سحر الأسطورة والحياة قرطاج.. ذاكرة فينيقية وحاضرة ثقافية

الأحد, May 17, 2020
كاتب المقالة: 

لقرطاج وسمُها في الجمال ووشمُها في التاريخ، واسمها في المدونة الحضارية الإنسانية، وموقعها في ذاكرة الوجود، نهضت من سحر التاريخ ودهشة الأسطورة، حين رتبت أسرارها مخيلة امرأة أميرة، أسْرت من صور لبنان إلى بحر إفريقيا، حاملة معها ذاكرة فينيقية، فكانت قرطاجة بوشمها الفينيقي، لتفرد خصوبتها الحضارية في البر والبحر، في الماضي والحاضر، حاضرة للثقافة والتاريخ والأدب والفنون،

قال عنها نزار قباني:

بحرية العينين .. يا قرطاجة

شاخ الزمان وأنت بعد شباب ُ

وتقول الأسطورة بلسان التاريخ، إن الأميرة عليسة (إليسا أو إليسار) ابنة ملك صور، فرت من الموت عام (814) ق.م لتهب الحياة إلى تلك الأرض التي توسدها البحر، فأنشأتها يد الإبداع، بطين التاريخ، وحضارة الماء عاصمة للتواصل الحضاري والثقافي، لتكتب الأسطورة التي دهشتها على جدران روما: (قرطاج عروس البحر الساحرة التي سحرتنا وسحرت العالم).

من يقف أمام قرطاجة، لا يملك إلا أن يشهق أمام بحرها الساحر وسحرها الآسر، وتاريخها الزاخر، ممشوقة القوام، بين شرق وغرب البحر المتوسط، سيدة للبحر، سقتها الأساطير لبن الحلم، وألقت عليها الحكايات فتنة سردها، فأغوت كل من سمع باسمها، واهتدى إليها، بأبوابها التي لم تغلق بوجه أحد، وكأنها كانت لتحتضن الجميع بروح متسامحة، لا ترى في الآخر إلا شريكاً للذات فوق أرضها، التي ضمت جاليات من مختلف الحضارات والأديان لوبية ومصرية وأتروسكانية وإغريقية وغيرها، لأنها مدينة منذ نشأتها آمنت بالتلاقي والتواصل الإنساني والحضاري، بين شعبها والشعوب الأخرى حتى إنها، كما تشير البحوث التاريخية، كانت تمكن هذا التواصل بالمصاهرة بين القرجاجيين وبين المقيمين على أرضها، قكان فيلسوفها (عزربعل) الذي يسمى لدى الإغريق إقليتوماكوس، من أمّ قرطاجية أغفل اسمها التاريخ، ومن أب إغريقي يسمّى ديوجنيتوس.

بهذه العقلية الحضارية المنفتحة، التي تحترم الجميع بعيداً عن أي شكل من أشكال التعصب، كانت قرطاج مرآة لحضارة الإنسان، وكأن الحضارة التي تنشئها الأنثى تبقى أكثر استجابة للحياة، ولعل هذا ما جعل للمرأة القرطاجية مكانتها في تشكيل الحضارة، وحضورها المختلف عن باقي الحضارات، نقلت الثقافات، بما كان لها من مكانة في تلك المدينة والحضارة الفائقة في خصوصيتها، وتفردها، فلم يكن فرق بينها وبين الرجل، تدير أملاكها وتمارس سلطتها الاجتماعية، وتعمل في مختلف المهن، كغزل الصوف ونسج الأقمشة وإعداد الخبز والطعام وصنع الفخار اليدوي، وغير ذلك لترافقها المغازل حتّى في القبر. وإلى جانب ذلك، كان للمرأة القرطاجية دور وطني بارز في صد الغزاة الرومان، فقدمت ما تملك من حلي هبة للدولة للمساهمة في حمل أعباء الحرب، قبيل تدمير قرطاجة من قبل الرومان.

تشير المدونة التاريخية إلى اهتمام القرطاجيين بالأدب والموسيقا والفنون وسبك المجوهرات، وزخرفة الأوعية الفخارية والبرونز وعجين الزجاج بأشكال هندسية فائقة الجمال، وألوان تبهر العين وتخطف البصر، ليكون فن النحت والعمارة مختبراً لتمازج الرؤى الحضارية الكنعانية والإغريقية والمصرية، التي شكلت ذاكرة المدينة الجمالية. 

أما اللغة (البونيقية) فهي اللهجة الإفريقية للغة الفينيقية، فالرومان يسمون الكنعانيين الذين استوطنوا الشواطئ الغربية للبحر الأبيض المتوسط، بدءاً من القرن الثالث عشر ق.م بالبونيقيين التي تعني باليونانية الفينيقيين، وهي لغة سامية مثل العربية الفصحى.

