ذُهِل فيّ الإنسان وصُفعت المرأة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

ما الذي يجعل الإنسان إنساناً إلا أنه يفكر ويتأمل ويبدع؟!!. هؤلاء الناس وتلك المناخات يجعلونك تفكر وتحلق وتستكشف إنسانيتك.. تستكشف نوعاً خاصاً جداً من المتعة والنشوة.. إنها نشوة الإبداع ونشوة المعرفة...

 

خُيل إلي أني ذهبت مع الدكتور سمير سرحان إلى مقهى الحياة. زرت كل المقاهي التي تحدث عنها.. مقهى عبد الله بالجيزة.. مقهى إنديانا.. أحببت كثيراً فكرة أن يكون المقهى أكثر من مكان لشرب الشاي والقهوة ولعب النرد والتدخين.. أن يكون ملتقى يومياً للأدباء والمثقفين والنقاد.. مقهى تدور فيه النقاشات وتُقَرأُ فيه القصائد والكتابات الغضة التي ولدت حديثاً. رأيت بعينيه أن الأدب عالم كبير يحفل بأشخاص مهووسين به، ومتذوقين له، ومبدعين بكل معنى الكلمة. عالم يتحدث عنه بهوس المفتون إذا كان يسرد أسماء كل هؤلاء المثقفين الذين عاشرهم وعرفهم منذ فتوته بغبطة الفتى الذي تلمع عيناه مبهوراً...

 

جعلني أشعر بأن كل المصريين يهيمون غراماً بالأدب والمسرح والنقد، وأنهم كل مساء يجتمعون إلى المقاهي ويتناقشون، وذلك لكثرة الأسماء التي أوردها بكثير من الاحترام لهم.

أنور المعداوي، صلاح عبد الصبور، سعد الدين وهبة، نعمان عاشور، عبد المعطي حجازي، رجاء النقاش، و.. و.. و.. و.. وتوفيق الحكيم...

 

لاحقت خطوات الدكتور سمير وأنفاسه التي يلتقطها مع كل حلم يقطفه. مجموعته القصصية الأولى التي تجاسر وطلب من الناقد الشهير أنور المعداوي أن يقدمها وهو مجرد فتى لم يسمع به أحد، وبالفعل حصل على ما يريد، بل وأكثر من ذلك كانت المجموعة القصصية جواز سفر يسمح له بارتياد المقهى ومجالسة هؤلاء العمالقة  ومواكبة عوالمهم ومناقشاتهم...

 

شاب صغير يعود إلى غرفته ليلاً، ويقرأ روائع الأدب العالمي، وتكون إحدى قصص جي دي موباسان شفاء لروحه، بعد ليلة عانى فيها من خيبة الأمل، وانكسار الأحلام، وادراك أنه مهما كانت الحياة قاسية فالفن جميلٌ.. جميل...

 

وما الذي يجعل الإنسان إنساناً إلا أنه يفكر ويتأمل ويبدع؟!!. هؤلاء الناس وتلك المناخات يجعلونك تفكر وتحلق وتستكشف إنسانيتك.. تستكشف نوعاً خاصاً جداً من المتعة والنشوة.. إنها نشوة الإبداع ونشوة المعرفة. كلما عرفت أكثر كلما حلقت أكثر وذهلت أكثر... قد تصل إلى حالة فكرية لا يمكن وصفها، إثر مفعول أفكار عميقة ومعقدة. حدث هذا معي في رحلة رولان أومنيس، فكما وصفت إنها رحلة شائقة بالغة الجرأة، تبدأ من مدارس الفلسفة الإغريقية القديمة وصولا إلى الحياة النابضة في مختبرات العلوم النووية. فلسفة الرياضيات والفيزياء وتماهيهما مع بعض. إنها ذاتها فلسفة الكون والحياة.. كل ذلك في كتابه "فلسفة الكوانتم".

 

ذلك الرجل المولع بالفيزياء والعلوم والفلسفة، إذ يحلم باستعادة العلم الفيزيائي إلى عالمنا الإنساني الحميم كما يتدفق في سياق خبرتنا العادية، ونقهر غربة العلم الفيزيائي ونسترده لكي يحيا معنا في رحاب عالمنا، ورأب الصدع بين العلوم والإنسانيات والذي قيل عنه أنه أشأم معركة عرفتها البشرية.

