تعرف على قصة الأسماء العربية ( 1 من 3 ) ...دعا العرب أولادهم حربا وكلبا وعاصية وسماهم النبي سِلما وجميلة وليلى

الأربعاء, December 11, 2019
كاتب المقالة: 

يرى المؤرخ الثقافي شهاب الدين القلقشندي (ت 821هـ) أن "غالب أسماء العرب منقولة عما يدور في خزانة خيالهم مما يخالطونه ويجاورونه"، ومن ثم كان طبيعيا أن تنعكس الكثبان والصخور والحيوانات والنباتات على أسمائهم. وقد يبدو في الأمر محاكاة مباشرة لمكونات البيئة الطبيعية من حولهم، ولكن الحقيقة أن الأمر يتخطى ذلك إلى جوانب أخرى تجعل التسمية عند العرب بابا واسعا لكشف جانب من نظرتهم للحياة والإنسان والأخلاق والقدر والأديان والصراع وأنماط العيش.

 
ثم جاء الإسلام فدفع فلسفة التسمية في التفكير العربي إلى آفاق أرحب لتتلاءم مع مقتضيات التوحيد والشريعة والغيب، وخصال البر وقيام المجتمع العابر للقبيلة؛ كما نجد انعكاسات ذلك في الأسماء والكنى التي كانت مبعث اهتمام وتدخّل مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم.

ويرى المؤرخ العراقي جواد علي (ت 1987م) –في كتابه ‘المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام‘- أن أسماء العرب "من الموضوعات التي لفتت إليها الأنظار، لما في كثير منها من غرابة وخروج على المألوف"، وقد أشار إلى اهتمام المستشرقين -من أمثال وليام روبرتسون سميث (ت 1894م)- بهذا الأمر وملاحظتهم له. ويقدم هذا المقال جولة في تاريخ أسماء العرب -جاهلية وإسلاما- تحاول أن تكشف ما وراءها من فلسفة عظيمة وتفاصيل لا تخطر على بال!

رصد مبكر
يكفينا لمعرفة أهمية ثقافة الأسماء ووزنها عند العرب أن نعلم أن أحد أقدم المؤلّفات العربية التي وصلتنا صُنع خصيصًا للبحث فيه، وهو كتابُ ‘الاشتقاق‘ لابن دُرَيد الأزدي (ت 321هـ)؛ فقد قال في مقدّمته: "وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب أن قوماً ممن يطعن على اللسان العربي، وينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم، وإلى ادعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوليتهم؛ عَدّوا أسماء جهلوا اشتقاقها ولم ينفُذ علمهم في الفحص عنها".

وجعل ابن دُرَيد يردّ على هذا الادّعاء –الباطل في رأيه- بنقد الرواية التي استند إليها الطاعنون، وهي أن الخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت 170هـ) سأل أبا الدُّقَيْش الكلابيّ –وهو أعرابيّ مشهور من أعلام القرن الثاني الهجري و"كان أفصح الناس"- عن معنى ‘الدُّقَيْش‘ (= تصغير الدَّقَش وهو دُويبة رقطاء صغيرة) الذي يتكنّى به؛ فأجابه: "لا أدري! إنما هي أسماء نسمعها ولا نعرفُ معانيهَا. وهذا غلط على الخليل، وادعاء على أبي الدقيش".

وقد خالف ابنَ دُرَيد في رأيه ذلك اللغويُّ الكبير أحمد بن فارس الرازي (ت 395هـ) فعلّق –في كتابه ‘مقاييس اللغة‘- على كلام هذا الأعرابي قائلا: "وما أقربَ هذا الكلام من الصدق"! ثم انطلق ابن دُرَيد يشرح فلسفة التسمية عند العرب ويوضّح مذاهبهم في ذلك؛ في كلام طويل سيأتي بعضُه في أثناء هذه المقالة.

وإذا كان أبو الدقيش الكلابي يرى أن "الأسماء والكُنى علامات"؛ فإن أسماء العرب –في الحقيقة- تعبيرٌ عن بيئتهم التي كانوا يحيون فيها، ومن خلالها وحدها يمكنك أن تتخيّل كثيرًا من تفاصيل حياتهم، وتركّب صورةً لا بأس بها لهذه البيئة. ولذلك قال القلقشندي في كتابه ‘نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب‘: "غالب أسماء العرب منقولة عما يدور في خزانة خيالهم مما يخالطونه ويجاورونه، إما من الوحوش كأسد ونمر، وإما من النبات كنَبت وحنظلة، وإما من الحشرات كحيّة وحنش، وإما من أجزاء الأرض كفِهر وصَخر".

