تحدث طوال حياته عن عظمة الإسلام وتفرده إنسانياً ..مراد هوفمان هدية ألمانيا للمسلمين

السبت, August 8, 2020
كاتب المقالة: 

بعد حياة مليئة حافلة متسمة بالغزارة والجدة، ولائحة طويلة من العمل الفكري والتأليف، رحل عن عالمنا في يوم الإثنين (13 يناير 2020م)، الدبلوماسي والقانوني والكاتب المفكر الألماني المسلم الذي اعتنق الإسلام عام (1980م) مراد ويلفريد هوفمان عن عمر ناهز الــ(89) عاماً، بعد صراع طويل مع المرض، أحدثت وفاته- كما حياته- هزة في العالم الإسلامي وتناقلاً لسيرته ومؤلفاته وكلماته.

حيث قضى نصف عمره تقريباً في الدفاع عن الإسلام، داعياً له ومستشرفاً مستقبلاً زاهراً له عالمياً. وللراحل العديد من المؤلفات التي كتبها بعد اعتناقه الإسلام، يتناول معظمها قضية رئيسية، وهي مستقبل الإسلام وعلاقته بالغرب، وذلك في إطار من بحثه الفكري، عن بديل حضاري وثقافي للحضارة الغربية، التي هيمنت على العالم في العصر الحديث، ولا يغيب عن فطن أن تلك المؤلفات أحدثت نقاشات واسعة في الأوساط الثقافية والفكرية داخل ألمانيا وخارجها، حيث تحدث فيها عن عظمة الإسلام، وتفرده وقدرته كدين إلهي على قيادة البشرية في المستقبل، وكانت رحلة مراد هوفمان، التي دونها بقلمه رحلة فريدة وجميلة وعامرة بالأبعاد ومستحقة للاطلاع. 

في عام (١٩٣١م)، وفي ألمانيا (أشافنبورغ) التي تخطو من نكبة الحرب العالمية الأولى، نحو نكبة الحرب العالمية الثانية، ولد مراد ويلفريد هوفمان، وعاش طفولته وانتمى مثل غيره من الفتيان إلى شبيبة هتلر، لكنه كان منتمياً كذلك إلى جماعة سرية مناهضة للنازية، وهو متزوج بسيدة تركية، واستقرّ في تركيا في السنوات الأخيرة من عمره، ولم يكن هُوفمان مفكراً جافاً بل تتكشف عواطفه و(صوفيته) المعتدلة بشكل جلي، من خلال تأثره بفن العمارة الإسلامي، الذي أبدى إعجابه الشديد فيه مبيناً: (ألهمتني أعمال معمارية، مثل قصر الحمراء في غرناطة، والمسجد الكبير في قرطبة بإسبانيا اليقين بأنها إفراز حضارة راقية رفيعة).

تركزت العديد من كتبه ومقالاته على وضع الإسلام في الغرب، وبعد (11 سبتمبر) على وجه الخصوص في الولايات المتحدة، كما أنه أحد الموقعين على (مبادرة كلمة سواء)، وهي رسالة مفتوحة لعلماء المسلمين للقادة المسيحيين، تدعو إلى السلام والتفاهم، وكان هوفمان، رجلاً متأملاً ذا عقلية منظمة، وروح شغوف بالبحث عن الخلاص، أوصلته تأملاته في العقائد إلى استنتاج أن عقيدة الإسلام هي أصفى وأبسط تصور لله، ورأى في الإسلام عقيدة التوحيد الأولى، التي لم تتعرض لما تعرضت له العقائد الأخرى من تشويه وتزوير وانحراف.

بدأ هوفمان بدراسة القانون بعد حصوله على شهادة البكالوريا في ميونخ، وتخرج في جامعة هارفرد، وحصل بعدها على الدكتوراه في القانون، وتعلم العزف على الجاز، وأسس رابطة محبي الباليه في ميونخ، وعمل لسنوات طويلة كناقد لفن الباليه في مجلات متخصصة، كما عمل منذ الخمسينيات في سفارة ألمانيا الإتحادية في الجزائر، وهذا ما جعله يشاهد عن قرب الثورة الجزائرية التي يبدو أنها أثارت اهتمامه الشديد ودفعته للتأمل، عمل هوفمان في وزارة الخارجية الألمانية من عام (1961م إلى 1994م)، وكان متخصصاً في القضايا المتعلقة بالدفاع النووي ، كما شغل منصب مدير قسم المعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام (1983م حتى 1987م)، وسفيراً لألمانيا في الجزائر من (1987م حتى 1990م)، ثم سفيراً في المغرب من (1990م حتى 1994م). 

