بمناسبة صدور روايته ( بين النمور ) لقاء مع الفتى النابغة التونسي أمير الفهري

الأربعاء, October 9, 2019
كاتب المقالة: 

صدر عن دار الفكر بدمشق رواية (بين النمور) للفتى النابغة أمير الفهري (16 عاماً)، والتي كتبها باللغة الفرنسية وهو لم يبلغ الثانية عشرة من العمر. والنابغة الفهري حاصل على (25) جائزة عالمية في الأدب.. يتقن سبع لغات.. عيينه الرئيس الفرنسي ممثلاً للفرانكوفونية في العالم .

ولد الفهري بمدينة سوسة عام 2003، وهو ابن لطبيب صيدلي تونسي الجنسية ولمهندسة كهرباء عراقية الأصل، ويقيم حالياً في فرنسا، طلب منه مدرسوه ومدير مدرسته الثانوية اجتياز شهادة البكالوريا في عمر الـ(15) عاماً، وقد وافق الفهري على تخطي السنوات كما فعل في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، واجتاز امتحان البكالوريا في مجال الطب، وتمَّ قبوله في جامعة فرنسية.

ـ بدأتَ الكتابة في سنة مبكرة جداً.. ما الذي شجعك على القراءة والكتابة؟

عندما يكون لديك قضية نبيلة تحملها على عاتقك.. ورسالة تودُّ أن توصلها للناس.. فليس هناك حاجز يمكن أن يقف عثرةً في وجهك، ولن يتوانى إنسان عن دعمك لكي تقوم بالمستحيل في سبيل تلك القضية، والقلم أهم سلاح والكتابة أجمل طريقة للتعبير والدفاع عن رسالتنا ومبادئنا؛ لأن ما نكتبه يرسخ عبر الزمن، وها نحن نرى اليوم ما تركه الفراعنة القدماء الذين كانوا يكتبون على الحجر نقرأ أفكارهم واختراعاتهم ومشاعرهم اليوم.. أحبّ الكتابة وأحبّ اللغة وأحبّ القلم، فمن خلالهم نستطيع التعبير عن كل ما يجول في داخلنا ونستطيع الدفاع عمّا نحمله من قيم مبادئ.

 

* ـــ ما هو أول كتاب قرأته؟.. وأول قصة كتبتها؟

بدأت رحلتي مع الكتاب في سنِّ الثالثة، وكنت أقرأ كتاباً كل أسبوع، وكنت معجباً جداً بمؤلفات أوسكار ويلد، وهو مؤلف مسرحي وروائي وشاعر إنجليزي إيرلندي. كما قرأت لـ (بلزاك وسقراط وكانط)، فضلاً عن نجيب محفوظ.. كل هؤلاء الأدباء والمفكرين أعشقهم وأعشق كتاباتهم..

أما أول قصة كتبتها كانت لا تتجاوز أربعة الأسطر.. ولم أكن أتخيل وقتها أن هذه القصة يمكن أن تكبر وتكبر.. وأحياناً كنت أقول لنفسي لو أنني أضفت بعض التوصيفات أو الأحداث، أو أضفت شخصيات جديدة ربما تصبح أطول قليلاً.. ولكنني بعدما بدأت بالكتابة وواصلت فيها رأيت أن العالم الأدبي أعمق من ذلك بكثير.. فالعالم الأدبي كله أحاسيس، وكل جملة تكتبها لا بد أن تشعر بها وتعيشها وتراها صوراً تتحرك أمام عينيك.. فأنت تودُّ أن تغيِّـر العديد من الأشياء في هذا العالم.

* ـــ إذا تحدثنا عن رواية (بين النمور) ... ما الذي دفعك للكتابة عن ظاهرة التنمُّـر بشكل خاص؟

ما دفعني لكتابة هذه الرواية هو تجربتي الخاصة، فعندما كنت في تونس اضطررت لتغيير مدرستي سبع مرات خلال عامين فقط! قبل أن أنتقل برفقة عائلتي إلى فرنسا. بسبب تعرُّضي لظاهرة خطيرة هي ظاهرة التنمُّـر، وأذكر أن أحد المعلمين منعّ كل زملائي في الصف من مخاطبتي بسبب رفضي الالتحاق بدروس خاصة يقدمها المعلم، وتعرَّضت نتيجةً لذلك لكثيرٍ من الادِّعاءات الزائفة، كما انهرت ذات مرة وصدمت بشدة حينما عنفني مدير المدرسة لفظياً، ووصفني بأبشع النعوت، حتى إن عائلتي رفعت دعوى قضائية ضدّ المدير.. ظاهرة التنـمُّر خطيرة جداً، هذه الظاهرة التي لا نعرف سببها.. وعندما نعاني منها لا نعرف كيف نخرج منها، ولا نعرف ما هي الحلول. ولم أرغب أن تبقى هذه التجربة طيَّ الماضي. كما لا أودُّ أن تبقى نقطة سوداء في قلبي.. بل وددت أن أتخلّى عنها بأجمل طريقة.. وودت أن تكون تجربتي وروايتي رسالة تساعد كلَّ من يعاني من ظاهرة التنمُّـر الخطيرة على التعبير عن معاناته، ومحاولة التخلُّص منها بشكل أو بآخر..