قرطاج، واسمها حين تأسيسها - قرت حدشت - التي تعني (المدينة الجديدة) قيل بالنسبة لأوتيكا الأقدم منها، استوت على تلة في خليج تونس مطلة على السهل المحيط بها، وكأنها شاهدة على كل الحضارات التي مرت بها، وتركت فيها نفحة من نفحاتها، البونيقية والرومانية والفاندال والبيلاكروسية، والحضارة العربية الإسلامية، ومن هنا فآثارها تشكيل مؤتلف من تلك الحضارات، التي تشير إليها مواقعها الأثرية فالمدينة تزخر بمساحة شاسعة من الآثار، أشهرها المدافن الفينيقية، وميناء قرطاج، ومعبد التوفاة، الذي يعتبر من أشهر معالم قرطاج، وأكبرها الكاتدرائية النادرة التي ورثتها من البيزنطينيين والأكروبولس الموجود في بيرسا، والأديون، أو المسرح، والمسرح الروماني، الذي شيده الرومان في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد على ضفاف هضبة (أوديون) ويتميز هذا المعلم بهندسته وزخرفته وبمدارجه نصف الدائرية التي يفوق قطرها (100م)، تتخللها أعمدة متوجة من الرخام المزركش، إلى جانب المدرج، والسيرك، والمنطقة السكنية، وأحواض أنطونين، وكنيسة داموس الكريطة، والمسرح الدائري بقرطاج، وحي ماغون، وخزانات ملقة والمحميات الأثرية. 

ومن المعالم السياحية التي لاتزال شاهدة على أصالة تاريخها، جامع الزيتونة الذي يعد من أقدم مساجد الوطن العربي، وأول جامعة في العالم الإسلامي، وأشهر معلم سياحي في قرطاج، ومن المعالم أيضاً ساحة القصبة، الميدان الشعبي الأشهر، بما شهد من أحداث تاريخية، ومتحف بارو أكبر متحف يعرض لوحات الفسيفساء الرومانية في إفريقيا، وقصر دار الأصرم التي تُعد زخارفها مزيجاً بين نمطين: العثماني، والأندلسي. وقصر دار باش حامبة بمقتنياته الفخارية، وباب البحر أحد أبواب المدينة العتيقة، بُني عام (1860م) على شكل قوس نصر، ويمتلئ محيطه بمحال العطور والصناعات اليدوية. وسوق العطارين أشهر أسواق المدينة القديمة.

قرطاج التي تضم القصر الرئاسي، وتحتوي على مكتبة عمومية ومركزاً ثقافياً و(20) رواقاً فنياً و(20) متنزهاً عمومياً.

ولعل من أشهر معالمها الحضارية، التي عرفت به واشتهرت باسمها، مهرجاناتها الثقافية والفنية وأيامها التي تركت بصمتها الحضارية في مدونة التاريخ الإنساني المعاصر، فما إن تذكر قرطاج حتى ينهض في المخيلة والذاكرة الحضارية مهرجان قرطاج الدولي للموسيقا، الممتد من منتصف شهر (يوليو، تموز) إلى منتصف شهر آب من كل سنة منذ سنة (1964م)، والذي يعتبر من أبرز المهرجانات العربية والعالمية وأعرقها. إلى جانب أيام قرطاج السينمائية التي تنفتح على الرؤى الجديدة في السينما العربية والعالمية، لتكون السينما فضاء لاختبار الحوار بين الثقافات والحضارات، واختبار الرؤى الإبداعية الجديدة في السينما، لتكتمل هذه الدائرة الحضارية التي تتخذ من الفن مختبراً لرؤاها بأيام قرطاج المسرحية، التي انطلقت عام (1983م)، لتنتظم على غرار أيام قرطاج السينمائية مرة كل سنتين، ليسهم في حركة النهضة المسرحية العربية، إلى جانب المهرجانات العربية الأخرى.

إلى جانب أيام قرطاج الموسيقية، التي انطلقت دورتها الأولى في العام (2010م) لتحل محل مهرجان الأغنية التونسية الذي تأسس عام (1986م)، والذي تحول عام (2005م) إلى مهرجان الموسيقا التونسية.. قرطاج التي حفرت اسمها وشماً في ألواح الزمان والمكان، مدينة عبرتها الحضارات، لكنها بقيت شاهدة على الجميع بفضائها الإنساني المنفتح على جهات الأرض والحضارات والثقافات والحياة.

المصدر: 
مجلة الشارقة الثقافية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

7 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.