التأثير البيئي
لكن الأمر يبدو أعمق من أن يكون مجرّد تعبيرٍ عن بيئة العرب المحسوسة، بل هو ممتدٌّ إلى ما وراء ذلك من أحوالهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. فلما كانوا لا ينفكّون عن القتال وشنّ الغارات، غلبت على أسمائهم "تسميةُ أبنائهم بمكروه الأسماء"؛ كما يقول القلقشنديّ. ويقصد بالمكروه هنا المُهاب المخيف، أو ما دلّ على الشجاعة والقوة والفروسية والقسوة والخشونة.

وكما تقول مريم الدرع -في مقدمة تحقيقها لـ‘تهذيب جمهرة النسب‘ لأبي عُبيد القاسم بن سلام الهروي المتوفي 224هـ، مع تصّرف كثير وإضافة- فإن العرب كان "من أسمائهم غالب وغلّاب وظالم وعارم ومُنازل ومقاتل وثابت، وسَمَّوا في مثل هذا الباب: مُسهِرا ومُؤرِّقا ومُصبِّحا وطارقا، وسمّوا بالسباع ترهيبا لأعدائهم، نحو: ليث وفراس وضِرْغام ودُريد وباسل ووَرْد، وبما غلظ من الشجر نحو طَلحة وسَمُرة وسَلَمة وقتادة وهَرَاسَة، كل ذلك شجر له شوك..، وسمَّوا بما غلظ من الأرض وخشن لمسه وموطئه مثل حَجَر وجَنْدَل وجَرْوَل، ويلحقه التسمية بأسماء الحرب وأدواتها، كتسميتهم: حربًا وسيفًا وسهمًا وكنانةً وأدهم وكُميتًا".

وفي ذلك كلّه دلالات لا تخفى على طبيعة الحياة القاسية التي كان القومُ يعيشونها، في معارك لا ينقشع غُبار إحداها حتى تقوم أخرى.

وقد روى ابن دُريد في ‘الاشتقاق‘ بإسناده عن العُتبيّ (وهو غالبا: محمد بن عبد الله السفياني النسّابة الشاعر المتوفى 228هـ) أنه سُئل: "ما بال العرب سمّت أبناءَها بالأسماء المستشنعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فقال: لأنها سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها".

ورغم أن هذه الحكاية رُويت في أكثر المصادر عن أبي الدّقيش الأعرابيّ، فإنني أظنُّ ذلك إلا وهمًا، وبعض المصادر أوردت أن الجواب لأعرابي سأله العتبي؛ والله أعلم. على أن مما يعزز صدقية مضمون هذه القصة -مهما كان مصدرها- أن المؤرخ النسابة محمد بن سعد الزهري (ت 230هـ) روى -في كتابه ‘الطبقات الكبرى‘- أن عبد الله بن عباس (ت 68هـ) "كان يسمي عبيده أسماء العرب: عكرمة وسميع وكُرَيب".

ومن تسميتهم: "هاشمًا ومُطعمًا" وأشباهها نُدرك إشارات إلى الفقر والجوع اللذين كانت تعانيهما القبائل العربية في صحرائها، وعِظَم قدر من يُساهم في إزالتهما والحدّ من آثارهما. فهاشم هو الذي يَهْشِمُ الثريد للناس بيده ويُطعمهم، وجَدُّ النبي صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد المطلب كان "يُسمَّى ‘عَمْراً‘، وهو أَول من ثرَد الثَّريدَ وهَشَمه فسُمّي هاشِماً"؛ كما يقول ابن منظور (ت 711هـ) في ‘لسان العرب‘. ولذلك خلدت له العرب هذه المأثرة حين قال شاعرهم يمدحه: عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّريدَ لِقَومه ** ورِجالُ مكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ!

