حوار مع كاتبة الأطفال القاصة الروائية السورية لينا كيلاني بجريدة “الشمال " بمدينة طنجة ـ المغرب

الخميس, April 29, 2021
كاتب المقالة: 

تعريف بالكاتبة:لينا كيلاني أديبة سورية كرست جهودها في مجال الكتابة لأدب الأطفال ولأدب الخيال العلمي قصة ورواية ، فضلا عن الرواية ذات الاهتمام بقضايا العلم والتكنولوجية الحديثين وتأثيرهما الخطير في حياتنا المعاصرة وفي مصير الإنسان عموماً . درست الهندسة الزراعية و بدأت كتابة أدب الأطفال في سن مبكرة ، ونشرت أول كتـــــــاب لها في بداية دراستها الجامعية. لها مقالات عديدة في الصحافة العربية ، وأبحاث ودراسات ساهمت بها في مؤتمرات عديدة. تتميز تجربتها الكتابية بغزارة الإنتاج . من أعمالها في مجال الرواية : "الاختيــــار" ـ "بذور الشيطان" ـ "الأزهار الشريرة "ـ "العمر الوضاء في جزيرة الفضاء" ـ " لودميلا" .

الحوار :

* يقول الأستاذ عبدالفتاح كيليطو: "إذا أردتَ أن تفهمَ كتابةَ مُؤلِّف، فعليك أن تسأله عن دراسته الابتدائية لأنها مرحلة حاسمة، وفيها يتحدد كل شيء". أود أن تحدثي قراءك في أول هذا الحوار عن هذه المرحلة؟

مرحلة الدراسة الابتدائية تعني الطفولة في مراحلها الأولى.. تلك الفترة الزمنية هي التي شكلتني، وشكلت هواياتي، وطموحاتي، وما أحب، وما لا أحب.. وكانت غنية جداً بالاهتمام الأسْروي لكوني الابنة الوحيدة لأسرتي.. غُمِرتُ فيها بعالم ملون جميل مازلتُ أحمل نبضاته حتى الآن. وكنت إذا ما انفتحت أمامي صفحاتُ الكتب التي كانت تضيق بها مكتبتي الصغيرة، فكأنما كانت تنفتحُ أمامي عوالم سحرية مملوءة بالبهجة تسحبني إليها ، وأنا في حالة من الفرح والدهشة معاً..

أما الكتب المدرسية، وكان بعضها يبثُّ المعلومة في سياق القصة، فهي التي دفعتني في ذلك العمر الصغير لأن أقلدها، وأنا أقول لنفسي: لماذا لا أكتب قصصاً تشبه هذه؟.. وهكذا بدأت أولى تجاربي، ومحاولاتي في الكتابة، وأنا أحلمُ أن أصبحَ كاتبة مشهورة مثل أمي كلما رأيت اسمها في جريدة، أو مجلة، أو فوق غلاف كتاب. ولم أكن أدري آنذاك أن الحلمَ سيصبحُ حقيقة،

* عشتِ في بيت علمٍ، وثقافةٍ، وأَدب، فقد كانتْ رَبَّتُهُ هي والدتَكِ الأديبة الروائية السورية (قمر كيلاني) رحمها الله. ما مدى تأثيرِ السيدة الوالدة في مساركِ الأدبي واتجاهكِ المبَكِّر إلى الكتابة؟

كيف لطفلة تنشَاً مغمورةً بالرعاية، والاهتمام الفائقين في بيتٍ يتنفسُ هواءَ الفكر والأدب والفن، وتنتثرُ فيه الكتبُ، واللوحاتُ الفنيةُ، وتُخَصَّصُ فيه زاويةٌ للاستماع الموسيقي، ويزورُهُ مشاهيرُ الأدباء والشعراء من الوطن العربي، ومن خارجه.. أقول كيف لمن نشأ في بيئة كهذه ألا يتأثر بها؟.. صحيح أن للموهبة دورَها الأكبر، لكنْ للبيئة التي تنبتُ بها الموهبة أثر بالغُ الأهمية أيضاً ..أُمي لم تكن تشجعني على أن أتجه في مسار أدبي، لكن هاجس الأدب، والفن كان يسحبني دوماً باتجاهه، فبدأت أكتب قصصاً للأطفال، وأنشرها في الصحيفة الرسمية، وأنا ما أزال في مرحلة الدارسة.. وأمي لم تكن مقتنعة بذلك، أو متأكدة من مقدرتي على المضي في هذه الطريق، حتى جاء الوقت الذي صدقت فيه موهبتي، ورضخت لرغبتي نتيجة إصراري، فأصبحت معلمتي التي علمتني أسرار الكلمة، ورعتني كما ترعى زهرة.

