رمضان في القدس

الجمعة, June 8, 2018
كاتب المقالة: 

صديقتي "المسيحية" تتجنب الإفطار أمامنا احتراماً لنا، وكنتُ أتساءل في ذات الوقت هل نحترم مشاعرهم نحن أيضا في هذا الجانب؟ أذكر يوماً، مرت جنازة مسيحي وأنا وبعض الأصدقاء نجلس بباب الخليل، دون تردد وقفنا جميعاً احتراماً وكأننا نؤدي واجب العزاء لهم .. سمعتُ يوماً أبا كمال يخبر أبي أنه لا يدخن ولا يفطر أبداً أمام الناس في رمضان ..
خالي رحمه الله كان إنساناً متصوفاً، تعمدتُ ذكر كلمة إنسان لأنه كان كذلك بأفعاله، عندما كنا نحتفل بعيد ميلاد أحد أفراد العائلة كان يشاركنا بنشيد "طلع البدر علينا" وكنا نفرح لهذه المشاركة الجميلة بعد أن نغني الأغنية المعتادة في هكذا مناسبة "happy birthday to you "، كان يبتسم لنا ويحترم اختلافنا في طريقة الاحتفال .. 
هناك الكثير من الصائمين يشتمون ويلعنون لمجرد أن هناك "أزمة سيّر" في الشارع أو على باب محل لبيع "القطائف" أو "التمر الهندي"، وهنا تظهر أخلاق الصائم الحقيقي وتربية النفس..صديقي الذي لا يصوم ولا يصلي، يستفزه شتم الذات الإلهية، ويقول لي دائماً : ليتنا نصوم عن هذه البذاءة ، ليت الله حرم علينا الخروج من منازلنا في هذا الشهر لتجنب ما نراه ونسمعه الآن ..
جارتنا تأخذ حبوباً للأعصاب بشكل دائم، في رمضان أسمع صوت بكاء أطفالها باستمرار لأنها تفقد صوابها من أفعالهم، وهي تجهّز الفطور، فتضربهم، وبعد الإفطار يعيث أطفالها في الأرض فساداً أثناء نومها العميق بعد يوم شاق ومرهق .. 
أسمع باستمرار جملة : "خليني صايم "، وهذا تهديدٌ واضح وصريح كفيل أن نختصر هذا الصائم ونغرب عن وجهه قبل حلول الكارثة !
صديقتي المقربة جداً تقول : لا يهمني من يفطر أمامي، هذه حرية شخصية لا علاقة لنا بها، صديقتي تعاني من دوار شديد وحالة صحية متقلبة بين الحين والآخر وتكمل صيامها بروحها الجميلة وتحترم الجميع .

لكن ماذا لو كانت صديقتي "جلوريا" المسيحية تفطر أمامنا هل كانت ستستفزنا حقاً ونبغضها؟ صديقي المهذب الذي لا يصوم ولا يصلي من سيحترم مشاعره ويعتقل هؤلاء الذين يشتمون ويلعنون أمامه؟ 
ماذا لو تناولت جارتنا أدويتها وأعدت الفطور لأطفالها بكل حب وهدوء وهي تعلم تماماً أن الله أعطاها الحق في ذلك، ووفرت علينا هذا العذاب اليومي ؟ 
ماذا لو شرب أبو كمال "المجنون" الماء وتناول سيجارة أمام الناس انتقاماً من هؤلاء الذين كانوا يسخرون منه ويضربونه؟ 
ماذا لو طلبت صديقتي المقربة من الناس احترام دوارها الشديد وحاجتها لشرب الماء باستمرار ولماذا لم يستفز مشاعرها أحد لغاية الآن؟

هل كان عليَّ أن لا أذكر هذا كله أمامكم واختصر القول بأننا نقيس صبرنا بالآخرين، ومشاعرنا مستباحة حين نحمل ذنبها لأفعال الطرف الآخر، ونقول أن الصائم يُستفز ويغضب ﻷن أحدهم لم يحترم صيامه.. لماذا ننتظر ردة فعل من الناس ونحن مقتنعين بالفعل وننتظر أجره من الله؟ المجاهرة مسألة أخلاقية في الدرجة الأولى وتعود للشخص نفسه ولا تعود لأحد غيره، كذلك عندما تحترم مشاعر المريض والخائف والحزين والفقير والتعيس وقليل الحظ والمنكوب واليتيم أنت تحترم الإنسان فيك أولاً. الدين لله ، هو وحده يحاسب.

*اديبة فلسطينية من القدس

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.