حوار خاص مع المؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي

السبت, August 29, 2020
كاتب المقالة: 

تاريخ العرب من تحت: لماذا لا توجد سير ذاتية بالعربية كتبها جزار أو فلاح؟..كتابة التاريخ في العالم العربي من منظور الناس العاديين: يتحدث المؤرخ الفلسطيني المعروف طريف الخالدي في هذا الحوار الخاص لموقع قنطرة عن مكانة السيرة الذاتية في كتابة التاريخ وعن رحلته مع عوالم الكتب وعوالم لندن الخمسينيات. حاوره محمد تركي الربيعو لموقع قنطرة.

طريف الخالدي مؤرخ فلسطيني ولد في القدس في عام 1938، انتقل في فترة شبابه الى لندن وهناك درس في كلية أكسفورد قبل أن يعود إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأميركية. في عام 1996 غادر بيروت للتدريس في كلية كامبريدج، ليعود بعدها مرة أخرى الى الجامعة الأميركية في بيروت ويتولي كرسي الشيخ زايد في الدراسات الاسلامية والعربية. نشر طريف الخالدي العديد من الكتب والأبحاث التي ترجم بعضها للعربية مثل "فكرة التاريخ عند العرب"  و"صور النبي محمد" و"أنا والكتب".

المتابع لما كتبه طريف الخالدي في العقود الأخيرة، يلاحظ عودة شهيته للكتابة عن تاريخ  المنطقة من خلال السير الذاتية، وهذا ما بدا عبر إعداد دراسة عن واقع العالم العربي خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من خلال ذكريات وسير من عاشوا في تلك الفترة. لماذا اعتمدت على السير الذاتية كمصدر؟ وهل توفر لنا السير صور ومشاهد لا نعثر عليها في مصادر تاريخية أخرى؟

طريف الخالدي: كان هذا الكتاب، الذي شاركت فيه معقودا لحياة الناس العاديين خلال الحربين العالميتين. من هنا وبسبب شح المصادر الأخرى حول هذا الموضوع لجأتُ الى السير الذاتية كمصدر أساسي لاستعادة ظروف تلك الحياة. لكن يجب الانتباه إلى ان هذه السير ليست لأناس "عاديين" بل كتبها سياسيون ومثقفون وصفوا ما يجري من وجهة نظرهم المتعالية عن عذابات الناس "العاديين" رغم شعورهم أحيانا بفداحتها.

للأسف لا نملك في تراثنا سوى القليل من التواريخ، التي كتبها أناس ينتمون الى الطبقات الدنيا من المجتمع ولعل اشهر تلك التواريخ تاريخ البديري الحلاق الدمشقي في القرن الثامن عشر. الدكتورة دانا سجدي من كلية بوسطن والدكتور مالك الشريف من جامعة مونستر في ألمانيا هما المبرّزان حاليا في دراسة هذه التواريخ التي كتبها أناسٌ "عاديون".

برأيك، لماذا جرت شبه قطيعة بين المؤرخين والسير الذاتية؟ هل يتعلق ذلك باحتلال التاريخ الاجتماعي وتاريخ العامة لمسرح الأحداث بدلاً من تاريخ النخب والعظماء؟ أم يعود للتأثر بالظروف السياسية وليس لخلاف حول مناهج الكتابة التاريخية، فمثلاً يلمح جاك لوغوف في سياق حديثه عن الذاكرة الى أنه غداة الحرب العالمية الأولى كانت غالبية الدول تهدف لبناء ذاكرة مشتركة على حساب الذاكرة الفردية؟

طريف الخالدي: لا أرى أن ثمة قطيعة بين التاريخ والسير الذاتية أو غيرها من السير. الترابط بين هذين الصنفين من الكتابة التاريخية قديم جداً ولم ينقطع يوماً في أي تراث عالمي. نعم، التاريخ الاجتماعي برز الى الوجود في التاسع عشر لكنه لم يستأثر يوماً بالكتابة التاريخية. هنالك في يومنا الحاضر تأثير عميق جدا للأدب ولنظريات النقد الادبي على التاريخ وكتابته كما كان أيضا لعلم النفس في خمسينيات القرن الماضي.

حين يحتاج  التاريخ الى نظريات فهو يستمدها في العادة من العلوم والآداب المحيطة به. ولعل المثال الأبرز هو كتاب "دراسة في التاريخ" لارنولد توينبي، الذي استمد نظريته الشهيرة حول "التحدي والتجاوب" من الداروينية الاجتماعية.

أما الذاكرة فهي بمثابة "الخاصرة الرخوة" للتاريخ وهي الرابط بين التاريخ والميثولوجيا. الذاكرة المشتركة التي يتكلم عنها لوغوف هي محاولة لبعث الحياة في التاريخ القومي وكثيرا ما تختلط  بالميثولوجيا.

 

 

تذكر فرجينا وولف في سياق حديثها عن السير أن لكل شخص منا "ألف وجه ووجه". لماذا اخترت أن تبدأ أحد وجوه سيرتك الذاتية مع الكتاب؟

طريف الخالدي: السيرة الذاتية هي صنف من أصناف السِيرة بمعناها الأوسع. سيرة زيد بقلم عمرو تختلف عن سيرة عمرو بقلم عمرو. في كلا السيرتين اختيار في التقسيم والتوكيد، لكن السيرة الذاتية اختيارية بامتياز. خذ مثلا السير الذاتية لرجال السياسة. هي في غالبيتها الساحقة لا تعدو كونها تبريراً لمسلكهم في الحياة العامة ودفاعاً عنيداً عن صوابية قراراتهم السياسية، وشعارهم "يا ليتهم سمعوا مني".

لا أصنّف كتاب "أنا والكتب" كسيرة ذاتية بل هي سيرة مع الكتب فقط، أي أنها أيضا اختيارية، أما سيرتي الذاتية "الحقيقية" والتي فيها "ألف وجه ووجه" فقد كتبتها وما زلت لكي يقرأها أحفادي الأربعة فقط! 

المصدر: 
موقع قنطرة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.