص، تنحو باتجاه واقعيّة جديدة منفتحة على التجريب، الذي هو برأيه "ليس حيلة ظاهريّة، ولكنه إضافة حقيقية لسبر أغوار الشخصية، وتعميق الأفكار وتكثيفها، إلى جانب وظيفتها الواضحة في التشويق والتجديد.

أما الأردني السعافين، فهو أستاذ النقد الحديث بالجامعة الأردنية سابقاً، وحاصل على بكالوريوس في اللغة العربي وآدابها منتصف ستينيات القرن الماضي، والماجستير مطلع السبعينيات والدكتوراه في نهاياتها، وجميعها من كلية الآداب في جامعة القاهرة، وعمل أستاذاً في جامعات: اليرموك الأردنية، وتنيسي الأميركية، والملك سعود السعودية، والإمارات والشارقة، إضافة إلى الأردنية، كما ترأس تحرير وعضوية هيئات التحرير والهيئات الاستشارية لعدد من الدوريات الثقافية المحكمة.

وتحدث د. مصطفى الضبع، في دراسته، عن "الرواية العربية ما بعد الكولونيالية مطلع الألفية الثالثة"، مشيراً إلى أن اتجاه الرواية العربية ما بعد الكولونيالية إلى الحداثة كان مطلباً ضرورياً بدا كأنه الاتجاه الوحيد للخلاص، على حد تعبيره، متحدثاً عن إعادة تخليق الوعي السياسي، ومؤكداً على أن الحاجة إلى نزع الهيمنة الكولونيالية على العقل ساهمت في تجديد الدفقة الحداثية في الرواية، بمنحها سبباً جديداً للبقاء والارتقاء، وهو ما انعكس في العدد الهائل من الروايات العربية على مختلف توجهاتها، وتعدد رؤاها، وما تضمنته من تصوير الواقع العربي ما بعد الكولونيالي، مبيناً المساحة الشاسعة للأثر الكولونيالي في الرواية العربية.
والضبع أكاديمي مصري، أستاذ البلاغة والنقد والأدب المقارن بكلية الآداب في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل بالسعودية، ومدير تحرير سلسلة كتابات نقدية بالهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر (2004 – 2011)، وله العديد من المؤلفات المهمة ككتب ودراسات في النقد.

بدوره، يعرّج د. عبد الدائم السلامي على فكرة "اللامعقول وآفاقه السردية في الرواية العربية المعاصرة"، وهي الدراسة التي حاول من خلالها أن يجلي ضبابيّة مفهوم "اللامعقول" في المدونة النقدية العربية، وذلك بالبحث عن إجابات لمجموعة من الأسئلة، أرجعها السلامي إلى ثلاثة رئيسة، أولها متصل بالجانب النظري، بينما يحيل الثاني والثالث منها إلى الجزء التطبيقي من دراسته، عبر العديد من التساؤلات، مفرداً مساحة كبيرة للحديث عن "اللامعقول" في السرد، واعتبره نمط تفكير واتجاه في الفن والكتابة لم تخلُ منه ثقافة من ثقافات الشعوب قديمة كانت أو معاصرة.

والسلامي باحث تونسي في السرد، وله العديد من الكتب البارزة في هذا المجال، كما ترجم، بالاشتراك، كتاب رولان بارت "الدرجة الصفر للكتابة، تليه مقالات نقدية جديدة" (ألمانيا 2019)، وشارك في تأليف كتاب "القصة القصيرة العربية: النشأة والحضور" (الكويت 2018).

ويختتم الكتاب بدراسة للناقد محمد صابر عبيد عن "المرجعية السير ذاتية للرواية: التخييل وحساسية التهجين السردي"، معتبراً إياها مرجعية خصبة من مرجعيّات الروائي التي يغرف منها الكثير في سياق "التأليف والتشكيل السردي" لروايته، فهي رافد أساس ربما يستحيل تفاديه على نحو أو آخر حين يكون بالغ الإلحاح على التقدم باتجاه الانغمار في الفضاء الروائي، وتلبّس إيقاعه، لافتاً إلى أن ثمة مستويات لا حصر لها في أتون دخول السير إلى الفضاء الروائي، بدءاً من تحويل السيرة الذاتية، بكامل هيكليتها ومحتوياتها، إلى رواية، إذ يتقصى الروائي سيرته الذاتية ويغلفها بغلاف روائي، بالاتكاء على تقنية "الروائي كلّي العلم"، مع تغيير أسماء الشخوص، والتلاعب بالزمن، أحياناً، وبالأمكنة، في بعض الحالات، وانتهاء باستثمار مشاهد أو لقطات أو أجزاء أو إشارات تنتمي إلى سيرته الذاتية، وإلحاقها بشخصية من شخصيات الرواية، وبين هذا وذاك "الكثير من المستويات الأخرى التي تنهل من السيرة الذاتية بأقدار مختلفة، وفق حاجة الرواية ومنهج الروائي وشعريّته.

وعبيد ناقد وأكاديمي عراقي، وهو أستاذ في النظرية والمناهج النقدية الحديثة والنقد التطبيقي، وله العديد من الدراسات والمشاركات العربية والدولية، بحيث أنجز أكثر من خمسين بحثاً علمياً نشرت في المجلات الأكاديمية المحكمة، واختير مُحكماّ في أكثر من مسابقة أدبية عربية، وحصل على العديد من الجوائز عن أعماله النقدية، وهو عضو مؤسس في جماعة المشروع النقدي الجديد في العراق. 

المصدر: 
جريدة الأيام
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.