دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

حقوق الإنسان في الإسلام

الأحد, December 8, 2013
كاتب المقالة: 

من كتاب " القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان " أساس حقوق الإنسان برز اتجاهان فكريان في الدساتير والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان في بيان أساس هذه الحقوق: الاتجاه الأول: أن أساس حقوق الإنسان هو العدل، فيجب على الدولة توفيره، للقضاء على ألوان الظلم والاستغلال والاستعباد. والاتجاه الثاني: أن الأساس هو الحرية ، فبغير الحرية لا يوجد العدل، وبالحرية يشعر الإنسان بوجوده، والعدل يتطلب المساواة، وفي ظلال الحرية يبرز السلام الذي يبني السلام والأمن الدوليين. وأما في الشريعة الإسلامية فأساس حقوق الإنسان هو تكريم الله تعالى للإنسان ، لأن تكريم الإنسان تكريم للمجتمع، ومنشأ كل الحقوق: صلاح الإنسان والمجتمع، وهذا التكريم الإلهي للإنسان منصوص عليه في القرآن المجيد في الآية الكريمة: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 17/70] . فحقوق الإنسان في الإسلام ذات ارتباط وثيق بالدين والأخلاق، والقيم العليا القائمة على الإيمان الحق بالله تعالى، والمساءلة أمامه، والخوف من عقابه. ومنشأ جميع الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان من مبدأ الكرامة الإنسانية المقررة أصلاً عاماً للبشرية كافة، كما تقدم. وتبدو معالم هذه الحقوق في الإنسان فيما يعرف بمقاصد الشريعة الخمسة؛ وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال. وهي الكليات والأصول التي أقرتها جميع الأديان السماوية، والتي عبرت عنها الآية القرآنية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الممتحنة: 60/12] . ولا خصوصية للنساء، بذلك، بل الآية تشمل الرجال، لأن خطاب كل جنس في التشريع الإسلامي يشمل الآخر، والآية نصت على حق التدين والاعتقاد، وحق الحياة، وحقوق النفس الذاتية والأخلاقية، وحق احترام الأعراض والكرامات، وحق الأموال كسباً وإنفاقاً. 2- أنواع حقوق الإنسان حقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، ويكمل بعضها بعضاً، وصيانتها كلِّها واجب محتم في الإسلام والقوانين والأعراف الدولية، ويمكن تصنيفها علمياً بثمانية أنواع؛ وهي[1]: الحقوق الأساسية، والحقوق السياسية، وحقوق اجتماعية للأسرة والجماعة، وحقوق التربية والتعليم والتثقيف، وحقوق العمل والضمان والتكافل الاجتماعي، وحقوق الاقتصاد تملكاً وكسباً، وحقوق المواطنة والجنسية، والانتقال واللجوء والتقاضي، والحقوق الدولية. أ) الحقوق الأساسية هي حق الحياة، والحرية، والمساواة، والتدين والاعتقاد. - أما حق الحياة: فهو أساس الحقوق والوجودِ الإنساني، ومنطلق كل نشاط للإنسان، وأغلى شيء وأخطره، فيحظر المساس به، ويحرم الاعتداء على أي إنسان مهما كان أصله وانتماؤه؛ لقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 5/32] ، وفي السنة النبوية: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا»[2]. ويحرم أيضاً على الإنسان ذاته الانتحار ، لأنه اعتداء صارخ على صنع الله تعالى، وعقوبتُه الخلود في نار جهنم، لحديث: «بَدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة»[3]، أي بادر إلى قتل نفسه. وتحرم المبارزة إلا في حال الحرب، أو تعلم الفروسية بشرط انتفاء الأذى، ويحرم الإذن أو الأمر أو الرضا بالقتل ولو بالإشارة، كما يحرم إجهاض الجنين منذ بداية تكوّنه، فهو الموءودة الصغرى، بتعبير فقهاء المالكية والظاهرية. وتعد جريمة إفناء الجنس البشري أو الإبادة الجماعية من الجرائم الكبرى الخاضعة لعقاب المحكمة الجنائية الدولية، وجاء في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان (م 2/2): «يحرم اللجوء إلى وسائل تفضي إلى إفناء النوع البشري». ويحظر شرعاً التمثيل بالقتلى، لانتهاك حرمة الإنسان . ونصَّت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه». وكذلك نصّت الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان المدنية في المادة (3) على أن «لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي». ونصت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن من أُولى مقاصده «تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً، والتشجيع على ذلك، إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء». - وأما حق الحرية: فهو حق كل إنسان في ممارسة أعماله المادية والمعنوية كما يشاء، دون مصادمة مع حريات الآخرين، إلا أنها تخضع عند الانحراف عن هدي القيم الدينية والأخلاقية للمساءلة والعقاب؛ للآية الكريمة: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا *} [الكهف: 18/29] . إن الحرية -كما أوضحت في كتابي: حق الحرية في العالم- حقٌّ فطري غريزي مقدس لكل إنسان، ما دام في الوجود، والأصل العام في الإنسان الحرية، وتتطلب هذه الحرية العيش في أفق عام دون مضايقة ولا إزعاج ولا مصادرة ولا تعطيل إلا بجريمة، ومن أطيافها أو ألوانها حرية الرأي والتعبير والنقد البنّاء والتظاهر السلمي، وكذلك حرية الاعتقاد والتدين، وحرية العمل، والحركة والتنقل، ورعاية حرمة المساكن والمنازل ومنع الدخول إليها أو تفتيشها إلا في حال الضرورة أو ارتكاب الجرم المشهود، أو بموجب إذن من صاحبها أو بأمر قضائي؛ لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *} [النور: 24/27] . ومن المعلوم أن حرية التدين والاعتقاد مكفولة، فلا يُكره أحد على قبول دين أو اعتقاد؛ لقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 2/256] . والحرية السياسية والاجتماعية مصونة في الإسلام، قال عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟». ونصَّت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤلَّف من ثلاثين مادة على أنه «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة وفي الحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء». وهو إقرار لحق الحرية والمساواة الأصيلة للبشر منذ الولادة، وبيان لصفة الإنسان الاجتماعية القائمة على الإخاء. وهذا هو أساس حقوق الإنسان في الإسلام، كما تقدم، وكما يأتي. - وأما حق المساواة - كما ذكرت في كتابي (الإسلام دين الشورى والديمقراطية)-: فيعني تساوي الناس في الحقوق والواجبات، من غير تفضيل أحد على غيره بسبب الأصل أو الجنس أو العرق أو الطائفة أو القبيلة أو الدين أو المذهب أو اللون أو الدم أو الطبقة الاجتماعية، ونحو ذلك، مما يحظر التفرقة العنصرية، لأن الناس من أب واحد وأم واحدة، لا تمييز بينهم إلا بالتقوى (التزام الأوامر واجتناب النواهي أو المحظورات)، أو بالعمل الصالح الشامل لبذل الجهد أو العطاء أو العلم أو الابتكار، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحجرات: 49/13] ، وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 4/1] ، فهذه الآية والتي قبلها نص صريح في إعلان المساواة الإنسانية والأخوة البشرية. والمساواة في الإسلام محقَّقة بين الرجل والمرأة تماماً في كمال الأهلية (أهلية الوجوب وأهلية الأداء بعد الرشد)، وفي استقلال الذمة المالية وحرية التصرف في الحقوق الخاصة الطبيعية والفطرية، والتكاليف الإلهية والمنازل والدرجات الأخروية في الجنة. وأما وجود بعض التفاوت في الأحكام الشرعية، فلا علاقة له بالتكريم والأهلية والقضايا الأساسية؛ وإنما لاعتبارات أخرى تحفظ كيان المرأة، ولإعفائها من تحمل المسؤوليات الخطيرة، كالرئاسة العامة، والقضاء، والشهادة في الجنايات، أو لمراعاة ظروفها وقلة خبرتها بشؤون الحياة العملية في مجال الشهادة في المعاملات، فيضم إليها شهادة امرأة أخرى، وتقبل شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه الرجال، وفي رؤية الهلال. وأما ميراثها فلأنها لا تطالب بالإنفاق على أحد، سواء أكانت أماً أم بنتاً أم أختاً أم زوجة، ومع ذلك قد تكون مساوية للرجل؛ مثل تساوي أولاد الأم في الحق الإرثي، وقد يكون نصيبها أكثر من الذكر، بسبب كونها صاحبة فرض شرعي مقدر؛ كالنصف للبنت الواحدة، والثلثين