فالتنمُّر من أخطر الظواهر السيئة، ويمكن لها في بعض الأحيان أن تفكِّك حياة البعض، وعلينا أن ندافع عن هؤلاء الأطفال. وألفت النظر إلى أنه يمكن أن يكون التلميذ شرّيراً أو الأستاذ أو أحد الإداريين خاصة عندما تكون مختلفاً بعض الشيء. وبالطبع هذا لا يعني أن الجميع أشرار، بل على العكس، لأننا نجد السلام أحياناً، ولكن قد لا تجد أحياناً شخصاً يساعدك ويقف معك للخروج من هذا المأزق

لذلك وددت أن أكتب هذا الكتاب لكي أقول نعم عشت هذه الوضعية واستطعت تجاوز هذه المرحلة.. ومن ثم يمكن للملايين من الأطفال الذين يعانون من وضعية التنـمُّر أن يخرجوا منها أيضاً.

 

* ـ هل صحيح أن كل ما تضمنته الرواية من أحداث هي حكايات واقعية؟

كل الأحداث واقعية بشكل عام، ولكن هناك بعض الحالات أو المواقف جاءت في سياق الرواية، ولكنها لم تكن أبداً بعيدة عن الواقع، فكل ما وقع، كل العنف، كل الكراهية، كل الحقد الذي وجدناه في هذه الرواية هو من الواقع، وأظنه كان ضرورياً جداً أن أكتب بصدق عن الحالة التي مررت بها، أو التي مرَّ بها أطفال كانوا معي في المدرسة.. وإذا أنا لم اكتب وأُعبر عن ذلك الخطر الكبير فمعناه أنني لا أكتب ولا أقول الحقيقة ... يجب في بعض الأحيان أن نكتب ونعبر بقوة عن الحقيقة المرَّة كي نصلح الأشياء، ذلك هو الهدف الحقيقي للرواية. فالهدف ليس أن نتَّهم من قام بتلك الأفعال ومن يقوم بها إلى يومنا هذا، وأن ننتقم منه، بل هدفنا أن نصلح ما يقع.

وكيف كانت ردود الأفعال على كتابك (بين النمور)؟

عندما صدرت الرواية، باللغة الفرنسية، كان عمري (12) سنة، وصل الكتاب إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا هولاند، الذي أرسل لي رسالة حلوة تضمنت رأيه وملاحظاته، وشجعني على المواصلة والمثابرة لكي أستطيع ما أمكن إيصال صوتي لعله يغير العديد من الأشياء، كما عيَّنني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ممثلاً للفرانكفونية في العالم، واصطحبني معه في طائرته لحضور مؤتمر الفرانكوفونية في أرمينيا، حيث التقيت بالمغفور له الرئيس التونسي الراحل  الباجي قايد السبسي، تغمده الله بواسع رحمته، والذي حرص على أن يصدر كتاب (بين النمور) في تونس أيضاً.. وكان من أكثر الكتب مبيعاً في بلدي تونس. وقدمت له في حينها مشروعاً بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) للتبرع بعائدات كتبي بعد ترجمتها إلى اللغة العربية، لبناء مدارس في المناطق النائية التي حرم أبناؤها من التعليم، سواء في تونس أو في مختلف بلدان العالم.

وأذكر أنني عندما التقيت وزير التربية التونسي وأهديته الكتاب، ورأيت أن بعض الأشخاص الذين يشتغلون معه كانوا من الأشخاص الذين عنفوني قبل سنين، قلت له: أودُّ أن يتوقف بشكل نهائي العنف الجسدي في المدارس، فالقانون التونسي يمنع ذلك.

 

*ـــ ولكن الملاحظ أن ظاهرة "التنمُّر" في ازدياد؟ ما هو علاجها برأيك؟

هذا صحيح، ظاهرة التنمُّر، للأسف الشديد في ازدياد كبير، ويوماً بعد يوم. والغريب أنه ليس فقط في أوروبا، وليس فقط في تونس، وليس فقط في أفريقيا.. بل أيضاً في اليابان، عندما استقبلني رئيس الوزراء الياباني (شينزو آبي) وتحدثنا عن هذه الظاهرة، أخبرني عن تفاقم الظاهرة في مدارس اليابان وخاصة في طوكيو ..

وكما أشرت لا يوجد علاج أو حلٌّ لهذه الظاهرة إلا من خلال الشباب والتلاميذ، ومن خلال الحديث علناً عن التجارب الشخصية والمعاناة التي يتعرضون لها، فهكذا نرى الحقيقة ونرى حجم الخطر. إن الخطر الحقيقي هو أنك تتوقع أنه ذنبك أنت أن تكون ضحية للتنمُّر.

