سرقة الكتب "جزء من النكبة" ...مقتطفات من كتاب “بطاقة ملكيّة ": تاريخ من النهب والصون والاستيلاء في المكتبة الوطنية الإسرائيلية”

السبت, June 4, 2016
كاتب المقالة: 

نسوق فيما يلي مقتطفات من كتاب “بطاقة ملكيّة: تاريخ من النهب والصون والاستيلاء في المكتبة الوطنية الإسرائيلية” للدكتور غيش عميت. نشر الكتاب للمرة الأولى بالعبرية عام 2014 عن معهد “فان لير” في القدس ودار “هكيبوتس هميئوحاد” للنشر، وصدر بالعربية عام 2015 عن “مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية”، ترجمة علاء حليحل.

كتب: نهب ومصادرة وحماية
يتطرّق هذا الكتاب إلى ثلاثة أحداث وقعت بين جدران المكتبة الوطنية-الصهيونية في القدس، بين الأعوام 1945-1955: مشروع “كنوز المنفى”، الذي جُلبت في إطاره إلى القدس بعد الحرب العالمية الثانية، مئات آلاف الكتب التابعة ليهود والتي نهبها النازيون؛ جمع نحو 30,000 كتاب كانت بملكية فلسطينيين أثناء حرب 1948 وتحويلها إلى جزء من مجموعات الكتب في المكتبة الوطنية؛ وجمع كتب ومخطوطات ليهود من اليمن هاجروا إلى إسرائيل في نهايات سنوات الأربعين ومطلع سنوات الخمسين. إنّ شمل هذه الأحداث الثلاثة تحت سقف واحد هو عمل محفوف بالمخاطرة: كيف يمكن أن نشمل سوية مجموعة كتب الفلسطينيين مع الكنوز الثقافية التي ظلت لدى من تبقوا في أوروبا؟ وما الذي يربط بين هذه الأحداث الثلاثة سوى التقارب الزمنيّ؟ أنا سأدّعي هنا أنّ هذه الفصول التاريخية الثلاثة مرتبطة ببعضها البعض ارتباطًا شديدًا، إذ إنها تعرض الأشكال المختلفة التي قامت الصهيونية من خلالها بالاستيلاء على الملكيّات الثقافية التابعة لثقافات وموروثات ألغتها هي بنفسها: موروث المنفى اليهودي والموروث الفلسطينيّ الأصلانيّ وموروث يهود الدول العربية والإسلامية. وتكشف هذه المسائل الثلاث عن حركة تفصل بين بني البشر وبين ثقافتهم، في إطارة بلورة هوية قوميّة وثقافة قومية.
وعلى غرار ما ذكره المؤرخ الهنديّ ك.ن. بانيكر، فإنّ الحيّز الجغرافيّ للأمة معطًى غير ثابت، على عكس تاريخ العلاقات بين القوة السياسية والبناء الثقافيّ (Panikkar 2009, 92). فاحتلال الأرض لا ينتهي، إذًا، في السيطرة على الحيّز وتحصين حدوده الإقليمية والجغرافية؛ إنه مَنوط بشكل وثيق بتبلور ثقافة قوميّة وبتوحيدها. أسهمت القضايا الثلاث الواردة في هذا الكتاب ، بأشكال مختلفة، في التأسيس لثقافة جمعيّة؛ وثلاثتها تجسّد مواجهة مِزَق الأمة كمجتمع متخيّل، وثلاثتها تعبّر عن نفي المنفى الذي يميّز الصهيونية وعلاقتها الأداتيّة مع الماضي، والمستندة إلى النهج الصهيونيّ بمصادرة الذاكرة الشخصية والحيّز النفسانيّ لصالح الذاكرة الجمعيّة والحيّز الأيديولوجيّ (رولنيك، 2007، 18). في ذات الوقت، كانت هذه القضايا الثلاث مرتبطة بتصنيف وصيانة الثقافات والتأريخات المرفوضة، وهي بهذا تُتيح لنا الإصغاء إلى الأصوات المكبوتة الساعية ضدّ الفئات الخاصة بالثقافة القومية والمعرفة الغربية، وضدّ الصورة الذاتية للصهيونية كمشروع مركز-أوروبيّ.
سيستعرض الكتاب تاريخ المؤسسة المتأرجح بين النظام ونقيضه، بين ممارسة الرغبة لبناء وعيّ قوميّ متماثل وبين إحباطها. وتكشف الكتب المجتمعة في المكتبة الوطنية في القدس عن علاقة الصهيونية مع الاستشراق الأوروبيّ واستخدامها للخيال الكولونياليّ بغية إدراك ذاتها وتأسيس هُويتها- إلا أنّ هذه الكتب تُذكّرنا ثانية بعملية المحو والنسيان التي فرضتها الصهيونية على مُريديها ورعاياها. وتحثّ هذه الكتب صمت الصهيونية على الكلام وتكشف عن أسسها المتصارعة، ولذلك فهي تنتمي أيضًا إلى فضاءات الاستئناف والرفض والتفتيت: منتمون وغرباء، أصحاب البيت ومعدوموه، جزء من الثقافة المهيمنة ومن القوة والمعرفة الخاصة بدولة القومية وفي الوقت نفسه موقع من المقاومة والتاريخ البديل.