لاثنتين، وغيرها من العصبات من جهة العمومة؛ إذ يأخذ العصبة ما أبقى ذوو الفروض المقدرة، وتكون هي صاحبة الفرض الواجب أخذه أولاً كبنت أو أخت أو بنتين أو أختين، مع وجود أعمام أو أولاد عم. وفي مجال التنظيم الدولي: أقرت الدول المعاصرة، إلى جانب المساواة بين الأفراد، المساواة بين الدول في السيادة الداخلية والخارجية وسائر الحقوق باعتبارها أحد مقومات استقلالها. والسيادة الداخلية: حق الدولة في فرض سلطتها على المواطنين، والسيادة الخارجية: عدم خضوع الدولة لأي سلطة خارجية، والسيادة بنوعيها تفرض المساواة في الحقوق بين الدول صغيرها وكبيرها، وتوجب تحريم تعدّي بعضها على البعض، أو تدخلها في شؤون غيرها الداخلية، وتحريم اغتصاب الأراضي بالقوة، وذلك كله وارد في ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثامنة من ديباجة الميثاق. ومن حقوق الإنسان: حق الشعوب في المعاملة الإنسانية ؛ بأن تتمتع الشعوب بالمحافظة على كيانها وشخصيتها وحياتها الحرة في بلاد آمنة ثابتة، لذلك كان الاضطهاد الجماعي بطريق الإبادة أو التشريد أو التهجير أو المعاقبة، من الأمور المنافية لهذه الحقوق[4]. ومن حقوق الإنسان: منع العقوبات الجماعية[5]، فلا يجوِّز قانون العقوبات الداخلي، ولا القانون الدولي، الانتقام الجماعي رداً على الاعتداء الفردي، مما يدل على تجريم الكيان الصهيوني على كل ما فعله مع الفلسطينيين في النصف الثاني من القرن العشرين؛ من الطرد من وطنهم والتشريد في البلاد الأخرى، ومن الاعتداء الوحشي على قطاع غزة سنة 2008م، وفي كل وقت على الضفة الغربية، مع تهديد القدس كلها بالتهويد وغيره. والإسلام يقر هذه الحقوق كلَّها، ويعترف بحقوق الدول الأخرى في سيادتها وحقوقها ومعاملتها الإنسانية، ومنع العقوبات الجماعية المصادم للمبدأ القرآني: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 6/164] . - وحق التدين: يتطلب ضرورة احترام بيوت العبادة، وعدم المساس بها، سواء المساجد والكنائس والبِيَع[6]؛ لقوله تعالى في إقرار حرمة هذه الأماكن: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 22/40] . وحق التدين يتطلب التسامح واللين والجدال بالأحسن أو الحوار والحكمة، والموعظة الحسنة، وذلك واضح تمام الوضوح في تاريخ المسلمين، إذ لم يقم أي دليل على إكراه أحد على الدخول في الإسلام، وتم إبرام وثائق كثيرة مع غير المسلمين لحماية دور عبادتهم وحريتهم، مثل صحيفة المدينة المنورة، ومثل صلح أهل نجران الذي أبرمه النبي r معهم، وصلح خالد بن الوليد لأهل الحيرة، والوثيقة العمرية التي أبرمها عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء (القدس). أما صحيفة المدينة ، أو الوثيقة السياسية بين المسلمين (المهاجرين والأنصار) واليهود، فقد جاء فيها في بند (25): «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته»[7]. وأما صلح نجران ففيه: «ولنجران وحاشيتها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم ومِلّتهم، وغائبهم، وشاهدهم وعشيرتهم، وبيَعهم، وكلِّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغيَّر أُسقُف من أُسقفيّته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم دنية ولا دمُ جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقاً، فبينهم النَّصف غير ظالمين ولا مظلومين»[8]. وأما كتاب خالد لأهل الحيرة فيتضمن: «وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذي أُخذ على أهل التوراة والإنجيل: ألاَّ يخالفوا، ولا يعينوا كافراً على مسلم من العرب ولا من العجم، ولا يدلّوهم على عورات المسلمين، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه الذي أخذه، أشدَّ ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة[9]، فإن هم خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان. وإن هم حفظوا ذلك ورَعَوْه وأدّوه إلى المسلمين، فلهم ما للمعاهد، وعلينا المنع لهم، فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم، لهم بذلك عهد الله