تجربة عبد الحميد الطائي الحروفية.. الى أين؟ حواس حروف" بين الحروفية والحَّرفية

السبت, April 3, 2021
كاتب المقالة: 

أمنية حرف:بعد المسافات,حيض دائم..يتوقف,حالما تنمحي الحدود.(حموه يرابي,ص266)،لا يتعب عبد الحميد الطائي ولا يكل من ملاحقة الحروف ويستكشف طاقتها التعبيرية ويشكّلها كما يشكل النحات أو الرسام مواده. يشكّل الحرف، بحد ذاته، هاجساً شعرياً مركزياً بالنسبة لتجربة الشاعر, ومبدئياً تتمثل (الحروفيات) بالنسبة إليه كدلالات زاخرة بالمعاني، وكشروع مكثف لاستقراء الجذور التكوينية لكيان اللغة. فللحروف حياة خاصة ونقطة مشعة. يقول الشاعر في مقدمة ديوانه الأول (لاتح) "ان حواس حروفه هي محاولة لأحياء أنوار الكلام فينا".

ساقته أقداره نحو مدرج..

تساقطت على أطرافه, أجنحة

تجارب الانعتاق..

من رهبة التحليق, فسما.   (حموه يرابي , ص 314 )

أنها توطئة لتغيير جذري في الأساليب ينفي من خلالها الطائي أسبقية الكلمة ويدفع بصديقه ورفيق دربه الوحيد الحرف الى المقدمة. وبالتأكيد أنه ليس حرفنا الذي أصابه الانكسار. وإنما تحدّي حروفياته للواقع برموزها وعرائسها وأحلامها وأساطيرها. هذا الحرف الصغير اتسع فصار كلمةً، جملةً، نصاً، كائناً حياً.. جريء يريد أن يبتدع الواقع/ أو الواقع الاخر (المثال). لكن لماذا الحروف؟

ولماذا استدار الشعراء صوب الحروف بعدما أشبعها الرسامون استخداما في لوحاتهم, (يجب الإشارة في هذا الصدد الى تجربة الرسام العراقي المعروف شاكر حسن آل سعيد في استثمار الحرف, تلك التجربة التي منحت الحرف نطقاً تشكيلياً يرتبط بالتداولات الصوفية للحرف)؟إنّ الحروفيّة العربيّة، إجمالاً، خَطيّة وشعرية  في الآن ذاته، لأنها من المكان وإليه، وذلك لانفتاحها على كل الاتجاهات وهي قائمة في الزمن أيضاً، كأن يتقاطع في بنية الحرف العربي كلّ من حركة اليد ومجال الرؤية (العين) والإبصار (من البصيرة). يقول الدكتور حسن ناظم (صحيفة الزمان اللندنية, مارس 2002) أن اتخاذُ الحرف بنيةً تعبيريةً يتيح الانفرادَ بتمثيل رمزي قلما حاول الشعراء إشباعه، فهذا الميدان ربما أشبعه الرسامون بلوحاتهم، لكنه ظلّ مهجوراً من طرف الشعراء. والحرف بوصفه رمزاً يستثير الإنسان خالق الرموز، ويمكن أن يمثّل رافداً للوعي الإنساني يجعله يبحث عن طرق جديدة لربط عالم الحسّ بمعانٍ جديدة أيضاً. الا انه يحذر من خطورة مثل هذا المسلك لان الرموز قد تتحول الى عوالم مغلقة و تعلو على الواقع و تنفصل عنه. ويرى زهير الجبوري (وهو ناقد عراقي يقيم في بلجيكا) في مقابلة معه في صحيفة الزمان (نوفمبر 2006) وهو يعلق على تجربة الشاعر أديب كمال الدين الحروفية أن الحرف أحياناً لا يحمل قيمة دلالية فحسب، بل  يستخدمه الشاعر كعنصر له خصوصيته لتكون مهمته وظيفية، ولذلك قد تتلاقح أدوات اللغة وحروفها تناظراً لخلق الرؤيا الشعرية، وليس الحرف جزءاً لا يتجزأ من منظومة اللغة، الحرف صفة رمزية، شكل لسحب  المعنى. يقول عبد الحميد الطائي في مقدمة باكورة مشروعه الحروفي (لاتح) "للحرف العربي.. غاية تلقين وإيصال لمعنى مبين.. ولتلاقي الحروف في لغتنا معنى, يحمل معه الحاسة لمفهوم الجملة لدى المتلقي من بدئها الى ختامها". ثم يعود للقول:

