جرير.. السليط الرقيق

السبت, March 16, 2013
كاتب المقالة: 

نصل اليوم إلى شاعر أثار في عصره عواصف عاتية، ظلت حتى اليوم تذكّرنا بالعصر الذهبي للشعر بعد الإسلام..
الشاعر هو جرير، واسمه حسب المراجع التاريخية جرير بن عطية الخطفي، والخطفي، لقب جده حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن إد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
أما أمه، فهي حِقة بنت معبد الكلبية وإن كان الفيروز أبادي في قاموسه قد ذكر أن حِقة هو لقب أمه، وليس اسمها.
كان جرير يكنى بأبي حرزة، وحرزة هو أكبر أولاده.

نشأ جرير الشاعر في اليمامة وفيها مات ودفن. ويرجع تاريخ ميلاده إلى سنة 33 هجرية أي 653 ميلادية، وتوفي سنة 114 هجرية أي أنه عاش حوالي ثمانين عاماً، ويقال إن أمه قد وضعته في الشهر السابع من الحمل، وكان أبوه عطية ذا نسب كريم، وينتمي إلى قبيلة تميم المعروفة، ولكنه كان فقيراً لا يملك شيئاً. أما جده حذيفة الملقب بالخطفي، فقد كان يملك قطيعاً كبيراً من الحمير والغنم، لا الإبل. ومن علامات الثراء في ذلك العصر أن يملك الثري الإبل.

 وقد أتيح لجرير أن يكون جده شاعراً، وقد تعلم منه جرير الشعر وهو في سن مبكرة.

 قضى جرير سني عمره، وهو يكافح ويذود عن شرف قبيلته ويرد بالهجاء المقذع على شعراء القبائل الأخرى.

 ويعتبر جرير واحداً من ثلاثة شعراء فطاحل في العصر الأموي، وهم: الأخطل، والفرزدق، وجرير.

 وتذكر المراجع المختلفة أنه لم يصمد لجرير إلا الأخطل والفرزدق، بينما اندحر باقي الشعراء أمام سلاطة لسانه وجحيم هجائه.

 ويقال: إن الآراء حول أفضل هؤلاء الثلاثة تشعبت وتعددت، ولكن كان هناك شبه اتفاق أن الأخطل كان أمدحهم وأجودهم في وصف الخمر، والفرزدق أفخرهم، وجرير أهجاهم وأجملهم نسيباً وأجمعهم لفنون الشعر.

 وإذا كانت بعض الحروب بين قبائل العرب قبل الإسلام قد امتدت لأكثر من أربعين عاماً، فإن حروب الشعر بين أفراد هذا المثلث امتدت للفترة نفسها تقريباً. وما النقائض التي تم جمعها لهؤلاء الشعراء إلا سجل تاريخي لهذه الحرب الإعلامية والتي كان الشعر فيها أهم وسيلة من وسائل الانتشار والذيوع.

 سجل المؤرخون أيضاً أن الهجاء بين أعضاء هذا الثلاثي الرهيب كان حافلاً بألفاظ الفحش والتعهر ما عدا الأخطل الذي يعير ولا يفحش ولا يتعهر.

 ولكن، وعلى الرغم من مآخذ النقاد على شعر جرير بأنه كان فاحشاً في الهجاء، إلا أن النقاد أنفسهم يعترفون أن جريراً كان في غزله عفيفاً.. وكان لا يشرب الخمر ولا يحضر المجالس التي تغني فيها القيان، بل كان في حياته متديناً، بل ومتعصباً للإسلام وكثيراً ما عيّر الأخطل بدينه وعير الفرزدق برقة دينه.

 كانت القبائل كلها في ذلك الوقت تخشى من لسان جرير وتتحاشى إغضابه..

 ومما يروى أن أعرابياً كان في مجلس الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ودار الحوار التالي بينه وبين الخليفة.