*اتَّجَهْتِ إلى الكتابة في جنسين أدبيين لا يخوضُ غمارَهما إلا قلةٌ قليلة من أدبائنا. الأول: الأدب الموجَّه إلى الطفل أي “القصة النثرية بوصفها جنساً من أجناس أدب الأطفال". والمعروف أن ظهور الكتابة فيه تأخر عند العرب إلى القرن 19 مع ناصف اليازجي، ورفاعة الطهطاوي الذي ترجم حكايات "تشارلز بيرو" صاحب قصة "ذات القبعة الحمراء"؛ الثاني: أدب الخيال العلمي الذي يعرف ندرة في أدبنا العربي المعاصر. ما سر اختيارك الكتابة في هذين الجنسين الأدبيين؟

قصتي مع أدب الأطفال بدأت عندما اختارني هذا الجنس الأدبي لأن أكتبَ فيه قبل أن أختارَه.. فأنا كما ذكرت بدأت بالكتابة في عمر صغير جداً، ولو كان زمن المعلوماتية قد دخل حينذاك ، لكان أذاع عن أصغر كاتبة تكتب للأطفال.. في ذلك العمر المبكر عندما بدأت بالكتابة، لم أكن لأقْدِرَ إلا على مخاطبة الصغار الذين لا تفصلني عنهم سوى أعوام قليلة، فكانت المفاجأة أنَّ هؤلاء الصغار أحبوا القصص، وانسجموا معها لأنها كانت قريبة من عوالمهم، وتخاطبهم من داخل عقليتهم، وترى بأعينهم... فَعُرِفْتُ من خلالها، وأصبحتُ بالتالي وكأنني كاتبةٌ تخصصت في أدب الأطفال.. لكنني كنت كلما تدرجت في العمر أصبحت لدي الأفكارُ أكثر نضجاً وعمقاً مما لم يعد يصلح طرحه لأطفال المرحلة العمْرية الثانية والتي كنت أتوجه إليها ، وهكذا كانت النقلة إلى رواية الشباب، ومن بعدها رواية الكبار. أما الخيال العلمي فلم أكن بعيدة عنه أصلاً لأن أغلب قصصي كانت تدور حول معلومة علمية بسيطة تصل إلى الطفل في قالب القِصة، أو أنها القصة العِلمية التي تأتي في إطار الأدب.

 

*ثمة ميزةٌ يتميز بها مَتْنُكِ الروائي ("بذور الشيطان" ـ "الاختيار" ـ "لودميلا"ـ" الرأس المفتوح") عن الأعمال الروائية التي تكتبها معظم الأديبات العربيات، تلك هي استبعاد الأنا واستعمال الضمائر الأخرى على اعتبار أن الهموم التي تتحدثين عنها هي هموم موضوعية تهم المجتمع الإنساني، وليست همومَ المرأة الذاتية والتعبير عن معاناتها من القهر والتهميش والدونية في مجتمع ذكوري قاهر. لقد تجاوزت أنتِ في أدبكِ الروائي هذا المستوى، وانفتحتِ على قضايا إنسانيةٍ عامة تهم مصير الإنسان في كل مكان من هذا العالم. كيف تفسرين هذا الانزياح عن الكتابة الروائية التي تكتبها المرأة العربية، وما الموضوعات التي تعالجينها في رواياتك ؟

قد تستغرب أنتَ، وكذلك القارئُ لو قلتُ إنني لم أشعر بهذا الواقع الذي وصفتَهُ في سؤالك بأنه القهر والتهميش في مجتمع ذكوري، رغم أنه لا شك قائم.. أو أنني لم أعشه لأعاني منه، وبالتالي تنعكس أجواؤه في أعمالي الروائية.. ولم تكن مثل هذه الموضوعات، أو القضايا لتشغلني، أو لتثير اهتمامي في متابعتها، ورصد ظواهرها في المجتمعات عموماً، وبالتالي فقد انسحبتُ نحو عوالم أوسع، وأكثر عمقاً وشمولية من هموم الجسد، والعاطفة، والعلاقة المرتبكة بين المرأة والرجل.