الصهيونية: عودة المسألة الكولونيالية
بكونها حركة ذات مميّزات كولونياليّة رأت الصهيونية نفسها، أيضًا، وكيلة ثقافية ذات غاية أخلاقية، تتمثل في استحضار بشرى التنوير في الضاحية المتخلفة عند أطراف الشرق الأوسط (حينسكي 2002، 69). في خطابه أمام المؤتمر الصهيونيّ الأول عام 1897، صاغ هرتسل هذه الرؤية صياغة أكثر وضوحًا: “يتّضح تباعًا، أنّ مصلحة الأمم المتحضّرة والحضارة برمّتها تكمن في إقامة محطة ثقافيّة عبر أقصر الطرق المؤدّية إلى آسيا. هذه المحطة هي أرض إسرائيل، ونحن اليهود حاملو هذه الثقافة، ومستعدّون لبذل ممتلكاتنا وحيواتنا من أجل تشييدها (مقتبس لدىKayyali 1979, 16). ومن الجائز أنّ يهود أوروبا كان مستعدّين حقًا لبذل ممتلكاتهم، وحيواتهم أحيانًا، من أجل إقامة بيت قوميّ في فلسطين/ إسرائيل؛ ولكن، وكما سنفصّل لاحقًا في الفصول الآتية، كان الفلسطينيّون ويهود الدولة العربيّة –الآخرون الداخليون للصهيونيّة (Massad 2006, 55)- هم الذين دفعوا بالأساس ثمن تأسيس “المحطة الثقافيّة” الصهيونيّة.
مع هذا، ومن أجل تعقّب جذور هذه الرؤى وسعيًا لفهم القضايا الموصوفة في هذا الكتاب كما يجب، علينا العودة إلى الاستشراق: ففي نهاية المطاف، كان القاموس اللغوي والصور الواردة في الاستشراق، كخطاب أوروبيّ مسيحيّ عمره مئات السنوات، هو الذي جمع بين العرب واليهود سوية، فيما مثّل العرب “الآخر الخارجيّ” لأوروبا، واليهود باعتبارهم ممثلي “الآخر الداخليّ” (Boyarin 1992, 77)؛ واستخدم الاستشراق بكونه خطابًا مناهضًا لليهوديّة إطارًا لصوغ السؤال اليهوديّ نفسه، بمصطلحات اُستعيرت مباشرة من الخطاب الذي برّرت أوروبا بواسطته سيطرتها الكولونياليّة على الشرق (Hochberg 2007, 8). الكولونياليّة، بصيغتها الألمانية أساسًا، هي التي شكّلت خلفية الخلاف الطويل بخصوص ماهية وجوهر اليهود: هل هم مجموعة إثنيّة/ عرقيّة، وإذا كانوا كذلك فإنهم جزء لا يتجزّأ من الشرق، أم أنهم مجموعة دينيّة، وبذلك فمن الممكن أن يذوبوا في الثقافة الألمانيّة المعاصرة؟ (Hess 2002). إضافة إلى ذلك، كان الاستشراق كخطاب أوروبيّ مناهض لليهودية هو المسؤول عن تأجيج الريبة التي اندلعت لدى يهود ألمانيا في القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كانوا مطالبين بإثبات قدرتهم على الاندماج في أوروبا المعاصرة، وهي نفسها الرّيبة التي دفعتهم –كما كتب ستيفن أشهايم، لعزل أنفسهم عن يهود أوروبا الشرقيّة (أوستيودن)، “الذين ربطوهم بموروثات آسيويّة متخلفة، وبالبشاعة والأمراض الاجتماعية” (Aschheim 1982, 6). وفي النهاية، وكتحصيل لكلّ ما ذُكر، وفي مقابل الاستشراق، علينا أن ندرك المحاولة الصهيونيّة لخلق يهوديّ جديد: يهوديّ أوروبيّ –أخيرًا- وليس يهوديًا شرقيًّا؛ يهودي تتعلق شروط تحويله إلى غربيّ تعلقًا كبيرًا بهجر اليابسة القارة التي كان هو فيها بنفسه موضوعًا استشراقيًا؛ اليهوديّ (الأشكنازيّ) الذي يتخلص من هيئته الشرقيّة والذي يؤسّس هويّـته كغربيّ عبر نسب المميّزات الاستشراقيّة للفلسطينيّين وليهود الدول العربيّة وليهود أوروبا الشرقيّة (Khazzoom 2003, 486; Raz-Krakotzkin 2005, 166).