تمتع هوفمان، بعضوية مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في عمان، وعضوية المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا، وعضوية المجلس الشرعي لبنك بوسنة الإسلامي الدولي في سراييفو من عام (1994م إلى 2008م)، ألقى هوفمان عشرات المحاضرات في (31) دولة حول العالم، ففي محاضرة تحت عنوان «الطريق الفلسفي إلى الإسلام» يؤكد هوفمان، أن مفهوم الخالق أو الإله في الإسلام، هو المفهوم القادر على الصمود في الزمن الحديث، لأنه هو الأكثر تجريداً ونزوعاً نحو الوحدانية، في مقابل المسيحية التي يمتلئ لاهوتها بالألغاز، ومن أبرزها مسألة الثالوث.

لطالما كان إسلام بعض الغربيين الأوروبيين أو الأمريكيين يحدث ضجة عالمية، لما يحمل ذلك من أهمية لعالمية الدين الإسلامي وانتشاره بين الأمم، وإمكانية الحديث عن الإسلام، من قبل أبناء تلك الأمم وبلغاتهم لا من قبل شخصيات دخيلة عليهم، وقلة قليلة من الغربيين، الذين أسلموا كان لهم دور بارز في حياة شعوبهم، لما يحمل ذلك من مشقة في نقل وجهة نظرهم وأفكارهم إلى تلك الأمم، التي تعتنق ديانات مختلفة، وتتبنى أو لا تخالف ما تحمله (السياسة الغربية) من أفكار سلبية تجاه الإسلام، إضافة إلى ما يواجهونه من مضايقات وحملات تشويه.

هكذا كان إسلام الدبلوماسي والقانوني الألماني البارز مُراد ويلفريد هوفمان، يقول في كتابه (الطريق إلى مكة) أنه تعرض في مقتبل عمره لحادث مرور مروّع، فقال له الجرّاح بعد أن أنهى إسعافه: (إن مثل هذا الحادث لا ينجو منه في الواقع أحد، وإن الله يدّخر لك يا عزيزي شيئاً خاصاً جداً)، وصدّق القدر حدس هذا الطبيب إذ اعتنق د. هوفمان، الإسلام بعد دراسة عميقة له، وبعد معاشرته لأخلاق المسلمين الطيبة في المغرب العربي، ولما أشهر إسلامه حاربته الصحافة الألمانية محاربة ضارية، حتى أمه لما أرسل إليها رسالة أشاحت عنها وقالت: ليبقَ عند العرب!

قال لي صاحـبي أراك غريباً بيــن هــذا الأنام دون خليلِ

قلت: كلا، بــل الأنـامُ غريبٌ أنا في عالمي وهذي سـبيلي 

ولكن هوفمان لم يكترث بكل هذا، يقول: (عندما تعرضت لحملة طعن وتجريح شرسة في وسائل الإعلام بسبب إسلامي، لم يستطع بعض أصدقائي، أن يفهموا عدم اكتراثي بهذه الحملة، وكان يمكن لهم العثور على التفسير في هذه الآية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

يذكر د. هوفمان أن من أسباب تحوله إلى الاسلام، ما شاهده في حرب الاستقلال الجزائرية، وولعه بالفن الإسلامي، إضافة إلى التناقضات التي تواجهه في العقيدة المسيحية.

وقد ترَك لنا الدكتور هوفمان كتباً قيمة وتراثاً فكرياً غزيراً وفريداً، ولا مرية أنه ستنتفع به الأجيال والأمم القادمة، ألا وهي: ( الإسلام كبديل (الذي أحدث ضجة كبيرة في ألمانيا). ويوميات ألماني مسلم. والإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود. ورحلة إلى مكة. والإسلام عام ألفين).

المصدر: 
مجلة الشارقة الثقافية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

6 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.