أما القضايا التي دارت حولها رواياتي التي ذكرتَ، فلطالما شغلتني في متابعتها، والاطلاع عليها، وعلى مدى تأثيرها على المجتمعات سلباً، وإيجاباً، وكانت عوالمها التي أجدها مثيرة ومشوقة تسحبني إليها فلا أجد نفسي إلا وأنا أبني عالماً روائياً يدور في فلكها.. فرواية (بذور الشيطان) مثلاً كانت تتحدث عن تجربة البذار المحسن وراثياً في تجربة قامت بها الولايات المتحدة في أرض أفغانستان التي حرثتها الحروب بعد غزوها لدراسة مدى تأثير ذلك البذار المعدّل على البشر على المدى البعيد، وبعيداً عمن قام بتحسين تلك البذور ليبقى في مأمن من شرورها.. أما رواية (الاختيار) ،وهي ثلاثية ، فقد اختصرت في جزئها الأول منجزات الهندسة الوراثية والاستنساخ في عمل روائي لم يغفل في جزئه الثاني عن أخطاء العلم القاتلة، والتي كانت في (جزيرة المسوخ)، ليأتي (الاختيار أم الانفجار) في الجزء الأخير من الثلاثية وهو يبرئ العلم من آثام الشيطان. وهكذا الحال أيضاً مع رواية (الرأس المفتوح) التي تنبأت بإمكانية زرع الشرائح الإلكترونية في الأجساد البشرية قبل أكثر من عقد من الزمن. إلا أن رواية (لودميلا) كانت استرجاعاً للكارثة الأكبر التي حلت في الثمانينيات من القرن الماضي عند انفجار مُفاعل (تشيرنوبيل) الذَّري، وهي تنسج عالماً متخيلاً رغم أنه يكاد يكون حقيقياً. فهل لي بعد ذلك أن أستغرق في رواياتي في عالم هموم صغيرة أو مفتعلة، أو دون العادية؟.. ما أظن هذا.

 

*عَلِمتُ منكِ ـ منذ سنوات ـ أنكِ كتبتِ عشرين كُتَيِّباً عن (السيرة النبوية الشريفة) صدرت باللغة الإنجليزية، وتمَّ طبعُها في حلة أنيقة، وكذلك كتبتِ عن عدد من الصحابة الذين يمثلون القيمَ الإيجابية في الإسلام الحنيف، وجميعُها مَوَجَّهَةٌ إلى أطفال العالم. نود أن تَذْكُري لنا عن تلك التجربة، وما حوافِزكِ إلى الاضطلاع بهذا العمل؟

قصة (السيرة النبوية الشريفة) التي كتبتُها على مدى عشرين جزءاً، كانت تجربة مختلفة، ومميزة أخذتني في مسار جديد عندما طلبتْ مني إحدى المؤسسات الأدبية لأن أكتب عنها.. تجربة كانت موفقة الى حد بعيد إذ إن تلك السلسلة برسومها المميزة، وطباعتها الأنيقة بعد أن صدرت باللغة الإنكليزية تمت ترجمتها إلى لغات عدة منها: الفرنسية، ومؤخراً الإسبانية، ومن قبلُ كانت قد صدرت باللغات الاسكندنافية الخمس. وهذه السلسلة هي موجهة أصلاً لأبناء الجاليات العربية في الغرب ممن لا يُتقنون اللغة الأم، وفي الوقت ذاته للقارئ الغربي ليطلع على السيرة النبوية الشريفة بأسلوب بسيط، ممتع، ومقنع بآنٍ معاً. وحرصتُ أثناء كتابتها أيضاً على تسليط الضوء مهما كان صغيراً على جوانب الرحمة، والرأفة، وحسن التعامل مع الآخر .. أما السلسلة الأخرى التي كتبت فيها، فهي عن صحابة رسول الله (ص) والصادرة عن مؤسسة (دار المعارف) في مصر. وكان لي الحظ في عدد ليس بقليل منها، واعتمدت من خلالها على أسلوب القصة التي تتحدث من دواخل الأبطال ليكون النص غير تقليدي، وليكون بالتالي أقرب إلى عالم الطفولة. والسلسلة هي بالأساس موجهة للأطفال.. لكن هذا لم يمنع من أن يقرأها الكبار أيضاً.

