تدليل الآباء سبب فشل الأولاد

الخميس, July 5, 2012
كاتب المقالة: 

تسببت نتائج بحث أجرته جمعية المعلمين والمحاضرين البريطانيين عن مستوى المهارات الأساسية للطلبة حديثي الانضمام للمدارس الابتدائية في حالة من الصدمة الكبرى، إذ كشف عن تراجع كبير بمستوى المهارات الرئيسة للصغار بدأ من عمر الخامسة، وتدهورها مقارنة بالعقد الماضي، وحمّلت الآباء والأمهات المسؤولية الأولى عن فشل إعداد جيل كامل وتزويده بالمهارات الأولية للحياة قبل إلحاقه بالمدرسة . والمثير أن المهارات التي رصدها البحث ويفتقر إليها نسبة وصلت إلى 25 % من الصغار الملتحقين العام الماضي بالمدارس راوحت ما بين عدم القدرة على عد الأرقام حتى رقم عشرة، والتمييز بين الألوان، ونطق جمل سليمة لغوياً، وصولاً إلى عدم اعتمادهم على أنفسهم عند الرغبة في الذهاب إلى المرحاض، وعدم القدرة على ارتداء ملابسهم بشكل مرتب، والحضور للمدارس بدون جوارب شتاء، أو التوقف عن عادة مص الأصابع .

شمل البحث أكثر من 70 مدرسة ابتدائية في 5 مدن رئيسية تمتاز بارتفاع مستويات المعيشة، لأطفال بعمر الخامسة، وكانت الملاحظة الأولى للباحثين أن نسبة 95% من الأطفال “فاقدي الأهلية” للالتحاق بالمدارس ينتمون لأسر ميسورة الحال، ونسبة ضئيلة جداً لأسر المهاجرين، أو اسر بريطانية فقيرة، لذا كان من الأهمية بمكان تحديد مستوى المعيشة بداية، حتى لا يكون شماعة يعلق عليها الآباء إهمالهم في تربية أبنائهم، وإمدادهم بمهارات الحياة الرئيسة .

 أول وأكثر الصدمات التي قابلها فريق البحث كانت العثور على عشرات الأطفال ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة يجلسون على مقاعد الدراسة وهم مرتدين “حفاضات” مثل المخصصة للرضع، وغير قادرين على التوجه إلى دورات المياه بمفردهم، وينتظرون قيام المعلمة بتبديلها لهم خلال الدوام المدرسي مع تأكيد أن هؤلاء الصغار لا يعانون أي عوارض صحية، مشكلتهم الأولى أنهم “مدللون” غير قادرين على تحمل ابسط المسؤوليات وهو ما وصفته الدراسة “بالإهمال الجسيم” من الآباء، وإلقائهم ابسط المسؤوليات على المدارس غير المضطرة في الواقع إلى تدريب الأطفال على أمور كهذه .

 كما رصد البحث حالات أخرى مشابهة من الإهمال مثل أطفال غير قادرين على ارتداء سترات المطر، أو استخدام الشوكة والسكين عند تناول الطعام، وغيرها كثير .

 ذكر التقرير حالة الطفلة لوسي بيكر التي تعاني مشكلات صحية متفاقمة بأسنانها التي تحول الصف الأمامي منها إلى أسود تماماً بسبب تناولها العديد من المشروبات الغازية، والأسوأ ليس فقط في إدمانها على هذا النوع من المشروبات بسن مبكرة، بل هو تناولها في “قنينة” مخصصة للرضع، إذ تفتقر إلى مهارة سكب المشروب في كوب ثم تتناوله .

 وعند سؤال معلمة الصف المسؤولة عنها قالت “تبكي الصغيرة يومياً بالصف من آلام مبرحة بأسنانها، وعندما طلبت لقاء والدتها مرات عدة للتحدث معها بضرورة متابعة حالتها الصحية، لم تستجب، لذا رفعت الأمر إلى إدارة المدرسة، التي توجهت بشكوى ضد الأم إلى إدارة الرعاية الاجتماعية، التي زارت العائلة بمنزلها، وهددت بسحب وصايتها على الصغيرة إذا لم تتابع اختصاصياً بالأسنان” .

 يضاف إلى ذلك رصد الباحثون تراجعاً كبيراً بمستوى مهارات النطق لدى الصغار، الذين تفتقد نسبة كبيرة منهم القدرة على نطق جملة صحيحة مكتملة، وهو ما عزاه المختصون إلى بقاء الصغار ساعات طويلة أمام شاشات التلفاز من دون التحدث مع ذويهم .

 قالت إحدى المدرسات ضمن فريق البحث “عندما توجهنا بالزيارة إلى منازل عائلات أطفال يعانون تأخراً عن نظرائهم بالصف، وغير مزودين بالمهارات الأساسية، وجدنا اغلبها تتمتع بمستويات معيشة مرتفعة، يتوافر لها كل الأجهزة الحديثة، شاشات LCD ، كمبيوترات حديثة، ألعاب إلكترونية متطورة، ولم نرصد مكتبة، أو حتى عدة ارفف عليها بضعة كتب، وهذا يفسر عدم تمتع الأطفال بأية مهارات لغوية” .