حين يولد

حرف, تكتمل

الكلمة.. وحين

تكتمل الكلمة

تولد الجملة.. ما

الجديد في ذلك؟

ويعتقد فريد زاهي في كتابه (الجسد والصورة والمقدس في الإسلام) 1999 (ص 132) أن التأصل في الحرف يأتي متأخراً وهامشياً داخل المنظومة الفكرية الإسلامية ولعل ذلك محمول على صلة التراث بالشفاهية التي كرّسها ـ في مرحلة تالية ـ القرآن الكريم، عندما ارتبط النص القرآني عنـد الفقهاء بجماليات الصوت وتحريك اللسان عند القراءة على الرغم من أن القرآن احتفى بالكتابة، لكنها لم تكن هي الحافظ للنص، وإنما الحفظ له صلة بقدسية النص (إنا نزّلنا الذكرَ وإنا له لحافظون). وإنّ الحروف التي كانت اسماً لأربع سور ومفتتحاً لتسع وعشرون سورة قـد دفع العلم بها إلى الغيب. وفي هذه المفتتحات غلبة حروف بعينها، وهي الميم واللام، والألف، والحاء، والراء بالتوالي , كما نستطيع أن نحصي حروفاً أخرى مثل س، ص، ه، ك،  ق، ن، ي. لو تأملنا هذه الحروف مرّة أخرى، ولكن في سياق كتابات المتصوفة وبعض المفكرين الإسلاميين فإنها أي الحروف "كائنات روحانية خلق الملائكة على عددها" وهي وإن اختلف في تأويلها فهناك إجماع نظر إليها بأنها "ساهرة على فضاء السور القرآنية". (يقول الطائي في مقدمة مزاج الطين "وكما تلاقت حواس النهي في لاتح على حرف اللام تتلاقى حواس التشريع في مزاج الطين على حرف الميم. ويختص حموه يرابي على حروف أربعة هي ث ,ج ,ح ,خ ").

ما زال عبد الحميد الطائي مصرا في تحديه بالتجذيف بالحروف في يم الشعر وماضيا في رهانه بعدما أتحفنا الشاعر بديوانه الثالث في سلسلة أحاسيس حروف والذي حمل عنوان "حموه يرابي" وصدر مؤخرا في دمشق عن دار الفكر, مؤثثا عالما فريدا بتقنية شعرية قوامها الحروف. هذا التحدي يدفعنا الى الحديث عن مشروع شعري يستند الى رؤية مستقبلية وليس عن وليد لحالة طارئة لا تتعدى القصيدة أو الديوان ، انه بحث معمق في قدره الحرف على خوض غمار تطور الحياة ومفرداتها لذلك جاء الديوان الأخير ليشكل انتقالة حروفية وحرفية عالية وإصرار على العوم في بحر القصيدة دون ان  يحمل في جعبته سوى الحرف وهو رهانه الأول والأخير. يعمل الشاعر على تفكيك اللغة إلى مستوياتها الأولية: أصوات ورموز كتابية. لا يعير أهمية كبيرة إلى المستوى الأول ويستغرقه الثاني في جو طقوسي مشع يعبق بشذى الأسطورة والبدايات الأولى. في مغامرته الحروفية هذه يرغب وبإلحاح في أن يوغل في أرض بكر لم تطاها أقدام غير أقدامه. أي على الرغم من حروفية قصائده، فإنها تهتم بالمعنى وتستقري قيم الحياة الإنسانية ونفاذها إلى جوهر الوجود.

حول كاهن

بمجريات الغد..تشاهد حمقى اليوم. (حموه يرابي , ص 220)

