بمناسبة 23 نيسان (اليوم العالمي للكتاب)..الناشر العربي في مواجهة التحديات

الثلاثاء, April 24, 2018
كاتب المقالة: 

إن النجاح الكبير الذي فاق كل التوقعات والذي خرج به اتحاد الناشرين السوريين من أول تجربة له في معرض ربيع الكتاب؛ قد أكد له صدق العزيمة لدى كافة الشرائح في مجتمعنا العربي السوري على المستوى الرسمي والشعبي؛ لمواجهة كل التحديات التي استهدفت ثقافته ولغته وهويته وأمنه واستقراره، فكان هذا النجاح حافزاً قوياً له على إدراك المسؤولية الكبرى التي حمله إياها قانون تشكيله، والرسالة السامية التي عهد إليه بها.

فلقد أثمرت جهوده التي ما فتئ يبذلها منذ أعوام لترسيخ الثالث والعشرين من نيسان يوماً عالمياً للكتاب في ذاكرة المجتمع؛ بعض التقدم؛ حين أشرك معه في المعرض إلى جانب الكتاب كل الفعاليات الثقافية والفنية والتربوية والرياضية، فقدمت جمعية قوس قزح لرعاية الطفولة برامج ثقافية وورشات عمل فنية لتعليم الرسم والصلصال، وقرأت فنانات للأطفال قصصاً، ووزعتها عليهم مجاناً تبرعاً من الناشرين، وشاركت مديرية المسارح بمسرحية ثقافية هادفة، ووزارة التربية بالقبة الفلكية، وجاءت الجمعيات الأهلية بأطفالها من الأيتام والمكفوفين والمعاقين وأبناء الشهداء، وعزفت شبيبة الثورة موسيقاها، والكشافة والطلائع ونقابة الفنانين؛ كلٌّ أدلى بدلوه ليجعل من معرض الكتاب مهرجاناً مقترناً بيوم الكتاب، ومقاماً بين مناسبتين وطنيتين غاليتين لهما في ذاكرتنا الوطنية مغزى هما السابع والسابع عشر من نيسان.

يطمح الاتحاد في أعوامه القادمة إلى أن يرتقي بيوم الكتاب إلى مستوى أعياد الحب والأم والمعلم لكي يزدهي الوطن بكل أطيافه ومؤسساته؛ حفاوة بالكتاب، وليكون الكتاب في ذلك اليوم وفي كل يوم؛ في كل يد وعلى كل شفة ولسان.

وإلى جانب معرض ربيع الكتاب واليوم العالمي للكتاب؛ ثمة نجاحات أخرى أحرزها الاتحاد، كان له في بعضها فضل التفرد بين اتحادات النشر العربية، مثل اضطلاعه بأعباء الترقيم الدولي للكتاب ISBN، الذي غطى منذ انطلاقته حتى الآن 134 ناشراً سورياً، ويطمح للتواصل مع ناشري القطاع العام لتغطية إصدارات وزارات التربية، والثقافة، والتعليم العالي بالترقيم الدولي الذي يحقق لها حضوراً عالمياً.    

كما كان له فضل السبق- عربياً- في إصدار الوراقة السورية التي غطت حتى الآن إصدارات الناشرين السوريين من أعضاء الاتحاد، لتكون بين أيدي الباحثين ومديري المكتبات العامة والخاصة والجامعية؛ معتمدة أحدث المعايير العلمية في التصنيف والتوصيف البيبليوغرافي والفهرسة.

ومشروعه (خذ الكتاب بقوة) ماضٍ في تحقيق هدفه المنشود (بناء المجتمع القارئ)؛ يقدمه له مجاناً ليسقط ذريعة غلاء سعر الكتاب، ومبسطاً رشيقاً ليكون ملائماً لكل المستويات الاجتماعية والثقافية، أصدر فيه حتى الآن أربعة كتب، وزَّعَ منها في المعرض وحده حوالي أربعين ألف كتاب، لعشرة آلاف قـارئ ملؤوا اسـتبانات تحمل عنـاوينهم يعكف الآن على تفريغها لتحليلها وللتواصل معهم. 

*****

لن تثنيه هذه النجاحات عن الاعتراف بالوقوع في الكثير من الخطأ الذي لا بد منه لكل من يعمل، ولا بد منه للمراجعة والاعتبار وتصحيح المسار.

كما لن تصرفه هذه النجاحات عن إدراك حجم التحديات التي تواجهها صناعة النشر والناشرون في سورية والوطن العربي، وفي طليعتها:

وضع القواعد الناظمة للمهنة، وترسيخها لتصبح تقاليد ثابتة لها.

وتصحيح العلاقة بين الناشر والمؤلف والقارئ؛ الأطراف الثلاثة المعنية بالعملية الثقافية.

واستقراء مستقبل صناعة النشر في ظل التحولات الخطيرة والمتسارعة بالمعلومات من وعائها الورقي إلى أوعيتها الإلكترونية.

وتسليط الضوء على أهمية تطوير الكتاب الورقي، ودعمه باللون والصورة وبراعة الإخراج، وربما بإضافة الصوت والحركة لتثبيت قدمه في المنافسة. 

وخوض معركة إعادة الكتاب إلى الأيدي التي تراخت عن حمله بعد مغادرتها مقاعد الدرس، لتنخرط في أمية لاحقة، لم تعد مقبولة في عصر الانفجار المعرفي المتنامي والمتسارع.

وبناء مؤسسات التوزيع الكفيلة بإراحة الناشر من تحمل عبئه منفرداً، والتي ستكون الأقدر على توفير أقنية الإيصال، والتغلب على كل مشكلات الرقابات المتباينة، والقرصنة المستشرية.