 عبدالملك: من هو أفضل الشعراء بالنسبة لك أيها الأعرابي.

 الأعرابي: الشعر يا أمير المؤمنين ما هو إلا المدح والفخر والهجاء والغزل وفي هذه جميعها غلب جرير.

 عبدالملك: غلب جميع الشعراء.. كيف؟

 الأعرابي: أليس هو القائل في المديح:

 ألَسْــتُم خـــيرَ مـــن رَكِــبَ المَطايـــا

 وأنـــدى العالميـــــنَ بطــــــونَ راحِ

 عبدالملك: نعم هو.. وهذا قمة المديح.

 الأعرابي: أليس هو القائل في الفخر

 إذا غَضِبَـــــتْ عليـــكَ بنــو تميـــــمٍ

 حســـــبتَ النـــاسَ كلَّهُــــمُ غِضابَــا

 عبدالملك: ما أجمل هذا الفخر.. بالفعل قمة..

 الأعرابي: أليس هو القائل في الهجاء:

 فَغُـــضَّ الطــرفَ إنــكَ مــن نميــــرٍ

 فـــلا كعبـــــاً بلغْـــــتَ ولاَ كِلابـَـــا

 عبدالملك: قمة الهجاء أيضاً.. ويقال إن بني نمير تخلوا عن قبيلتهم بعد هذا الهجاء.

 الأعرابي: وأخيراً أليس هو القائل في الغزل.

 إنَّ العيـونَ التــي فـي طرفهــا حـورٌ

 قَتَلْنَنـــا ثــمَّ لَـــــــمْ يُحييـــنَ قَتْلانــا

 عبدالملك: صدقت يا أعرابي.. إنه لأغزل ما سمعت من الشعر.

 ويقال: إن جريراً كان حاضراً في ذلك المجلس فما كان منه ورغم شحه وحبه للمال إلا أن يجود بناقة ومائة دينار لذلك الأعرابي.. وكذلك فعل الخليفة عبدالملك بن مروان. كان جرير في بدايته في أول أمره زبيري الهوى، أي أنه كان مؤيداً ومناصراً لعبدالله بن الزبير، ولكن بعد مقتل ذلك الثائر على الأمويين على يد الحجاج بن يوسف الثقفي تبدل هواه واتصل بالحجاج، وبواسطة الحجاج نفسه وصل إلى الخليفة عبدالملك بن مروان فمدحه ومدح من جاء بعده من خلفاء بني أميّة.

 ومما يروى أن الشاعر الراعي النميري انحاز إلى الفرزدق عدو جرير الأول ولمدة زادت على أربعين سنة، حيث قال:

 يا صاحبـيَّ دَنـــا الـــرواحُ فســــيرا

 غَلَـبَ الفـرزدق فــي الهجـاء جَريـرَا

 فلم يكن من جرير إلا أن أعدّ له في اليوم التالي قصيدة نزلت كالصاعقة فوق رأسه ورأس الفرزدق وصل عدد أبياتها إلى سبعة وتسعين بيتاً.. ألقاها جرير في سوق المربد، وبحضور المئات من البشر بينهم الفرزدق والراعي النميري، وهي القصيدة المشهورة والتي يقول في بعض أبياتها:

 أعـــدّ اللــــهُ للشــــــــــعراء منـــي

 صواعـــق يخضعــون لهـــا الرقابـــا

 أنا البــــازي العطــــلُّ علـــى نُمَيْـــرٍ

 أتيـــح مــن الســــماء لـــه انصبابـــا

 فـــلا صلّـــــى الالـــهُ علــى نُميـــرٍ

 ولا ســـقيت قبورهــــم الســــــحابا

 ولـــو وزنــت حلـــــومُ بنــي نُميْـــرٍ

 علـــى الميـــــزان ما وزنــــت ذبابــا

 فغُـــضَّ الطـــرفَ إنـــكَ مــن نُميْــرٍ

 فــلا كعبـــــاً بلغــــــتَ ولا كِلابــــا

 إذا غضبَــــتْ عليـــــكَ بنــو تميــــمٍ

 حســـبتَ النــــاسَ كُلَّهُــــمُ غضابـــا

 والذي لفت انتباهي ورسم على وجهي أكثر من علامة استفهام هو: هل كان جرير يصدر في شعر الهجاء الذي أخاف جميع من حوله من قناعة أو من حقد حقيقي.. أم أنه كان يعتبر الهجاء بمثابة لعبة رياضية كلعبة كرة القدم يمارسها اللاعب محاولاً تسجيل الأهداف دون أن يكون لديه غل أو حقد أو كراهية للفريق المنافس؟

 وقد برزت علامة السؤال والتعجب هذه بعد اطلاعي على رثائه لخصمه الفرزدق. لم أكن أتخيل بعد الاطلاع على ما نظمه جرير من صواعق الشعر الجارحة ضد الفرزدق أن ينسى كل ذلك ويقوم برثاء من كان له خصماً، بل من عاش عمره كله وهو يشتمه ويهجوه.. ومَنْ لا يذهله قول جرير:

 

لعَمري لقـد أشــجى تميمـاً وهدَّهـا

 

على نكباتِ الدهـــرِ مـوتُ الفــرزدقِ

 

لقد غادروا في اللحدِ من كان ينتمي

 

إلى كلّ نجــمٍ فــي السّــماءِ مُحَلــقِ

 

عِمـــادُ تميـــمٍ كلّهــــا ولســـــــانُها

 

وناطِقُهــــا البـذاخُ فـي كلِّ مَنْطــقِ

 

فتىً عاشَ يبني المجدَ تســعين حجةً

 

وكانَ إلـى الخيــراتِ والمَجْــدِ يَرتقي

 

وإذا كنا قد حكمنا مع النقاد أن جرير كان شاعر الهجاء الأول في العصر الأموي، فإننا لا نغفل، ولا ننسى أنه كان مع ذلك شاعراً رقيقاً.. أحب زوجته خالدة ورثاها في واحدة من أجمل قصائد الرثاء وأصدقها عاطفة والتي يقول في مطلعها:

 

لولا الحــياءُ لعادنـــــي اســــــتعبارُ

 

ولـــزرتُ قبـــــــركِ والحبــيبُ يُـــزارُ

 

صلــــى الملائكــة الذيـــن تخيـــروا

 

والصّالحـــــون عليــــك والأبــــــرارُ

 

كانـــت إذا هجــرَ الحليـــلُ فراشـــها

 

خُـــزِنَ الحديــثُ وعفّـــتِ الأســــرارُ

 

أما غزله فهو عكس هجائه، غزل عفيف ومشاعر صادقة فياضة. وهنا نصل إلى قصيدته «بان الخليط» التي اعتبرت من أجمل قصائد الغزل.. وفي الوقت نفسه من أقوى القصائد التي هجا فيها جرير الأخطل.

 

ولذلك فقد رأيت أن أكتفي باختيار بعض أبيات الغزل فهي صادقة.

 

أما أبيات الهجاء فهي من وجهة نظري لا تتناسب أبداً مع ذلك الحس المرهف والشعور السامي الذي حملته أبيات القصيدة في بدايتها.

 

بانَ الخليـطُ ولَـوْ طُوِّعْــــتُ ما بانـــا

 

وقَطَّعوا منْ حِبال الوَصـل أقـرانا(1)

 

حَــيِّ المنـــازِلَ إذْ لا نبتغــــي بَـدَل

 

بالـــدارِ داراً ولا الجيـــــرانِ جيـرانـــا

 

بَلِّــــغ رســائِلَ عنّــا خــفَّ مَحْمَلُهـــا

 

علـى قلائِصَ لـم يَحْمِلْـنَ حيرانــا(2)

 

يَا ليـتَ ذا القلـب لاقـىَ مَـن يُعَلِّلُـهُ

 