 

* ــ وماذا عن قصص مير.. كيف خطرت على بالك؟ وما الذي دفعك للاستمرار بكتابتها؟

قصص مير هو أول كتاب ألفته، عندما أقرأه اليوم أقول ليس لديه أي علاقة بما أكتبه الآن، وأحياناً أقول إنه كان بإمكاني أن أُغيِّـر العديد من الأشياء في قصص مير، ولكن عندما أفكر أكثر بالموضوع أقول هذا الكتاب كان بداية لكل شيء.. وهذا الكتاب هو الذي بثَّ في قلبي تلك الرسائل الإيجابية ورسائل الأمل التي عبرت عنها، وتلك الرسائل هي قبول كافة الشعوب وكافة المجتمعات رغم اختلافها لأننا عانينا من الكثير؛ عانينا  من الحروب، عانينا من أن نرى في عام 1945 أكثر من أربعين مليون شخص يفقدون الحياة بلا سبب، لا أحد يربح من الحرب، والحرب لا نستفيد منها بأي طريقة مهما كانت، بل نستفيد منها فقط  في شيء واحد؛ هو  أن تبقى في التاريخ ونتعلم أن لا نرتكبها من جديد،  ولكن للأسف لا أرى أننا تعلَّمنا هذه الحكمة من الحروب ..

وأنا كشابٍّ وددت أن أُعبِّـر عن ذلك الشيء.

ما هي الجوائز التي حصلت عليها حتى الآن؟

حصلت على (25) جائزة دولية في الأدب، من دول عدة من بينها فرنسا والصين والولايات المتحدة، عن مجموعة كتبي باللغة الفرنسية "قصص مير"، عشرة منها في المرحلة الابتدائية و15 في الثانوية. وجائزة الرواية الشبابية، والريشة الذهبية، وجائزة فنون وأحرف، وجائزة الطفل المبدع في فرنسا، وجائزة الیونسكو والألكسو، وجائزة الأديب الصغیر.

أما أفضل جائزة أعتزُّ بها فهي جائزة الفنون والآداب الفرنسية، أو جائزة فنون الحروف التي حصلتُ عليها أول مرة في العام 2016، ثم تحصلت عليها ثلاث مرات أخرى متتالية.

 

ـــ معروف أنك تتقن سبع لغات.. ما هي؟.. وكيف تمكَّنتَ من إتقان هذه اللغات وأنت بهذه السِّن؟

اللغات هي: (الكردية، والعربية والفرنسية، والإنجليزية، والصينية، واللاتينية، والألمانية). واللغة اللاتينية هي التي تعجبني أكثر؛ لأنها تمكننا من أن نرى أصول كافة اللغات الأوروبية.

وقد تعلمت اللغة الكردية من أُمي التي ولدت في شمالي العراق، والفرنسية من والدي التونسي، والعربية من المناخ الذي نشأت فيه، والإنجليزية من خلال السفر والتجوال، والصينية عبر الفترة التي قضيتها في الصين، والألمانية من العيش لمدة عامين بمدينة ستراسبورغ على الحدود الألمانية.

 

* ـــ أي لغة تستهويك أكثر بالكتابة أو القراءة؟

أظنُّ أن السؤال الحقيقي ليس بأي لغة أكتب، أو بأي لغة أقرأ، ولكن السؤال الحقيقي هو بأي لغة أحلم، وبأي لغة أفكر؛ لأن لغة التفكير هي الأساس..، لأنني دائماً أفكر حسب موقعي الجغرافي؛ فعندما كنت موجوداً بالبلدان العربية أفكر باللغة العربية ، وأذكر أنني عندما التقيت بالرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون تحدثت معه بداية باللغة العربية بشكل عفوي.. ولم أفهم لماذا فعلت ذلك.. وهذه هي العفوية الجميلة.

 

* ـ ما هي الصعوبات التي تلاقيك على صعيد النشر أو توزيع كتبك؟

أظن أنه ليس أهم شيء عدد الكتب التي بإمكاننا أن نبيعها أو بإمكاننا أن ننشرها أو نطبعها، المهم أن كل شخص قرأ كتبك استفاد منها بشيء ما، واستطعت أن تقنعه وأن تغيِّر فكره، أو على الأقل أن توجِّه له رسالة ما تدفعه للتفكير، إذا لم تستطع أن تقنعه فدعه يفكر في الموضوع كما في موضوع حقوق الأطفال، أن تدعه يفكر من جديد قبل أن يتكلم إلى طفل ويعنفه في تلك الحالة أن تدع مشاعره تتغير وأن تدع ما في قلبه يتغير، فذلك أجمل شيء. وبهذا يمكنني القول: إنني لم ألقَ أية صعوبات فيما يخص نشر أو توزيع الكتب.. وفي أغلب الأحيان أقوم شخصياً بالترويج لكتبي لأنني أريد أن تصل رسالتي إلى الجميع.

 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.