ورغم أنّ الصهيونيّة عرضت أرض إسرائيل على أنها بيتٌ لجميع اليهود، فإنّ الوطن لم يُمنح للجميع بالقدر نفسه من السخاء: فقد ركّزت الحركة الصهيونيّة غالبية جهودها في أوروبا (وفي أميركا بشكل أقلّ). ولم تتوجّه إلى يهود الشرق الأوسط وتُركّز جهودها في “إعادتها إلى البيت” (هكوهن 1994أ؛ شوحط 1999)، إلا بعد أن اتضح لها عدم إمكانها الاتكال على يهود أوروبا كمصدر للقوى العاملة وكوسيلة للاستيلاء على العمل بدلا من العرب. وطُلب من يهود أوروبا ومن يهود الشرق، على حدّ سواء، هجر ثقافتهم المنفويّة في إطار عودة اليهوديّة إلى التاريخ، وفي إطار مشروع “جمع الشتات”.إنّ إلغاء المنفى ساعد الخطاب الصهيونيّ على محو التاريخ الخاص بالجماعات اليهوديّة المختلفة وطمس الفوارق بينها، وسمحت في الوقت نفسه برسم خط روائيّ-تأريخيّ متواصل من العصور القديمة ولغاية الزمن المعاصر، كجزء من الجهد المبذول لعرض الصهيونيّة على أنها استمرار مباشر ومتواصل لفترة السيادة (راز-كركوتسكين، 1993). إلا أنّ هذه الأفكار الجدليّة (الديالكتيكيّة) المتمحورة في القطع والعودة، والنزع والاستمرارية، جرى تسييرها بشكل مختلف على اليهود الأوروبيّين وعلى يهود الدول العربيّة: ففي الوقت الذي نُظر فيه إلى يهود أوروبا الشرقيّة، “أوستيودن”، باعتبارهم تخلصوا من ماضيهم الشرقيّ في أعقاب انتقالهم الجسديّ إلى الشرق الحقيقيّ (أرض إسرائيل)، طولب اليهود الشرقيّون بـ “الاندماج” الذي يهدف لمنحهم قيم الحداثة وإخضاعهم لعمليات تنشئة اجتماعيّة وإعادة تربية. وباستثناء جهود حركة العمل لضمان استمرار سيطرتها، هيمن هنا الاعتقاد القائل بأنّ يهود الشرق محدودون ودونيّون ويفتقرون للمزايا الجوهريّة التي ستُمكّنهم من الاندماج في الدولة، ولم يلقَ هذا الاعتقاد أيّ معارضة تُذكر من داخل قيادة الدولة أو الأكاديمية (سبيرسكي 1981؛ ليسك 1986).
ورأت زعامة المؤسّسة الإسرائيلية في العقدين الأوليْن على قيام الدولة، أنّ هجرة يهود الدول العربيّة “مشكلة طائفيّة”، نتيجة للفورقات الإثنيّة بينهم وبين يهود أوروبا، وقاموا بترسيم الحدود الإثنيّة بين الجماعتيْن: فبن غوريون قضى بأنه يجب تربية “الشاب القادم من هذه الدول على الجلوس في المرحاض مثل البشر، والاستحمام، وعدم السرقة” (مقتبس لدى تسميرت 1996، 77)، وقال في مناسبة أخرى إنّ “طوائف يهود الشرق فقدت الحضور الإلهيّ، وتدنى تأثيرها على الشعب اليهوديّ أو أنه اختفى تمامًا. في القرون الأخيرة تموضع يهود أوروبا على رأس الشعب اليهوديّ، من ناحية الكم ومن ناحية الكيف أيضًا {…} الهجرة الإسبانية في أيام أبو العافية ومهاجري شمال أفريقيا […] هم وضيعون وتافهون” (بن غوريون 1954، 18). وقد صرّح كثيرون آخرون بتصريحات مشابهة، ومن بينهم غيورا يوسفطال، مدير قسم الاستيعاب في الوكالة اليهوديّة بين السنوات 1949-1951، ودوف روزين، مدير قسم توطين المهاجرين بين السنوات 1949-1953، وإسحق رفائيل، رئيس قسم الهجرة في الوكالة اليهودية بين الأعوام 1949-1953 (سيغف 1948). وعلى نسق هذه المعتقدات، تحوّل يهود الشرق إلى ألعوبة طيّعة لدى النظام: فقد وُزّعوا ووُجّهوا إلى هامش المجتمع الإسرائيليّ بعد أن خضعوا لعمليات تحويلهم من طبقة وسطى إلى طبقة عاملة وإقصائهم نحو الهامش، في إطار سياسة تمييزيّة صادرة عن نظام إثنوقراطيّ أسّس العلاقة بين عملية تهويد (نزع العروبة) الدولة وبين إقصاء الشرقيّين. وقد جرت موضعة الأخيرين من الناحية الثقافيّة والجغرافيّة بين الفلسطينيين وبين الأشكناز، وبين الماضي الشرقيّ “المتخلّف” وبين مستقبل الدولة الغربيّ “المتطوّر” (يفتحئيل 2000، 100).
قاربت الصهيونيّة بين الفلسطينييّن وبين اليهود-الإسرائيليّين من الدول الإسلاميّة، وفق مصطلحات ومفاهيم الاستشراق الأوروبيّ. فجرى عرض الفلسطينيّين ويهود الشرق، على حدّ سواء وفي أكثر من مرة، كوحشيّين وجهلة، ككسالى ومتخلفين، وكموجودين في وضعية ما قبل التحضّر. وفي الوقت ذاته، نُظر إلى الفلسطينيّين واليمنيّين كتعبير مثاليّ للثقافة القديمة، وكحاملين غرائبيّين لثقافة يهوديّة عتيقة، وكمَن يحملون تحية حيّة وأصليّة من الماضي اليهوديّ البعيد ومن الآباء العبرانيّين (برلوفتش 1996). لكنّ عرب البلاد كانوا عائقًا في طريق إقامة دولة يهوديّة، فيما كان يُفترض بيهود الشرق أن يندمجوا في الجّمع الإسرائيليّ من خلال التضييق الثقافيّ والتربية من جديد. لقد كان ذلك، كما يقول سامي شلوم شطريت، “العقدة” الأصعب لدى الصهيونيّة في علاقتها مع الشرقيّين: احتواؤهم وإقصاؤهم في الوقت ذاته- دمج الشتات والفصل الإثنيّ في الوقت نفسه (شطريت 2007، 225). وكما تقول المختصة في قانون الملكية الفكريّة روزماري كومب، فإنّ إعادة بناء الثقافة الشرقيّة “عُرّفت وتقرّرت بواسطة بيروقراطيّة كانت مُلتزمة بإخفائها” (Coombe 2004, 311).