أو سَـاقياً فسـقاهُ اليـومَ سُــلَوانا(3)

 

هـــلا تَحرَّجْــتِ ممّـــا تفعليـــنَ بنـا

 

يا أطيبَ الناسِ يـومَ الدّجن أردانا(4)

 

قالَــتْ أَلِــمَّ بنــا إن كنــت منطلقــاً

 

ولا إِخالُــكَ بعــــدَ اليــــومِ تَلقانـــا

 

يا طَيْـبَ هـل من مَتـاعٍ تمتعــينَ بـهِ

 

ضيفاً لكـمْ باكـراً يا طَيْـبَ عجلانـا(5)

 

ما كنـتُ أوّلَ مشــــتاقٍ أخـا طـــربٍ

 

هاجَـتْ لَـهُ غــــدواتُ البيـــنَ أحْزانـا

 

يا أُمَّ عَمـــروٍ جَــــزاكِ اللــهُ مَغفــرةً

 

رُدِّي علــيَّ فــؤادي كالــذي كانــا

 

ألَسْتِ أحسنَ مَنْ يَمشـي على قـدمٍ

 

يا أملــحَ النــاسِ كلَّ النــاسِ إنسَــانا

 

قَدْ خُنتِ مَنْ لم يَكنْ يخشى خيانتكم

 

ما كنـــتِ أوَّلَ مَوْثـــوقٍ بـــهِ خانـــا

 

لَقد كتمـتُ الهـوى حتـى تَهيَّمَنــي

 

لا أســــتطيعُ لهـــذا الحــبِّ كِتمانــا

 

لا باركَ اللهـُ في الدنيـا إذا انقطعَتْ

 

أســبابُ دنيــاكِ مِـن أسـباب دُنيانـا

 

يا أمَّ عُثمــان إنّ الحــبَّ عَـنْ عَــرَضٍ

 

يصبي الحليـمَ ويُبكـي العيـنَ أحيانا

 

أَبُــدِّلَ الليـــلُ لا تســــري كواكبُـــهُ

 

أمْ طالَ حتـى حسـبتُ النجــمَ حَيرانـا

 

إنَّ العيـونَ التـي في طرفهــا حـورٌ

 

قتَلْنَنــــا ثــمَّ لَــمْ يُحْييــــنَ قتلانـــا

 

يَصْرَعـنَ ذا اللـبّ حتـى لا حِـراكَ بــهِ

 

وهــنَّ أضعــفُ خلــقِ اللــهِ أركانــا

 

يا ربَّ غابطنـــــا لَو كـانَ يَطلبُكُــــمْ

 

لاقــى مباعـــدَةً مِنكُـــمْ وحِرْمانـــا

 

يا حبّـــذا جبـــلُ الرَّيـــانِ مِــن جَبــلٍ

 

وحبّـــذا ســـاكِنُ الرّيــانِ مَــن كانَــا

 

وحبّـــذا نفحــــاتٌ مــــن يَمانيــــةٍ

 

تأتيــكَ مِــن قِبَــــلِ الرّيـــانِ أحْيانــا

 

شرح المفردات:

 

-1 الأقران: الواحد قرن: حبل يجمع بين البعيرين.

 

-2 الحيران: ولد الناقة.

 

-3 السلوان: شراب يسقاه المهموم فينس همه.

 

-4 تحرج: تجنب الحرج. الدجن: الغيم المطبق المظلم. الأردان: الواحد ردن: أصل الكم طرفه الواسع.

 

-5 طيب: اسم المرأة التي يشبب بها.

 

المراجع والمصَادر:

 

-1 ديوان جرير/ دار صادر (بيروت)

 

-2 الأغاني/ أبو الفرج الأصفهاني

 

-3 لسان العرب/ ابن منظور

 

-4 قاموس الفيروز أبادي

 

 

- جريدة الاتحاد
المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

12 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.