دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

راهن على المستقبل المفتوح .. عبدالتواب يوسف.. وسّع أفق أدب الطفل العربي

السبت, August 28, 2021
كاتب المقالة: 

كما أن للأطفال عالمهم المدهش بأحلامه وتصوراته وخيالاته الخصبة، المفتوحة على كل الآفاق، كذلك هو أدب الأطفال الحقيقي، تفردٌ في الحلم والخيال والإيقاع والرؤية، برهانه على اللغة والأسلوب والخطاب في المبنى والمعنى. فأن نكتب للأطفال، يعني أن نستعيد طفولتنا، أن ينهض ذلك الطفل كما ينهض الحلم في داخلنا، ليعيد كتابتنا، وإنشاءنا إنشاء آخر، عبر انفتاحه على زمننا الحاضر، وبالتالي تصبح الكتابة للأطفال إنشاء جديداً للحلم.

بهذا المعنى حمّل الطفولة حلماً ورسالة وإبداعاً متفرداً بأسلوبه، الذي ابتكره لنفسه ولم يسبقه إليه أحد كما يرى أنيس منصور. وهو أن يتصور نفسه بين الأطفال ويتحدث إليهم، الأمر الذي يجعل القارئ مشاركاً بالتفكير والرأي في القصة التي يقرؤها، (فكان في طليعة القلائل، الذين أبدعوا أدباً حقيقياً للأطفال كما ترى سهير القلماوي، إلا أنه يرفض فكرة الريادة بل يرى أن كامل الكيلاني، هو الرائد الحقيقي لأدب الأطفال، ويعده أهم من أندرسون لأنه قام بابتكار (10 قنوات) لثقافة الأطفال).

وكما كان أدب (كامل الكيلاني) للأطفال  نقلة أسلوبية وفنية وجمالية، أسست لإيقاعية مختلفة في الشكل والمضمون والغايات، كذلك كان عبدالتواب يوسف، الذي مشى على خطى  ذلك الرائد، مطوراً ما بدأه بانفتاحه على أدب الأطفال العالمي ومستجداته،  فتفرد بكل ما أعطى، كماً وكيفاً ورؤية، تأليفاً وترجمة، لأنه من المؤمنين بأن أدب الأطفال هو أدب المستقبل، وكما يرى (أن العناية بأدب الطفل سمة حضارية لأنها تعني التعامل مع (علم المستقبل) والتخطيط له، فقديماً قالت العرب: (إننا نربيهم لزمان غير زماننا)، وقد اهتمت منطقة الخليج العربي بهذا الأدب من منطلق الأصالة والمعاصرة والمستقبلية).

لم يكن تفرد عبدالتواب يوسف بالكم الذي كتبه، والذي ناهز الألف كتاب للأطفال ولا بالبرامج التي قدمها، بل بذلك الحس الجمالي والإنساني والقيمي الذي امتاز به أدبه وتلك الرؤية التي جمعت الفكرة إلى المعنى، والأسلوب الذي جمع العذوبة والبساطة إلى الدهشة والعمق، في تقديم الأدب للطفل، فكان رائداً ترك بصمة مختلفة في مشهد  أدب الأطفال العربي، فقد عرف كيف يستعيد طفولته، وهو يدخل هذا العالم المحفوف بالمغامرة والدهشة، وعرف كيف يعيش تلك العوالم، التي تدهش الكبير قبل الصغير، لأنه لم يغادر الطفل الذي يعيش داخله، بل أطلقه بكل ما يمتلك من فضاءات الحلم، وكل ما يمتلك من طاقة الطفولة الخلاقة، لأن (كاتب الأطفال،  كما يرى، مخلوق له خصوصيته الناشئة عن أنه يتقمص شخصية الصغير حين يخاطبه، ويحاول أن يتبسط، ويرجع إلى النبع يستقي منه مادته، وموضوعاته، وهو خلال ذلك يفتش عن كلمات داخلة في قاموس الطفل واضعاً نصب عينيه ميوله ورغباته، احتياجاته ودوافعه)،  بذلك يحقق المتعة في ذاته لأنه أطلق دهشة الطفل فيه كما يحقق المتعة لدى الطفل، لأنه ترجم عالمه بكل ما أؤتي من حلم.

عبدالتواب يوسف، الذي كان صاحب فكرة إصدار أول مجلة إسلامية للأطفال تحت اسم (الفردوس) عام (1969م)، كما أنه أول من قدم عملاً إذاعياً للأطفال، فضلاً عن إقامته أول مؤتمر لثقافة الطفل عام (1970م)، وإنشائه جمعية ثقافة الأطفال. قدم إنتاجاً قياسياً في أدب الأطفال ناهز (1200 كتاب)، لا مجال لذكر تلك المؤلفات التي أصبحت ذاكرة خصبة للكبار والصغار، ومكتبة إبداعية  مدهشة في كل المقاييس، فضلاً عن (40 كتاباً)  في قضايا الأدب والنقد المختلفة،  حتى قال عنه  ديسان رول، رئيس الهيئة الدولية لكتب الأطفال: (إن مكتبة عبدالتواب يوسف هي أكبر مكتبة أطفال موجودة في بيت في كل العالم، ومؤلفاته ينطبق عليها نفس الشيء).

فقد استطاع عمدة كتاب الأطفال العرب، أن يوسع أفق أدب الأطفال، وأن ينهض به شكلاً ومضموناً، باستلهامه كل أشكال التراث العربي والإسلامي والإنساني، شعراً وقصة وبرامج إذاعية، بأسلوب يراهن على الفكرة والموضوع والمتعة والخطاب الجمالي، لأنه مدرك أن أدب الأطفال، هو الاختبار الحقيقي للمبدع، وبالتالي (على كاتب الأطفال أن تكون لديه قدرات لغوية كبيرة حتى يستطيع أن يبسط دون أن يخل بالرقي اللغوي، بل عليه أن يوصل، إلى جانب المعلومة، المشاعر والأحاسيس والأدب الذي يريد أن ينقله للطفل من خلال قصة ما.. فكاتب الأطفال الناجح عليه أن يخاطب العقل والقلب في الوقت نفسه).

أراد عبدالتواب يوسف، في كتاباته للأطفال، أن يقدم رؤية تربوية وقيمية ومعرفية، للارتقاء بالطفل وأدبه، بمنهج يبدأ ـــ كما يقول ـــ بترسيخ العقيدة في وعي الأطفال وعقولهم، ثم تحبيب القرآن الكريم لهم، لأن (حفظ الأطفال لآيات القرآن، يرتقي بهم لأسلوب القرآن الراقي والمعجز).

فليس غريباً أن يطبع من كتابه (حياة محمد) في عشرين قصة، (7 ملايين) نسخة؛ ومن كتابه (خيال الحقل)، (3 ملايين نسخة) ، فضلاً عن طبعات كتبه الأخرى التي  تحتاج إلى وقفات مطولة، للكشف عن آليات  الإبداع لدى هذا المبدع الموسوعي، الذي ترك إرثاً لا ينضب، وإبداعاً لا يخبو، لأنه لم يكن يكتب لزمن محدد، بل كان يراهن في كل كتاباته على المستقبل المفتوح، وبالتالي كان رهانه على صيرورة الإبداع، التي تستجيب لصيرورة الزمن في تحولاته، التي تترك أثرها على كينونة الكائن في الحاضر والمستقبل.

المصدر: 
مجلة الشارقة للثقافة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

8 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.