لذلك أصبحت الحروف وأحاسيسها البصمة الخاصة بالشاعر عبدالحميد الطائي في المشهد الشعري العماني،وربما العربي ايضا (انا أفكر بتجربة مشابهة للشاعر العراقي أديب كمال الدين صاحب ثمانية دواوين بطلها  الحرف آخرها "أربعون قصيدة عن الحروف" و الشاعر الأميركي رونالد سيليمان صاحب دواوين عن الحرف عددها بعدد الأبجدية الانجليزية, لكن عبد الحميد الطائي لم ينصب نفسه ملكا للحروف كما فعل كمال الدين (أو كما فعل به النقاد) ولم يخترع جملا جديدة كما ادعى سيليمان, كما ان علينا ان لا ننسى ونحن نتحدث عن حروفية عبدالحميد الطائي في حواس حروف لا نسى الشعر الانجليزي القديم , مثلا بيولف, حيث اعتاد شعراء تلك الفترة في أن يبدؤوا كل بيت من قصائدهم بالحرف عينه, أي القافية الاستهلالية). والأجزاء الثلاث (لاتح ومزاج الطين وحموه يرابي) تمثل تجربة فريدة من نوعها حيث يصبح الحرف هو الوسيلة التعبيرية عن ثيمة النص الشعري, أي أن الحرف يصبح الوسيلة والغاية في الوقت عينه. ولعل ما يميز هذه التجربة أيضا تلك اللغة العقلية المبطنة بالأبعاد اللغزية للوجود فوعي الشاعر يتمركز في موقع يبث من خلاله مجموعة من الأسئلة التي تستوجب الوقوف عند كل واحد منها, والأمثلة كثيرة جدا وفيها من الميتافيزيقية الكثير, وأعني ما عيي الإنسان عن الإجابة عليه بالرغم من أنه يعتقد أنه يملك الجواب سبب تشعر أحيانا بطغيان الطابع الوعظي/ التحذيري في العديد من القصائد , وهو أسلوب اقتضته الحاجة لان الشاعر يريد الحديث مع كل واحد من قرائه على حدة . لقد استطاع الشاعر استغلال إمكانيات الامتداد الحرفي وغواية الحروف صوتياً ودلالياً في إيجاد إيقاع يساهم في الدلالة الكلية للنص، ويحتضن الانفعالات الذاتية التي تتبلور في  مفارقات نصية وملفوظية للأساس المنطقي الذي يكمن تحتها، حيث إن "دلالة الحرف هنا تعوض عن دلالات الكلمة والجملة والمقطع, عبر التركيز الحرفي الذي يخترق من خلاله صوتية الحرف وبعده الإيقاعي للوصول إلى طريقة كتابية جديدة وخاصة به، وخلق عالم رمزي وكون تخيلي وتشكيل مغاير عبر اختراق سكونية اللغة ووظيفتها التقليدية والمعجمية إلى الحد الذي تتناص فيه خاصيات الحروف لتصل  إلى الشعر الصافي، وصنع صوفيته الشعرية التي تستحيل إلى طاقة شعرية متجاوزة الزمان والمكان" (د.محمود جابر عباس  الزمان اللندنية/ يناير2003).

حيث لا منابر..نحث الحروف على

التماسك , لتشكيل جملة .( لاتح , ص85)

لذلك نرى قصائد الدواوين الثلاثة تتأرجح بيد تجريد ذو مستوى عال من الانساق التعبيرية يرتبط بقوة باختلاجات النفس حيال الوجود وأسئلته المعقدة وبين ملموس ينبع من اللغة التي تمس في النهاية مفتريات الروح دون ان يستسلم لها أو يسلمها الراية.

التاريخ

الأيام تمر

لا ذاكرة لها

نحن من يدون للذكرى

دون ان نعتبر.  (لاتح  , ص 20)

مم العجب على حالنا. (مزاج الطين , ص165)

حزه ظلم اليوم..

نسي عدل الغد. (حموه يرابي , ص143)

لقد بنى الشاعر هذا التقارب الروحي بينه وبينها (أي التجربة) إلى الحد الذي جعل مغادرة مكانها أو زمنها عملية عسيرة  تشبه انفصال الروح عن الجسد، ومن هنا, تحوّلت حروف الشاعر إلى كنز من الأساطير والرؤى والأحلام لمواجهة فيالق الزمن وقراصنته البارعين في القتل وتدمير أغنية الحياة التي يحاول الشاعر أن يمسك بها حيث تعيد للإنسان ثقته بالحياة وبالعالم الذي يعيش بالرغم من المرارة التي يحسها الشاعر ازاء ذلك العالم:

حال أيامنا

يضاهي المر. (حموه يرابي ,ص 83) 