ومثله ‘مُطْعِم‘ و‘جَفْنَة‘؛ فـ"العرب كانت تسمي السيد المِطْعام جفنة؛ لأنه يضعها ويطعم الناس فيها فسُمي باسمها"؛ كما يقول أبو عُبيد أحمد بن محمد الهروي (ت 401هـ) في ‘كتاب الغريبين في القرآن والحديث‘. وينقل شيخه أبو منصور الأزهري (ت 370هـ) -في كتابه ‘تهذيب اللغة‘- عن اللغوي أبي العباس ثعلب (ت 291هـ) أن "العرب تسمي الخبز عاصما وجابرا". وفي كل ذلك إشارةٌ إلى طبيعة النظام الاقتصاديّ الذي كان يعتمدُ في جانبٍ منه على عطاء ذوي الغنى والجود، وحمل القادر على الكسب لغيره ممن لا يُحسنه ولا يقدر عليه.

صدفة وتفاؤل
وقريبٌ من ذلك تسميتهم نجدة ومُنقذًا، ففيه تبيانٌ للأخلاق التي كان المُجتمع يحضُّ عليها، ويعتمدُ على شيوعها والتمسك بها. ومنها تسميتهم عفيفًا وطاهرًا وغيرها مما يحتاجُه المجتمع للتماسك والتلاحم واجتناب أسباب الاختلاف والشقاق، وأهميّة العِرض وقيمته لديهم. ومنها تسميتهم كثيرًا ومُنجبًا في الرجال، وولّادةً في النساء؛ مما يدلّ على قيمة العُنصر البشريّ وأثر كثرته ووفرته في حياتهم.

ولم يكن الطبُّ في جزيرة العرب والعالم كلّه في أحسن أحواله قديمًا، فلذلك سمَّوا حيًّا ومعمَّرًا وسالمًا وسليمًا، فكانت الحياة والسلامة -في حد ذاتهما- إنجازًا وغنيمة، بل لعلّ تسميتهم شيبة وشيبان لا يبعُدان من هذا المعنى، إذْ لمّا كان الموتُ مستشريًا في الصِّغار لضعف الطب، والقتلُ مستشريًا في الكبار بسبب الاقتتال والصراع المجتمعي؛ كان محظوظًا من يبلغ سنّ المشيب! فكأنهم كانوا يتفاءلون للمولود بأن يكبر ويجلل البياضُ رأسَه فيُسمّونه شيبة، ويكون معنى اسم شيبة كمعنى مُعمَّر.

ثم إنهم كانوا أمّة أميّة لا تكتب ولا تحسب، فكان جلّ علمهم حكمة يُؤْتَاهَا الواحد منهم فيقضي بها بين المتنازعين، ولذلك كان فيهم: حكيمٌ وأبو الحكم وعقيل، وغيرهما من الأسماء الدالّة على هذا المعنى. وفي كثيرٍ من الأحيان كانت العربُ تُسمّي بأقرب صُدفة، وهو ما يفسِّر غرابة بعض الأسماء التي نُقلت عنهم، غير أنهم كانوا يتفاءلون بتلك الأسماء، ويتكلّفون في ذلك فُهُومًا عجيبة.

يقول الجاحظ (ت 255هـ) في كتابه ‘الحيوان‘: "والعرب إنّما كانت تسمّي بكلب وحمار وحجر وجُعْل وحنظلة وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا وُلد له ذكر خرج يتعرّض لزجْر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول حَجَرا -أو رأى حجرا- سمّى ابنه به وتفاءل فيه الشدّة والصلابة والبقاء والصبر، وأنّه يحطم ما لقيـ[ـه]. وكذلك إن سمع إنسانا يقول ذئبا -أو رأى ذئبا- تأوّل فيه الفطنة.. والمكر والكسب. وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجَلَد. وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبُعْدَ الصوت والكسب".

ويبدو أن تسمية الصّدفة هذه بقيت في العرب حتى زمنٍ قريب، ثم اتّسعت لتشمل الشهور والأيام، ولم تكن منتشرةً في القديم؛ فالمؤرّخ العُمانيّ سالم بن حمود الإباضيّ (ت 1414هـ) يقول في كتابه ‘إسعاف الأعيان بأنساب أهل عُمَان‘: "اعلمْ أن غالب تسميات العرب منقولة من أحوال ترِد بهم، كحرب لمن يولد في الحرب، وحارب كذلك، وربيعة من يولد في الربيع أو [يوم] الأربعاء، أو خميس لمن يولد يوم الخميس، وجمعة لمن يولد يوم الجمعة... وكذلك: شعبان ورمضان ورجب لمن يولد في هذه الأشهر".

المصدر: 
الجزيرة نت
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.