بلاطة ضريح غريبة: جمع المكتبات الفلسطينية
بين أيّار 1948 ونهاية شباط 1949، جمع عمّال المكتبة الوطنيّة نحو 30,000 كتاب وصحيفة ومخطوطة خلّفها من ورائهم فلسطينيّون من سكان القدس الغربيّة. وفي مذكرة صادرة عن المكتبة الوطنيّة في شهر آذار 1949، ورد وصف لهذه الأعمال من خلال الأشخاص الذين قاموا بالمهمة:
فور احتلال جيش الهَغاناه للقطمون والأحياء القريبة منه شعر الكثير من أهل الكتاب بخشية على مصير مجموعات الكتب الخاصّة والعامّة  الموجودة في هذه الأحياء. واقترح بعض الجامعيّين وشخصيات مُحبّة للكتب من خارج الجامعة، وطالبوا بأن تقوم مكتبة الجامعة بإخراج الكتب من أحياء الواقعين تحت الاحتلال، حيث يتميّز المكان بانعدام الأمان {…} ومع أنّ إنقاذ الكتب كانت مهمة لا غرض ثانيًا لها، وكانت غايتها الفوريّة إنقاذ الممتلكات الروحانيّة من الفقدان والتلف، إلا أننا لم نُخفِ عن السلطات ذات الصلة رغبتنا في تدبير وسيلة لنقل بعض الكتب، وربما القسم الأكبر منها، إلى حيازة الجامعة، حين يحين الوقت”.
زدْ على ذلك أنّ عمال الوصيّ على أملاك الغائبين جمعوا في عام 1948 والأعوام التي تلته، نحو 40,000 كتاب من مدن يافا وحيفا وطبرية والناصرة وأماكن سكنيّة أخرى. كانت غالبية الكتب كتبًا تعليميّة جُمعت من مؤسّسات ومدارس، وحُفظت في مخازن أقيمت لهذا الغرض في حيفا ويافا والناصرة والقدس. الكثير من هذه الكتب بيع مجدّدًا للمدارس العربيّة، ونحو 100 منها نقلت عام 1954 إلى قسم علوم الشرق في المكتبة الوطنيّة، فيما جرى هرس 26,315 كتابًا، حين قرّر الوصيّ على أملاك الغائبين عام 1957، أنّ “هذه الكتب لا تلائم المدارس العربيّة في البلد {…} {وأيضًا لأنّ} قسمًا منها احتوى على موادّ مناهضة للدولة، ويمكن لنشرها أو تسويقها أن يلحق الضرر بالدولة”.
“ننوّه هنا إلى عملية إنقاذ الكتب التي أنجزتها الجامعة”
ألحقت حرب 1948 الأذى بالمكتبة الوطنيّة: ففي كانون الأول 1947 اختلّت المواصلات إلى جبل المشارف. وبغية الحيلولة دون توقف عمل المكتبة، فُتح فرعان لها في مركزين في القدس، الأول في مكتبة يشورون والثاني في مكتبة آيتينجتون في طلبيّة. وفي نيسان 1948 قُطعت العلاقة مع جبل المشارف، وتقلّص توفّر الكتب بشكل كبير. وبعد فترة وجيزة جُمّعت غالبية مجموعات الكتب في مبنى التراسنطة، الذي كانت المكتبة تستخدمه حتى انتقالها إلى حرم “غفعات رَم” عام 1960 (هئزراحي 1967، 31). مع ذلك، ظلّت فروع المكتبة الوطنيّة مفتوحة طيلة فترة الحرب واستمرّت إعارة الكتب بانتظام. وتميّزت هذه الفترة أيضًا بالتبدّلات السياسيّة الجذريّة: فبعد تأسيس الدولة طُلب من الجامعة العبريّة التجنّد “للغايات الرسميّة الحكوميّة”؛ ولذلك فإنّ الاستقلالية الذاتيّة المؤسّساتيّة التي حظيت بها في العقود السابقة تأذت كثيرًا. وتدريجيًا، بدأت تخضع لسيطرة الحكومة على الصعيديْن الأداتيّ والإيديولوجيّ. لقد تبلورت هذه الجامعة في سنوات العشرين والثلاثين على نسق وروح أفكار أحاد هَعام، بما يتعلّق بوعي اليهوديّة الروحانيّ، وبكونها “جامعة منتشرة” تعبّر عن الوحدة بين أرض إسرائيل والشتات ومعارضة للصهيونيّة السياسيّة والجغرافيّة، إلا أنّ بن غوريون قام بتأميمها بشكل فعليّ (أ. كوهن 2006). صحيح أنه يمكن القول، وبمفاهيم معيّنة، إنّ التوتّر بين الجامعة وبين الصهيونيّة المهيمنة لم يكن إلا ظاهر الأمر فقط: فالاستقلاليّة الذاتيّة الثقافيّة غير منقطعة عن القوة السياسيّة بل هي ملازمة لها ومتأصّلة فيها، وهي تخدم الأمة عبر إنشائها لفضاءات من المعارضة والنقد التي تُصدّق وتقوّي الأيديولوجيّة المسيطرة (ليئور 1999، 99). وعلى غرار ما قاله باروخ كيمرلينغ، فإنّ غالبية الجامعيّين كانوا ملتزمين بقواعد اللعبة الصهيونيّة وأدلوا بدلوهم في بلورة الثقافة المهيمنة، وقد فعلوا ذلك أحيانًا من خلال انتقادها، حتى لو كانوا يرفضون إملاءات السياسيّين وكانوا يشكّلون معارضة للصهيونيّة المهيْمنة، الأمر الذي عزّز من نطاق “الحدود الأخلاقيّة” الخاصة بالمجموع (كيمرلينغ 2004، 152). وعلى أيّ حال، تجنّدت الجامعة والمكتبة الوطنيّة بعد إقامة دولة إسرائيل من أجل خدمة هذه الدولة. وقد أهملت المكتبة، تدريجيًّا، وظيفتها كجسم يجسّد الشهادة الروحانيّة للديانة اليهوديّة وكتجسيد للعلاقة بين أرض إسرائيل وبين الشتات، وتحوّلت إلى مقرّ ومركز للقوميّة التي “تثني على الأنانية وتفضّلها على الإنسانيّة الكونيّة، وتفضّل “ككلّ الشعوب” على “بشرى للشعوب”” (لبسكي 1999، 331).