ويبدو ان الشاعر أراد عن عمد ،باختياره الحرف، ان يغلق الأبواب على نفسه ويبحر في اتجاه يغاير اتجاه النص الشعري الذي هو بطبيعته نص مفتوح لأنه يتعامل مع الحياة بتفاصيلها المتشابكة، إضافة الى ذلك كان الشاعر قريبا بأسلوبه من  السينما، خاصة تلك المشاهد التي تفوح بعطر السريالية. هذا التوجه فرض على الشاعر استخدام الرموز بشكل كثيف (الأمثلة عديدة لعل من أجملها"  جحور السباع.. عفنة" في حموه يرابي ص25) وصولا الى ثيماته الشعرية, وبذلك يعلن الشاعر طواعية عن تنازله عن جميع المغريات التي يوفرها النص المفتوح ويجعل من الحرف السلاح والغاية والوسيلة، ولهذا السبب تحول الحرف الى منجز إبداعي وهوية وبصمة.

جاء الديوان الأخير مكملا لشقيقيه السابقين (لاتح ومزاج الطين) لان الحرف هو القاسم المشترك الذي يجمع النصوص في الدواوين الثلاثة , أي ان  الحرف هو القلب الذي ينثر الحياة في النص والتي بدورها  تنأى بذلك النص عن دائرة التكرار والملل كما انها  تشجع أفق الملتقي على ان يبقى مفتوحا على جملة من التأويلات.

لقد  اختطَّ عبد الحميد الطائي لنفسه طريقاً عسيرةً تتماشى عُسرتها وما في هذه الحياة من تعقيدات وإشكاليات تتجلى عبرها أصناف لا عدَّ لها من المحن والكوارث التي ليس للبشر قِبَلٌ بتحملها، ونعتقد ان الشاعر رأى أنَّ النظر إليها بالطرق المعهودة لن يجدي نفعا لإيمانه بضرورة ابتداع الوسائل الكفيلة بالتغيير الذي هو سمة الحياة في كل زمان وفي كل مكان، فأصبحت تجربته لافتة للنظر و تستحق المتابعة من القرّاء ومحبي الشعر:

قيد الأماني

وجع ضاغط

على نبض شريان الحياة..

يستبيح الأمل, ان دعاه

لتفسير أحلامه

طمعا في صبر،لا طائل منه

يفقع المرارة. (حموه يرابي ,ص 315)

هذه التجربة فريدةً ذات خصوصية تدلُّ على الشاعر وحده، وتختص به دون سواه، ونحن نفترض أنه يعمل من أجلها بإخلاص وحب شديدين، و منذ زمنٍ ليس باليسير، كأيّ زاهد لا يقدر أن يبارح صومعته تحت أكثر الفصول  شراسة, فأخذ يُغذِّيها بكل ما استطاع مِن قوةٍ (التعلم والثقافة والتجارب)، ولم يبخل عليها بالسهر والتجريب، حتّى شَكَّلتْ ظاهرةً في الشعر العماني والعربي الحديث.يقول الدكتور مصطفى الكيلاني  (الزمان مارس 2007 متحدثا عن التجربة الحروفية) أنّ رجوع الشاعر "إلى أصل اللغة محاولة جريئة لاستقراء جينالوجيا المعنى في تاريخه الأول الكامن في راهن الكلمة وسعي إلى إنشاء مستقبل لماضٍ أنتج قيمة لكائن استطاع أن يحوّل الأشياء إلى رموز دالّة بذاتها في حضور التكلّم وفي الغياب، وفرار من رعب اللحظة حيث فراغ الامتلاء الكاذب وفوضى النظام المستبد وتخبّط الفرد في الفراغ"، و يعد الشاعر علي حسن الفواز (الزمان مارس 2005) هذه التجربة (تجربة الحرف) هاجساً من طراز خاص للمغامرة ورغبة كامنة في كشف الخطاب الشعري على نوع من الإباحة في التصريح والمفارقة الشاقة بين محموله اللغوي ولعبته الرمزية التي يعمد فيها الشاعر إلى تداول الحرف كمجسّ لحركة الرؤيا بحثاً عن أصل اللذة وتمثلها في المجال الرمزي من خلال تعدد صور الخلق في البنية النصية للغة والجسد والدين والأسطورة وغيرها. فالشاعر حريص على تشكيل علاقة بنائية في هذا المجال، يستحضر فيها الكثير من الثنائيات التي تجعل لعبته الشعرية مجذوبة إلى الاستغراق في عملية تقابل وترميز متوالية  ولعبة  توليد لا يجفّ فيها المعنى عن إنتاج صوره ودلالاته. (هذه الثنائيات شكلت حضورا قويا في حواس حروف. لاتح يضغط بقوة على ثنائية الماضي و الحاضر يقول الطائي في مقدمة لاتح" هذا الماضي يفهم في حاضرنا  على أنه لا شيء لنا مما  كان لنا." ويقول في صفحة 75

الأضرحة...

