حق التلاوة

الأربعاء, February 8, 2017
كاتب المقالة: 

يروي الإمام النووي (ت 676هـ)، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله r قال: «من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف،ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح][1].

ثم يتحدث عن عادات السلف في ختم القرآن؛ بدءاً بمن كان يختِمه كل شهرين مرة، وانتهاءً بمن كان يختِم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات كل يوم.

وعلى الرغم مما يعدده الإمام النووي من آداب تلاوة القرآن،وأهمية تدبره وترتيله، فإن القراءة الشائعة للقرآن عند المسلمين اليوم وعلى مر العصور؛ إنما هي قراءة الشكل والكم، بقصد تسجيل أكبر عدد من الحسنات، مقابل عدد الأحرف التي يقرؤونها، فإذا قرؤوا كان همَّهم آخرُ الصفحة وآخر الجزء، من دون أي وعي أو إدراك لما يقرؤون. و«رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه»؛ يقرأ: {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 11/18] ، وهو ظالم لنفسه.

وما يعنيني في هذا البحث، حث الناشرين،وخاصةً ناشري القرآن الكريم وعلومه، على تلمس الطرق الناجعة للتحول بالمسلمين من قراءة الكم إلى قراءة الكيف، ومن قراءة الشكل إلى قراءة المضمون. {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 57/16] ، ولقد نزلت هذه الآية، والمسلمون ما يزالون حديثي عهد بالقرآن؛ يتلقونه وحياً منجماً مواكباً للأحداث الجارية لهم، تحذيراً لهم أن يحذوا به حذو الذين أوتوا الكتاب من قبلهم.

ولعل في حديث زياد بن لبيد ما يصوِّر لنا دهشة المسلمين من هذا التحذير المبكر:

قال زياد: ذكر النبي r شيئاً فقال: «وذلك عند أوان ذهاب العلم»، قلنا يا رسول الله: وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟! قال: «ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنتُ لأراك من أفقه رجل بالمدينة. أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل؛ لا ينتفعون مما فيهما بشيء؟!»[2]، وفي هذا الحديث يتبين لنا الأفق الحضاري البعيد، ومرحلةُ التكلس التي سترتكس إليها الأمة خلال دورتها الحضارية، عندما تهتم بالشكل، وتسترخي عقولها عن وعي المضمون.

ونرى الصورة ذاتها في قصة محمد إقبال مع أبيه الذي كان كلما رآه يقرأ القرآن، يسأله: ماذا تفعل؟ فيجيبه: أقرأ القرآن..

فلما استغرب إقبال تكرار السؤال ذاته من أبيه والجوابِ ذاته منه.

قال له:يا بني: إنما أردتُ أن أقول لك: «اقرأ القرآن كأنه ينـزَّل عليك».

فإن نحن عدنا إلى القرآن ذاته، نستلهمه الطريقة التي يريدنا أن نقرأه بها، لم نجد فيه إلا الحث على التدبر والتفكر والعمـل بما نقرأ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 2/121] . ويوضح حق التلاوة متسائلاً مستنكراً: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 47/24] . ومؤكداً أن التدبر هو هدف التنـزيل {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 38/29] .

لا شك في صعوبة تغيير عادة متجذرةٍ في الأمة قروناً طويلة، ومستندةٍ إلى تفسير قاصر للنصوص.. لكن وسائط عصر المعرفة، وتقنيات الاتصال التي تعددت بين يدي الإنسان وأتاحت له تقليب النص على سائر وجوهه، ثم العودةَ إلى السياق لمتابعته قبل أن يقوم من مقامه؛ كلاهما كفيل بتذليل كل الصعاب، إذا وجدت الإرادة،وصحَّ عزم الإنسان المسلم على أداء دوره الحضاري المنشود[3].

وذلك باب يجب أن يقتحمه الباحثون لتعزيز ثقافة الفعالية لدى المسلمين، فيما يُنشر من مصاحف ومن دراسات قرآنية.

 

*من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة )

 

[1]     التبيان في آداب حملة القرآن: الإمام يحيى بن شرف النووي، دار السلام، القاهرة ط5/2008.

[2]     مسند الإمام أحمد: دار الفكر بيروت ط1/2009- الحديث رقم 17480.

[3]     رَ: القرآن وألف عام من القراءة الخاوية، ص 6.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.