المبنى الذي انتقلت اليه *المكتبة الوطنية* عام 1960، داخل حرم الجامعة العبرية “جفعات رام”.
يشير جمع المكتبات الفلسطينيّة إلى التعقيدات الجدليّة لهذه التغييرات: فمن جهة، جُمعت الكتب ولم تُحرق أو تُترك لحال سبيلها في البيوت المتروكة في الأحياء العربيّة التي فرغت من سكانها، ولولا جمعها لكان مصيرها الهلاك المؤكد على ما يبدو. وعلى غرار المؤسّسات الأخرى، ومنها سلطة الآثار، قامت المكتبة الوطنيّة بلعب دور وكيلة الصيانة والحفظ: فقد وفرت الحماية للكتب في وجه الحرب والنهب والدمار والاتجار غير القانونيّ بالمخطوطات. وحمت المكتبة الوطنيّة الكتب، أيضًا، من أذرع الجيش والمؤسسات الحكوميّة الطويلة، ولولا رعايتها لكان من الممكن أن يعرض الوصيّ على أملاك الغائبين الكتبَ للبيع، كما حصل مع الأثريّات أكثر من مرة، وكما حدث فعلاً مع كتب الفلسطينيّين التي كُوّمت في مخازن وزارة التربية والتعليم.
في المقابل، استندت عمليّة التجميع على إبعاد الفلسطينيّين عن حدود المجموع القوميّ، الذي جرى تعريفه بكونه يهوديًّا وحصريًّا؛ وعلى تعامل الصهيونيّة مع نفسها باعتبارها وكيلة ثقافيّة من مهامّها الأخلاقيّة بثّ بشارة التنوير لضواحي أوروبا البائسة عند أطراف الشرق الأوسط (حينسكي 2002، 69)، وقد كان لهذا المعتقد رباطات قويّة مع الفكر التنويريّ والكولونياليّة الأوروبيّة.
“هل ينقضّ عاملو بيت الكتب القوميّ على السلب والنهب؟”
في كتابه” أنا حرب أهليّة” وصف حاييم غوري الجولات في القرى العربيّة عام 1948، وهي الجولات التي اتضح فيما بعد، وكما يشهد على ذلك بألم، أنها كانت الأساس من وراء هدم هذه القرى. هذا ما كتبه من ضمن ما كتب عن عالم القرى والمدن التي دُمّرت:
{…} لقد دُمّر هذا العالم ولم يعد قائمًا، وقلبي يبكي بداخلي كلما تذكّرته. فقد كان هذا العالم جزءًا من حياتي، من طفولتي، وكان يكتنفه الجمال وتتخلّله العلاقات {…} الكثير منّا أحبّوا القرى التي فجّرناها، ذلك العالم الذي خرُب ولن يعود. هل يحقّ لي استحضاره؟ لقد كان يكتنفه الكثير من الجمال المحيط بالمنازل السكنيّة الطالعة من الأرض، بالمناظر والأصوات والروائح، بالعادات والضجّة والألوان، حتى الصمت الرقيق في القرى الذكيّة ليلاً، صمت يومض في ضوء مصابيح على الحدّ بين المعتم والمنير (غوري 2004، 189-190).