"إننا متخصصون، وذلك هو مكمن قوتنا.. مثلما هي اللعنة التي حلت بنا، حتى الفلاسفة فينا مختصون"

يحاور سقراط.. هيراقليطس.. فيثاغورث.. بارامنيدس...

يكلمونه ويقول لهم المؤلف: "اكتشفنا لتونا إن العلم وحدة واحدة.. لا تضحكوا، فلعلكم عرفتم هذا فعلاً، لكن فقط بحكم الغريزة كشيء ترغبونه."

منذ تلك المراحل القديمة التي بدأ فيها الإنسان يضع أسس المنطق، ومروراً بنشوء فروع الفيزياء المختلفة، وصولا إلى الذروة ميكانيك الكم، وعوالم الكوانتم المدهشة، كان الكاتب يعرج على أؤلئك الرجال الذين أضافوا وساهموا وطوروا.

 

ينبغي أن أعترف بأن هذا الكتاب شدني إليه وبهرني، وأيضاً أرهقني. خلال دراستنا الفيزياء في الجامعة كنا ندرس قوانين نيوتن، وكبلر، وكولون وبيو، وسافار و.. و.. قانون كذا يقول كذا، وسنستعمله في المسألة الفلانية، وفي التطبيق الفلاني، ولايمكنني نسيان تساؤلاتي الأولى التي كانت تتمحور حول الاستفهام المهم، كيف توصلوا إلى تلك القوانين؟!...

 

كنت سعيدةً حين عرفت بأن كبلر مثلاً -الذي استعملنا قوانينه كثيراً- كان فتىً بارعاً في الحسابات، وأنه ورث كمَّاً كبيراً من الحسابات المعقدة التي حصل عليها تيخو براهة من خلال رصده لحركة الكواكب على مدار عشرين سنة. يقول المؤلف حرفياً: "في رايتسبون استأجر تيخو براهة شاباً ألمانياً موهوباً في الحسابات ليعمل مساعداً له.. إنه يوهانس كبلر...

إن كبلر واحد من أؤلئك المؤرقين بالبحث الدؤوب عن الانسجام، والذين صنعوا عصر النهضة، تَفَكَرَ ملياً في المعطيات الفلكية المتراكمة، كما لو كان يحل أحجية مجاهداً ومناضلاً من أجل إيجاد النظام الخبيء، والذي سوف يكتشف عنه رويداً رويداً.. الجديد حقاً هو تشبثه العنيد بالبحث عن نوع ما من النظام بأي ثمن."

وفعلا اكتشف كبلر النظام القابع خلف تلك الحسابات والمعطيات، وتوصل إلى قوانينه الشهيرة.

 

من خلال هذا الكتاب عرفت أشياء كثيرةً.. حول كيف بنى أؤلئك العلماء حجرة فوق أخرى؟. عن تخصصاتهم وحتى قدراتهم العلمية وتفاوتها، والظروف وحجم المعلومات التي كانت متاحة لهم، كنت شغوفة بتلك الفقرات وتفاعلت معها إلى الحد الأقصى. كان لدي نوع من الإحساس بالتوحد معهم.. لنقل نوع من المشاركة والغبطة والشغف.. المعرفة التي حققوها، والجهود التي بذلوها.. كانت بالنسبة لي شيئاً عظيماً وهائلاً يبعث على الخشوع...

تجارب أؤلئك الرجال خلَّدها التاريخ، وحفرت على جبين الإنسانية.. لا أعرف إذا كانوا أثناء عملهم يدركون ذلك.. حتى وإن لم يكن.. أعتقد بأن مجرد خوضهم تلك التجربة هو وحده شيء لايقدر بثمن... شغفهم بالعلم.. فالمشي في طريق المعرفة له مكافأته الذاتية.. يتجلى ذلك في آرائهم، فغاليليو كان يعتقد بأن: "كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات".

أيضاً بواسون رياضي مقدام. اعتاد أن يقول بملء فمه: "ليس هناك إلا شيئان يجعلان الحياة جديرة بأن تعاش.. هما ممارسة الرياضيات وتدريسها."