ولا بد أخيراً من التعريج على التحدي الأكبر الذي هو بناء الذات، ومنه ينبغي  أن يكون المنطلق: ﴿أَوَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ آل عمران 3/165].

لن يحترمنا أحد قبل أن نحترم أنفسنا.

لن يحظى الناشر العربي بالاحترام الذي يحظى به الناشر الذي تفتح له قاعات الشرف في البلدان المتقدمة، ما لم يكن له مشروعه الثقافي الواضح وأدواته الفنية والعلمية المتطورة.

عندما أصدر المشرع قانون اتحاد الناشرين السوريين، كان يضع نصب عينيه محورية صناعة النشر التي تلتقي فيها وعندها سائر أطراف عملية التنمية الثقافية؛ فضم إلى مكتبه التنفيذي ممثلي الوزارات والمؤسسات المعنية.

لن يستطيع الناشر العربي السوري أن يرقى إلى المستوى المحوري الذي عُهد به إليه، ما لم يرتقِ بأدائه إلى مستوى المسؤولية.

لن يكون الناشر جديراً برفع قيد الرقابة الرسمية عنه، قبل أن ينمو لديه الإحساس بمسؤوليته الذاتية والاجتماعية عما ينشر.

*****

لقد ناضلنا طويلاً من أجل إرساء تقاليد راسخةٍ لاتحاد الناشرين؛ تحقق له حضوراً اجتماعياً لائقاً، وأسساً منهجية يفرض من خلالها احترامه على المجتمع وعلى الآخرين. 

ومثل كل مراحل بناء المؤسسات، فإن لغة الواجب هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن تسهم في بناء اتحادٍ قوي للناشرين، محلي على مستوى القطر، أو إقليمي على المستوى العربي.  

والواجب عطاء محض، وشعور عميق بالمسؤولية، واندماج كلي مع الجماعة، تتماهى الذات معها فتصبح جزءاً منها، تسمو بسموها، وتنحط بانحطاطها..

 

 

ففي مرحلة البناء التي تستهدف إرساء قواعد ثابتة للمهنة؛ على الناشر أن يتوقع من اتحاده نسبة عالية من خطاب الواجبات، ونسبة أقل من خطاب الحقوق، ففي تجمعٍ كلُّ من فيه يؤدي واجبه؛ سوف يصل إلى كل ذي حق حقه، ومن ذا الذي سيعطي الحقوق في مجتمع يطالب أبناؤه كلهم بحقوقهم؟ ولمن ستعطى؟

وفي مرحلة البناء، والتسابق على أداء الواجبات، تسود أجواء الثقة والتعاون والإيثار بين المتسابقين. وفي ظل هذه الأجواء قد ترتكب أخطاء وتقع هفوات غير مقصودة؛ تتجاوزها أعين الرضا، وتسعى إلى تصويبها بالنقد البناء والتناصح، فلا أحد معصوم عن الخطأ، والخطأ مقرون بالعمل، فمن لا يعمل لا يخطئ، وتكاد ثقافتنا تكون الوحيدة التي تكافئ على الاجتهاد الخاطئ، فتعطي المجتهد أجراً إن أخطأ، وأجرين إن أصاب؛ أجراً على اجتهاده، وأجراً آخر على صوابه.  

فإن تجاوز الخطأ حدود الاجتهاد استوجب المسؤولية، وليس لأحد حصانة تحول دون محاسبته، فالكل مسؤول ، والمسؤولية التزام، والالتزام تحكمه الأنظمة والقوانين والأعراف. وللتجمعات المهنية أجهزة تشرف على تنفيذ هذه القوانين، وفق أصولٍ تتبعها، وبينات تعكف على فحصها، وكل محاسبة تجري خارج أطرها وأصولها وبيناتها سوف تخل بنظام هذه التجمعات وتوازنها.

وإن أعظم أنواع المسؤولية وأجداها، لهي المسؤولية التي تنبع من الذات وتجعل الضمير والوجدان رقيباً عليها.

لست أدري، ونحن نعيش الآن عصر تعاظم ثورتي المعلومات والاتصالات؛ تلهب ظهورنا سياط التحول من الورق إلى الشاشة وأنظمتها الرقمية، في ظل أكثر التحولات البشرية خطورة؛ إلى أين ستتجه بنا السفينة نحن الناشرين؟!

هل سنستطيع امتلاك ناصية التحولات الجديدة لنستمر في الإبحار؟! هل سنتشبث بموروثاتنا وتقاليدنا؛ غير مبالين بالتحولات المتسارعة من حولنا، تاركين لمتربصين حاذقين استثمارها وركوب موجتها؟! وفي كلا الحالين: هل سنضمن ولاء المؤلف لنا وحاجته إلينا، بعد ما أصبح بإمكانه أن يؤلف وينشر ويوزع ويبيع على الشابكة (الإنترنت)، عبر جهازه المحمول؟!

هل سنتلهى بصراعات تنافسية على ظهر سفينتنا، ريثما ترسو بنا في مقبرة المهن المنقرضة؟!

التحديات التي تواجهنا كثيرة، وهمومنا كبيرة، تقتضينا مزيداً من التلاحم، مزيداً من اليقظة، مزيداً من التعاون، مزيداً من التخطيط لإنقاذ سفينتنا من الغرق، ولضمان مستقبل آمن لمهنتنا صناعة النشر.. فليكن وعينا بحجم التحديات التي تواجهنا.

محمد عدنان سالم

19/05/2010

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.