وميثاقه.. إلخ». «وجعلت لهم: أيما شيخ ضعُف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعُيِّل من بيت مال المسلمين وعيالُه، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام. فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم»[10]. وهذا أمثل وأكرم ما توصل إليه العصر الحديث مما يسمى بالضمان الاجتماعي. وأما العهدة العمرية ، أو معاهدة عمر مع أهل إيليا (بيت المقدس)، فتشتمل على ما يأتي: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدَم، ولا ينتقص منها ولا مِن حيِّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يَسْكن معهم أحد من اليهود»[11]. هذه مواثيق من العهد الإسلامي الأول، فيها بيان صريح للحرية الدينية وحماية الشعائر الدينية، والحفاظ على الكنائس، ولله در عمر حين التفت إلى عدم مساكنة اليهود للنصارى في القدس! وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص في المادة الأولى منه على: «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق»، وفي المادة الثانية على أن: «لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الميلاد، أو أي وضع آخر دون أي تفرقة بين الرجال والنساء»[12]. - وأما حرية الرأي والتعبير: فهي قدرة الإنسان على التعبير بمختلف الوسائل لمعرفة سياسة الدولة والوصول إلى ما هو خير للأمة. والإسلام يتفق مع غيره من الأنظمة في بيان أن حرية إبداء الرأي والتعبير متممة لحرية الفكر والضمير والعقيدة، لذا أجازت الشريعة الاجتهاد، ولا سيما في القضايا المعاصرة، وهو المنهج النبوي والراشدي، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا *} [النساء: 4/105] ، وقال النبي r: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر»[13]. وأقر النبيُّ r معاذَ بن جبل حين أرسله إلى اليمن قاضياً حين سأله، إذا لم يجد حكماً في الكتاب والسنة فقال: «أجتهد برأيي ولا آلو»[14]، أي لا أقصر في الاجتهاد. ويجب الإقرار بحرية الرأي والتعبير في مجال الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بقصد المجاهرة بالحق والمطالبة بالعدل[15]. ومن أشهر الأمثلة على حرية التعبير موقف عمر رضي الله عنه حينما أراد وضع حد لغلاء المهور، فاعترضته امرأة وهو على المنبر قائلة: أيعطينا الله وأنت تحرمنا؟ فقال قوله المأثور: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»[16]، مما دل على حرص عمر على العدل وحرية الرأي والتعبير. وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (م19): «لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، التي تنطوي على حقه في عدم إزعاجه بسبب آرائه، وعلى حقه، دون اعتبار الحدود الجغرافية، في استقصاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت من وسائل التعبير». [1] حقوق الإنسان في الإسلام: أ.د. محمد الزحيلي، ص 138 وما بعدها . [2] رواه النَّسائي والضياء عن بُريدة . [3] أورده ابن حجر العسقلاني في تعليق التعليق . [4] أركان حقوق الإنسان: أ.د. صبحي المحمصاني، ص82-83 . [5] المرجع السابق، ص85 . [6] المساجد للمسلمين، والكنائس أو البيع للنصارى، والصلوات كنس اليهود، والصوامع للرهبان . [7] مجموعة الوثائق السياسية، المرجع السابق، ص 19. يوتغ: يهلك . [8] المرجع نفسه، ص112. ويحشرون: يجمعون في مكان واحد، ويعشرون: يؤخذ عشر أموالهم. والنَّصف: العدل . [9] الذمة: العهد والميثاق والحلف . [10] المرجع السابق، ص291-292 . [11] المرجع نفسه، ص345-346 . [12] وللإسلام تحفّظ على عموم هذا النص لضرورات طبيعية أو اجتماعية أو جنائية أو مدنية . [13] رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، من حديث عمرو بن العاص وغيره . [14] رواه ابن عبد البر وأبو داود والترمذي عن معاذ من طريق أصحابه الثقات (نصب الراية، 4/63) . [15] أركان حقوق الإنسان: أ.د. صبحي المحمصاني، ص142-144 . [16] سيرة عمر: للطنطاويَّين، 1/321 .

المصدر: 
كتاب القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.