تكشف المستندات المتعلقة بجمع الكتب الفلسطينيّة، هي الأخرى، عن قدر كبير من التناقض الداخليّ: فبعض الشهادات التي كُتبت في تلك الفترة تشير إلى نزعة العاملين في الموضوع لعرض عملية الجمع وكأنها عملية إنقاذ رحومة. وقد ورد في إضبارة الأخبار الخاصة بالمكتبة  في نيسان 1949 ما يلي: “في نهاية شهر أيار بدأ بيت الكتب بجمع الكتب المتروكة في المناطق التي اُحتلت، مع فرض وصايته عليها. وأدّى هذا إلى إنقاذ آلاف الكتب من أضرار الحرب ومن التلف. الكتب محفوظة في المخازن التي يشرف عليها بيت الكتب. لم تنتهِ عملية جمع هذه الكتب المتروكة بعد، وهي مستمرّة بكلّ قوة”؛وكُتب في إضبارة الأخبار الخاصة بالمكتبة في حزيران من تلك السنة: “جمع بيت الكتب في الحرب عشرات آلاف الكتب المتروكة، فأنقذها من التلف. وتمّت هذه العمليّة بدافع الإخلاص الكبير الذي أبداه بعض العمال ومن خلال تعريض حيواتهم للخطر”. ويتطرّق مصطلح “بيت الكتب القوميّ” في الموسوعة العبريّة، الذي كتبه شلومو شونمي، إلى هذه القضيّة أيضًا: “بادر بيت الكتب أثناء حرب الاستقلال إلى عمليّة واسعة تركّزت في إنقاذ الكتب من التلف والضياع في الأحياء العربيّة المتروكة. ونتيجةً لذلك، جُمعت عشرات آلاف الكتب، وهي محفوظة كوديعة إلى حين اتضاح مصيرها” (شونمي 1957، 1048). في المقابل، تكشف شهادات أخرى عن التخبّطات والحيرة، وتشير إلى أنّ عاملي المكتبة الوطنيّة كانوا يعون ازدواجية النهب والإنقاذ الكامنة في أفعالهم. ويشهد على ذلك، مثلاً، تقرير المكتبة الوطنيّة في شهر آذار 1949:
عند اتخاذ قرار العناية بالكتب، بدأنا بالعمل ونحن نحار في ما”سيقوله الناس”. وفعلاً، سمعنا هنا وهناك جملا مثل “هل ينقضّ عاملو بيت الكتب القوميّ على السلب والنهب؟”. ولكن عندما أدركنا أنّ رفضنا للضلوع في إنقاذ هذه الكتب سيحكم عليها بالسرقة والتلف، اختفت كلّ التخبّطات التي رافقت البداية وبدأنا بجمع الكتب بنشاط كبير. وكانت بداية الجمع في نهاية أيار واستمرّ حتى اليوم، مع بعض الاستراحات القليلة. اتفقنا على مبدأ يقضي بعدم إخراج الكتب إلا من البيوت المقتحمة والمفتوحة. لم نخرج الكتب من شقق مغلقة ولم ندخل الشقق التي لم يتركها سكانها {…} وأدّت عملية إنقاذ الكتب المتروكة إلى إحضار بضع عشرات الآلاف من الكتب ومئات المخطوطات إلى مخازن بيت الكتب الوطنيّ. في زمن الفوضى والارتباك جرى إنقاذ ممتلكات روحانيّة هائلة، لن ندرك قيمتها الكاملة إلا بعد ترتيب وتسجيل كلّ المواد”.
يشير هذا الاقتباس إلى القيود التي فرضها عاملو المكتبة الوطنيّة على أنفسهم، مثل منع إخراج الممتلكات الثقافيّة من بيوت مغلقة أو مأهولة، وهي تكشف في الوقت نفسه عن شكوكهم. وخلافًا للانطباع الطالع من الاقتباسات السابقة، يتّضح أنّ عاملي المكتبة الوطنيّة كانوا على دراية باحتمال كون جمع المكتبات الفلسطينيّة نهبًا، أو أنه بالإمكان تفسيره على هذه الشاكلة. أمّا المعتقد المناقض، الذي يقضي بأنّ ما حدث هو إنقاذ رحوم، فقد تبلور على أساس الاعتراف بالإمكانيّة الأولى، حتى لو نبع الأمر من منطلق رفضها؛ وفي سبيل تبنّيه كان على مُنفّذي عملية الجمع أن يضعوا نصب أعينهم ما كان سيحدث للكتب لو أنهم لم يقوموا بجمعها. عليه، يبدو أنّ التخبّطات لم تختفِ، بل ظلت حاضرة في مجرّد غيابها وفي الجهد المبذول لصدّها.
أصحاب الكتب
كان محمد إسعاف النشاشيبي (Mohammed Is’af Nashashibi, 1882-1948) ابنًا لإحدى أهمّ وأثرى العائلات في القدس، وكان من طلائعيّي الكُتاب في الصحف العربيّة في البلد. وكان إبان الحرب العالميّة الأولى مُدرّسًا في كليّة الصالحيّة. وفي مطلع فترة الانتداب كان مديرًا لمدرسة الرشيديّة، ثم عمل بعد ذلك مفتّشًا في قسم التربية إلى أن استقال من وظيفته عام 1930. نشر محمد إسعاف دواوين الشعر وكتب الأدب والأبحاث، وكان الممثل الأبرز للمدرسة المحافظة في الأدب الفلسطينيّ واللغة العربيّة. وفي عام 1918 أنشأ لنفسه بيتًا ضخمًا في حيّ الشيخ جرّاح في القدس، ضمّ من بين موجوداته مجموعة غنيّة من الكتب. وقدّر ابن أخيه ناصر الدين النشاشيبي(Nasser Eddin Nashashibi, 1923–2013)، أنّ مكتبة عمّه إسعاف ضمّت عشرات آلاف الكتب (مقابلة شخصيّة، 22/7/2007). وكانت مكتبته من إحدى أكبر المكتبات في القدس أثناء الانتداب البريطانيّ؛ وقد أمّها في كثير من الأحيان مثقفون وأدباء عرب. لم تنجُ مكتبة النشاشيبي من الحرب، وقد انتقل هو بنفسه إلى القاهرة مع اندلاع المعارك، ويقول ناصر الدين النشاشيبي إنّ كتبه نُهبت على يد اليهود والفلسطينيّين على حدّ سواء: “اللصوص لا قومية لهم. الكتب التي سرقها فلسطينيّون نُقلت شرقًا والكتب التي سرقها اليهود نُقلت غربًا، إلى المكتبة الصهيونيّة”. وأضاف النشاشيبي في المقابلة أنّه حاول بعد عام 1967 أن يستعيد بعض هذه الكتب. وقد التقى بمثقفين إسرائيليّين واقترح عليهم دفع 5 دنانير مقابل كلّ كتاب، لكنّ جميعهم رفضوا. “أنا أذكر أنني التقيت عام 1968 ببروفسور إسرائيليّ من الجامعة العبريّة، وأخبرته بذلك، فأجابني: أنظر، لقد اندلعت حرب، لم نعرف ما يجب فعله بالكتب”.