 

*ـ من الجدير بالملاحظة شغفك بالكتابة الصحافية المتمثلة في كتابة فن المقالة سواء تلك التي تواكبين فيها بعض الظواهر الاجتماعية، أو الأحداث الطارئة، أو تلك التي تعالجين فيها قضايا تتعلق بمستجدات العلم والآثار السلبية والإيجابية للتكنولوجية الحديثة. هل يعني هذا أن الكتابة الإبداعية لا تشفي الغليل في معالجة قضايا الناس ومشاكلهم الآنية المستجدة؟

ما دمت أتفاعل مع تفاصيل الحياة، وكل ما يحيط بنا في وقائع أيامنا ، فلابد أن تثير اهتمامي موضوعات دون سواها لا تجد سبيلاً للتعبير عنها إلا من خلال جنس أدبي هو (المقالة)، ولكنها المقالة الأدبية تلك التي تنتمي إليها كل مقالاتي التي كتبتها، وأواظب عليها في مساحة حرة لمقال أسبوعي لي في إحدى الصحف الرسمية في سوريا وهي صحيفة (الثورة). تلك الزاوية الأسبوعية كانت لأمي في مقالاتها الأسبوعية والتي لها مسيرة طويلة معها. وقد آلت إليّ مع مطلع عام 2012.. صحيح إن المقال الأسبوعي قد يشكل عبئاً على الكاتب في العثور على ما هو جديد حتى لا يكرر الكاتب نفسه إلا أنها في الوقت ذاته نافذة مضيئة للتواصل مع القارئ، خاصة وأننا في زمن الرقمية الذي يتيح التواصل، والتفاعل المباشرين بين مَنْ يكتب، ومَنْ يقرأ.

 

* هل لتخصصك العلمي في الهندسة الزراعية أثر في كتابتك الأدب العلمي مقالات وروايات؟

لطالما كنت شغوفة بالأدب، ومكتبة بيتنا الزاخرة بأمهات الكتب ، كثيراً ما دعتني لأن تمتد يدي إليها لأقرأ وأقرأ، وكلما اطلعت على المزيد من تلك الكتب الثمينة ، انفتحت أمامي آفاق ما كنت لأعرف عنها لولا تلك الصفحات. وفي فترة ما من مسيرتي الأدبية، ندمت على أنني تخصصت في دراستي الأكاديمية في فرع علمي، إلا أنني سرعان ما أدركت أنه لولا تحصيلي الجامعي وما بعد الجامعي في هذا الاختصاص العلمي لما كنت قادرة على أن أقارب تلك الموضوعات التي تهتم بالعلم ومنجزاته الحضارية في مؤلفاتي عموماً سواء في روايات الكبار، أو في قصص الصغار. لقد أفادني اختصاصي هذا الذي نقمت عليه في مرحلة سابقة، وتمنيت لو أنني توجهت نحو فرع أدبي عوضاً عنه. أقول إنه أفادني جداً في البحث عن جذور الحقيقة العلمية، وفي منهج التفكير لدي، وفي اتساع مساحات المعلومات التي أطلعت عليهــا، فكانت هذه ذخيرتي فيما استفدت منه، وكتبت عنه. ‏كل هذه الكنوز التي أصبحت أمامي بفضل اختصاصي العلمي تصلح لأن تكون موضوعات لأعمال أدبية.

حاورها : د.عبدالجبار العلمي

المصدر: 
جريدة الشمال - المغرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

8 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.