 إحدى المدارس التي شملها البحث أشارت إلى أن عدداً كبيراً من الأطفال يلتحقون بها غير قادرين على الرسم والتلوين ويشاهدون الفرشاة والألوان للمرة الأولى بالمدارس، على الرغم من كونها ابسط مهارة يمكن اكتسابها من المنزل، وبما أن طريقة التعلم بهذه المرحلة تعتمد على اللعب فكثير منهم لا يعرفون كيفية بناء برج من مكعبات الليغو، وبعضهم يشاهد للمرة الأولى قطاراً يدور على شريط سكك حديدية .

 وفي المقابل أشار الباحثون إلى ارتفاع مهارة الصغار في التعامل مع أجهزة الكمبيوتر التي يألفونها جيداً، ويمكنهم تشغيلها، واللعب عليها، وآخرون يتمكنون من الولوج إلى شبكة الإنترنت .

 الطفل تومي خمسة أعوام يجيد اللعب على الكمبيوتر، ويفتقر للقدرة على حمل القلم الرصاص، أو تمييز الألوان، ولم يتمكن من الإشارة إلى اللون الأحمر حين سألته معلمته عنه، كما انه غير قادر على ترتيب الأشكال “بازل”، وهي أول الألعاب التي يتدرب عليها الأطفال من سن الثالثة .

 المعلمة كارول ستيفنسن قالت لفريق البحث “المشكلة ليست فقط بالمهارات الرئيسة، بل في انعدام وجود نظام يتعود عليه الصغار ويحترمونه بالمنزل، وهو ما يسبب مشكلة كبرى في التعامل معهم داخل الصفوف، اغلبهم لا يعرفون قواعد اللياقة عند التحدث، وضرورة الحصول على إذن مسبق، وعدم رفع الصوت، أو الصراخ لطلب شيء ما” .

 أضافت “كثير من الصغار لا يعرفون معنى النوم مبكراً، يسهرون لساعات طويلة للعب على أجهزة الكمبيوتر، ويحضرون للمدرسة مرهقين تماماً، أحيانا أضطر إلى وضعهم بغرف الرعاية الخاصة لأخذ قسط من النوم، ما يعني خسارتهم للأنشطة اليومية والمعلومات التي يتلقاها أصدقاؤهم” .

 معلمة أخرى مشاركة في البحث قالت: “كانت معظم الأسر التي زارها فريق البحث ميسورة يعمل أولياء الأمور بوظائف مهمة بالبنوك والبورصة والمصانع، لكنهم غير قادرين على معرفة واجباتهم الأساسية، ويعتقدون أن تدليل أطفالهم وتلبية كل مطالبهم السبيل الأفضل للتربية” .

 وأضافت “بعض الأسر تفتقر إلى هذه الآداب بالأساس، أحياناً لم تغلق الأم جهاز التلفاز أثناء حديثنا معها عن عدم لياقة صغيرها والمشكلات التي يتعرض لها، ومنازل أخرى كانت تعج بالفوضى والصراخ، فبدا واضحاً أن افتقار الأسر لهذه القيم، هو السبب الأول لعدم تلقينها لأبنائهم” .

 فلورانس كين تعمل بوظيفة مدرسة مساعدة بمدرسة ابتدائية في ليفربول قالت: “اعتدت على حمل أزواج من الجوارب الاحتياطية في حقيبتي لأن بعض الصغار يحضرون بدونها لاعتمادهم على أنفسهم في ارتداء الملابس صباحاً من دون مساعدة الأمهات” .

 ورصد البحث مئات الشكاوى من معلمات الصفوف الأولى اللواتي يضطررن إلى الدخول في مشاحنات مع أمهات الصغار عند طلبهن لمناقشة تدهور مستوياتهن، وأبرز هذه الشكاوى كانت لمعلمة طلبت من أم ضرورة الالتفات إلى سلوك ابنها العدواني داخل الصف، ونعته زملاءه بألفاظ وصفات بذيئة لا تتفق مع عمره، حينها وبختها الأم بألفاظ عنيفة مشيرة إلى عدم تمتعها بحق نقد أخلاق الطفل، ومن ثم توجهت بشكوى ضدها إلى إدارة المدرسة، وأجبرها المدير على الاعتذار لولية الأمر تجنباً لتصعيد الأمور على نحو غير مرغوب .

 انتهى البحث إلى نتائج مخيبة للآمال، فعلى الرغم من محدودية عدد العينة التي أجرى عليها فإنها أعطت مؤشرات مخيفة تؤكد تراجع دور الأسرة في تربية الصغار، وتدريبهم على آداب ومهارات أساسية تعتبر لبنة أولى لشخصياتهم التي تبنى بهذه المرحلة المهمة من حياتهم .

دار الخليج

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.