***            ***            ***

في بحر كل هذه الخواطر المثيرة والمحفزة التي كانت تراودني.. ينبغي أن أعترف بأني نلتُ أيضاً صفعةً قويةً جعلتني أصحو على كابوسٍ مزعجٍ.. هو أن كل أؤلئك الذين شغفت بأعمالهم، وإنجازاتهم على صعيد العلم والأدب هم رجال... تلقيتُ صفعةً كامرأة حين سألتُ نفسي: "في الوقت الذي كان فيه أؤلئك الأدباء يكتبون، ويتناقشون في المقاهي، والعلماء غارقون في حساباتهم وملاحظاتهم.. ماذا كانت زوجاتهم يفعلن؟!!!.

زوجة فيثاغورث، وكبلر، وحتى شرودنغر.. هل تعفنَّ في المطبخ؟!!!.

أشفق كثيراً على المرأة عبر التاريخ.. لا ننكر بأنها شاركت هنا وهناك.. لكن في المحصلة النهائية.. نسبة مشاركتها الفعلية، ووجودها في الساحة العلمية والأدبية والثقافية، وسائر المجالات الحياتية هو أمرٌ يرثى له... أمرٌ مثير للشفقة، والأسى.. لا لشيء، إلا لأنها قد عاشت على هامش الحياة.. ضمن حلقة ضيقة جداً ومحدودة جداً.. وحرمت من الخوضِ في تلك العوالمِ السحريةِ والمذهلة.. حرمت من تلك التجربة الإنسانية المذهلة في التفكير، والتأمل، والاكتشاف، والتعلم، والمعرفة... لم تتذوق ذلك الإحساس بأن قدراتها العقلية، والذهنية تنمو وتتطور وتصبح أكثر حدةً وتركيزاً.. والكارثة أن من يعيش ضمن تلك الحلقة الضيقة.. يشعر أنه مكتفٍ تماماً، ولاينقصه أي شيء.. وأنه مركز الكون، ولايساوي كل هذا الكلام عنده قشرة بصلة.. هذا لايعني أن شريحة واسعة من الرجال أيضاً كذلك..  فطبعاً ليس كل الرجال علماء ومثقفون...

***            ***            ***

في النهاية: أن يأتي إنسان إلى الحياة، وينفق عمره في تفاصيل يومية، ويغادر هكذا.. أمرٌ يحزُّ في نفسي.. لأننا جميعاً كبشر.. لدينا أدمغة في غاية التعقيد.. قادرة على القيام بمهام ذهنية عظيمة. كلنا أمامنا الفرصة لنعيش ذلك. فالإنسان متفرد عن بقية الرئيسيات، وحتى أعقد الحواسيب بدماغه، ومن المؤسف أن نسبةً ليست قليلةً من البشرِ لايحاولون استثماره، ولايجعلونه يعمل إلا ضمن حدوده الدنيا جداً.. المتعلقة بشؤونهم اليومية. من هذا المنطلق أتعاطف كثيراً مع المرأة.. على أنها إنسان تتعرض لذلك بنسبة أكبر من الرجال، وليس لأني طرف في معسكري الرجل والمرأة، لا لأني أطالب بحق حرمت منه المرأة.. بل لأني أعتقد أن استثمار الدماغ، وقهر الجهل.. الذي هو عدو الإنسان الأول، والارتقاء في سلم الوعي.. كلها مفاهيم ينبغي أن نحترمها ونتبناها كبشر. إنه قانون بديهي وحتمي جداً.. لا أنادي بحق للمرأة، بل بالواجب البديهي للإنسانية نحو نفسها، فعندما تعترف الثقافات الاجتماعية بهذا المبدأ وعندما نصبح كبشر ندرك جيداً قيمة العلم والمعرفة والوعي، ونقدر بأنها أكثر من مجرد أدوات وتكنولوجيا من أجل الترف، ونفهم ثراء التجربة الإنسانية وغناها في درب المعرفة.. عندما نقدر المعرفة والإبداع من أجل المعرفة والإبداع.. لا من أجل الآثار الجانبية التي يلاحظها المراقب الخارجي.. عندها ستصبح مشاركة المرأة ووجودها أمراً بديهياً وحتمياً...

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.