شواهدعلى سيرة (كانت ).

وينشغل الطائي في مزاج الطين بثنائية الحق و الباطل الظلم (من خلال التشريع والقوانين). ويقول في مقدمة الديوان "تفرقت أمزجة البشر في مسألة التشريع, وأمرهم لا يستقيم إلا بالحق ."ويعود الى القول:

ميت الضمير

لا يحكم بالعدل (ص197)

ميزان الظالم...

ينصف أطماعه , فقط (ص 199)

وتأخذ الثنائية الأخيرة شكلا آخر في حموه يرابي . يقول الطائي في مقدمة الديوان "الحديث عن العدل محصلة واقع نعيشه, وللأخذ بالتعريف الحرفي للكلمة نعلم عدم تطابقها مع ميزان الحاضر. نفورنا من الظلم, وشخوصه, فطرة العدل فينا." وفي قصيدة نطق صامت يقول:

العدل: لسان

فاق وصفه جورا

يفسر كما يشتهي غرورا ( ص 68)

ناهيك عن عشرات الثنائيات التي تقتضيها ثيمة الصور السريعة التي يرسمها الشاعر بلمسات مقتضبة ومعبرة) وهذا التمثل الشعري يجد له نسقاً بشكل ووظيفة هما فضاؤه الاستعاري الذي يشكّل فيه هاجسه في المغامرة مثلما هو مجاله (الكنائي) الذي يعيد فيه استعادة لا شعوره وبواطنه الداخلية ليس بمواجهة المجال الاستعاري لجملته الشعرية، بقدر ما هو محاولة لتشكيل  نصوص موازية في نثريتها تحيل دائماً إلى الإشارة والتأويل . أقترح في هذا الصدد قراءة قصيدة ولا كيف؟ من لاتح (ص 35 ).

أولا بالتركيز على العناوين الداخلية التي تمزج ماضيا بهيا مع حاضر أغبر, على سبيل المثال الغزالي والأجساد التي تتراقص في الكثير من الأغاني المعاصرة ثم  بطلي  ألف ليلة و ليلة و بريمر, وبعدها يترك الشاعر الفرصة للاشعور و المواجد في رسم الصورة الكبيرة لواقع قد يبدو أشبه بالشؤم  الذي علينا أن نتفاجأ به بين الحين و الحين , وحسب قول الطائي بدأ مع معركة الجمل ليستمرحتى اليوم:

الغزالي والبرتقالة:

ان ابتعاث صمت الناطقين بالأهازيج المخملية

من رقادهم قد يوقظ الدندنة المدفونة غدرا في

وحل الرقص الأعرج, لكنه قد يحنق ونستبلى به

أن أسترقص ذاكرة الخصر وهز رأسه, لغربان

الأغاني المصورة حديثا.

بريمر والعرب:

مماطلة شهرزاد لشهريار , تحد لا يواجه بسرد

خرافات جديدة, لبغداد التي يحرقها جريان

دجلة , وانسياب الفرات كعلق على جبين

مستغل لزيف الطائفية لا العرقيات .

أن هذه الصور لا تحدث للمرة الأولى و ما بغداد الا نموذج لما حدث و قد يحدث مستقبلا سواء لبغداد ذاتها أو غيرها من الحواضر العربية , و هو ما حذر منه الطائي في حاشية قصيدة جب في حموه يرابي (ص 21) عن ما قال بعدما أشار الى عثرات العرب الحديثة بدء من فلسطين و انتهاء بدارفور "ناهيك عن بئر الغفلة الجامعة لبقية فتن الأمة" وهو بذلك يختصر هذا التاريخ في كلمات قليلة:

الطائفية:للنقمة

على طرف لسانهم, بذور شقاق

ترفض طيبة الأرض , أن ابتسمت عدلا , أو

نطقت نصحا للماء الذي يروي ظمأ

تربتها القاحلة بأفعالهم المستفزة أبدا

لنزعة الجفاف. (لاتح , ص 39 ).

أو نقرأ في حموه يرابي  (ص 314).

يحمل الوقت لك صخب ثوان

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.