في أثناء الحرب، كان ناصر الدين النشاشيبي يمكث في رام الله. وفي حديث معه قال إنّ غالبيّة الكتب كانت محفوظة في مكتبة عمّه إسعاف. وهو يقول إنه زار المكتبة الوطنيّة عام 1968 ووجد هناك كتابًا عنوانه “مكرميّات” الذي تلقاه عام 1945هديّة من مؤلفه مكرم عبيد (1889-1961)، الذي كان من قياديّي حزب الوفد المصريّ بين الحربيْن. وما يزال الكتاب موجودًا في بيت الكتب الوطنيّ والجامعيّ وعليه إهداء لناصر الدين النشاشيبيّ، مكتوب بحبر أزرق: “إلى ناصر الدين، الأديب الواعد”.
لا يظهر اسم إسعاف النشاشيبيّ في تقرير بيت الكتب الوطنيّ بشهر آذار 1949. ويظهر فيه ستّون اسمًا لأصحاب الكتب، في عموديْن متوازيْن: غالبيّتهم من الفلسطينيّين وقلة منهم رعايا أجانب ومؤسسات. وتشمل المؤسسات قسم الصحة في الحكومة الانتدابيّة في الحيّ الألمانيّ، والمدرسة العمريّة في حيّ القطار، وكنيسة سانت بول في الشارع الذي يحمل اسمها، ومدرسة الأمّة في البقعة، ومشفى أمراض العيون على اسم سانت جورج في الحيّ الألمانيّ، صيدليّة الحاطوم في المصرارة، ودير سان سيمون في القطمون والمدرسة السويديّة في شارع سانت بول. أمّا الرعايا الأجانب الذين أشير إلى جنسياتهم في داخل قوسين فهم د. باور، فرنسيّ، ومارتي، يونانيّ. أمّا ما تبقى من الأسماء، وهي خمسون اسمًا، فهي لفلسطينيّين: مثقفون وأدباء ومُربّون وأبناء لعائلات مركزيّة ذات تأثير، ورجال أعمال وأصحاب مهن حّرة، وهم جزء غير قليل من الطبقة المتعلّمة لدى عرب القدس. توثّق القائمة التي أنجزها شونمي صورة جماعيّة لنُخبة فلسطينيّة دُمّرت حينها: فمع انتهاء المعارك اتّضح أنّ الأمر لم ينحصر في ضياع الوطن والبيوت والممتلكات، بل فقد الشعب الفلسطينيّ طبقته الأرستقراطيّة أيضًا (بابه 2002، 364).
يرد في القائمة اسم خليل السكاكينيّ (Khalil Sakakini, 1878-1953)، وهو مُربٍّ وأديب عربيّ مسيحيّ فرّ من منزله في حي القطمون يوم 30 نيسان 1948؛ وهو الذي كتب في يوميّاته واصفًا الفراق القسريّ عن مكتبته:
الوداع يا مكتبتي! يا دار الحكمة يا رواق الفلسفة، يا معهد العلم يا ندوة الأدب.الوداع يا كتبي النفيسة القيمة المختارة {…} لست أدري ما حلّ بك بعد رحيلنا، أحرقت، أنقلت معزّزة مكرمة إلى مكتبة عامة أو خاصة؟ أصرت إلى دكاكين البقالين يلف بأوراقك البصل؟ {…} يعزّ عليّ أن أحرم منك وقد كنت غذائي الروحيّ وكنت ولا أزال شرهًا إلى هذا الغذاء، لقد كنت ألازمك في ليلي ونهاري، ولم يزرني أحد في الليل أو النهار إلا وجدني منكبا على كتبي (السكاكينيّ 2007، 240).
في صيف 1967، وبعد مضيّ شهر على حرب حزيران، زارت ابنتا خليل السكاكيني، هالة ودمية، المكتبة الوطنيّة (Sakakini 1987, 121). وتقول الاثنتان إنّ المكتبيّ الذي استقبلهما سمح لهما باختيار كتاب واحد فقط، اعتمادًا على ذاكرتيهما؛ “لقد اخترنا “البخلاء” للجاحظ، وهو موسوعيّ من القرن التاسع. وفعلاً، بعد فترة عاد المكتبيّ وبيده الكتاب، وسمح لنا بتصفّحه أمام ناظريه، وكأننا لصّتا ثقافة خطرتان، وانتظر حتى أعدناه” (هنغبي 2002، 121). وما يزال توقيع السكاكيني المكتوب بحبر أسود بالعربيّة يظهر حتى اليوم على بعض كتبه.
“بيع الكتب للفائزين بعطاء شراء النفايات الورقيّة”
وكما أسلفنا، أقيمت في مدن يافا وحيفا والناصرة والقدس فور إقامة الدولة، مخازن احتوت نحو 40,000 كتاب، غالبيّتها كتب تدريسيّة جُمعت من مؤسّسات تربويّة ومن مدارس عربيّة أثناء حرب 1948. وخضعت الكتب لإشراف ورقابة قسم التربية والثقافة للعرب في وزارة المعارف، وكانت تتبع لإشراف موظفين وبيروقراطيّين: شموئيل شلمون، ونائبه دافيد دواك، ونائب وزير المعارف ي.ل. بنوار، ومحاسبين ماليين ومخزنجيّين وأشخاص من وزارة الماليّة ومكتب مراقب الدولة ومحققين من الشرطة الإسرائيليّة. لم يكن كل هؤلاء الخدم المجهولين للجوانب الإداريّة، ليظنّوا لوهلة أنّ يومًا ما سيحلّ وسينتشل أحدهم أسماءهم من غياهب النسيان؛ ومع ذلك، اُستُئجرت مبانٍ ورُكّبت الرفوف وعُيّن موظفون عملوا على تصنيف الكتب، وعلى بيعها أيضًا- كما سنرى بعد قليل. خصّصت وزارة الماليّة ميزانيّة لمخازن الكتب، كانت ضئيلة جدًا على ما يبدو: فبين الأعوام 1953-1958 اشتكى شلمون مرارًا من أنّ ميزانية “المكتبة العربيّة” –وهو الاسم الشامل الذي مُنح لمخازن الكتب- غير كافية، وادّعى أنّ هذا يُلحق الضرر بالكتب ما يُقلّص هامش الأرباح التي يمكن جنيها منها. وقد عمل في المخازن الأربعة مجتمعة مخزنجيّ واحد وثلاثة موظفين. وكانت هذه الكتب تُذكّر بالروح السائدة في المكتبات، ما يشبه الخليط العجيب من النظام والفوضى، مع أنها فرضت في الوقت ذاته، وبسبب “مشكلة التربية العربيّة”، مشاكل جمّة واجهها قسم التربية والثقافة للعرب. وفي 30 نيسان 1953 كتب دواك لشلمون انطباعاته من جولة أجراها في مخازن الكتب العربيّة في القدس:
في جولة أجريتها في مخزن الكتب المذكور أعلاه، تيقّنتُ من العدد الكبير لكتب التدريس والقراءة بالعربيّة الموجود في مخزننا المؤقت في القدس. قسم كبير من هذه الكتب مرزوم في داخل رزم وعُرّف وفق مضامينه. قسم آخر ما زال موجودًا في مرحلة ما قبل العدّ والترتيب {…} لا شكّ في ضرورة فحص هذه الكتب من ناحية مضمونها والفائدة التي يمكن أن تعود بها على مشروع التربية العربيّة، وأنا أفترض أنك على دراية بهذه المسألة.
في نهاية عام 1948، تقرّر بيع الكتب. لقد شكّل هذا نهج عمل خاصًّا: فالكتب التي أُخِذت في الحرب وبعدها من المدارس العربيّة، بيعت مجدّدًا للفلسطينيّين الذين بقوْا في البلد، بعد أن خضعت لعمليّة تصنيف وتسجيل وبعد فحص مضامينها وتصديق موظفي وزارة المعارف لها. وقد بيع جزء من هذه الكتب إلى مدارس عربيّة مباشرة، فيما عُرضت كتب أخرى للبيع العلنيّ في مزادات أجرتها وزارة المعارف بين فينة وأخرى في المدن الكبيرة. الأديب والشاعر والمربي الفلسطينيّ حنا أبو حنا، من مواليد قرية الرينة المحاذية للناصرة، حضر أحد مزادات البيع هذه:
في مطلع سنوات الستين سمعتُ أنّ وزارة المعارف تجري مزاد بيع كبيرًا لكتب وُجدت في أماكن عدّة. جرى البيع في حيفا، في مخزن كبير في شارع أللنبي. وكان بوسع كلّ راغب بالشراء أن يأتي ويشتري. أنا ذهبت إلى هناك أيضًا، ووجدت كتبًا تدريسيّة بالأساس، بالإضافة إلى كتب أخرى، كلّها بالعربيّة. كان أحد الكتب التي ابتعتها تابعًا للدكتور محمود يوسف نجيب، الذي كان مُدرّسًا ويملك مكتبة كبيرة: كان اسمه مدوّنًا على الغلاف الداخليّ. أنا أعرف نجيب. في تلك الفترة كان قد بدأ التدريس في الجامعة الأميركيّة في بيروت. بعد أن اقتنيت الكتاب أرسلته له إلى بيروت، بواسطة صديق أميركيّ كان يعيش في أوروبا (مقابلة شخصيّة، 14/3/2007).
ويقول أبو حنا إنّ نجيب ترعرع في المجدل (أشكلون اليوم) وترك البلد قبل اندلاع المعارك، إلا أنّ خبرًا تسرّب إلى مسامعه حول الكتب التي أُخذت من بيته، إذ إنه لم يكن حاضرًا في البلد عام 1948. “بعد أن استلم الكتاب بعث إليّ برسالة كتب فيها أنّ سرقة الكتب هي جزء من النكبة. وقال إنّ هذه الحادثة ترمز، على نحو ما، إلى النكبة بمفهومها الثقافيّ”.
http://www.haokets.org/ar/2016/05/02/%D8%B3%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%...
     

المصدر: 
موقع اللسعة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.