بمناسبة ذكرى رحيله عبد الوهاب المسيري.. رؤية فلسفية فريدة للعالم والإنسان (أكتوبر 1938 - 3 يوليو 2008)-الجزء الثالث

الثلاثاء, July 9, 2019
كاتب المقالة: 

المجاز عند "المسيري".. اللغة كأداة للتحليل

"الصور المجازية ليست مجرد زخارف وإنما وسيلة إدراكية لا يمكن للمرء أن يدرك واقعه دونها، أو حتى أن يعبر عن مكنون نفسه إلا من خلالها، وهي بالتالي مرتبطة تمام الارتباط بالنماذج المعرفية والإدراكية ورؤية الكون وخير وسيلة للتعبير عنها"

(عبد الوهاب المسيري)

أما عن الصور المجازية واللغة، فقد طور "المسيري"، أيضا، تصورا تفسيريا بخصوصها؛ ليضمها إلى أدواته في التحليل، فهو يرى أن اللغة والمصطلحات التي يستعملها الساسة والمفكرون لا يصح إدراكها بشكل سطحي دون البحث عن الرابطة بين الدال (اللفظة) والمدلول (المعنى الكامن وراءها)؛ ذلك لأن الصور المجازية اللغوية "يمكن استخدامها كوسيلة لتمرير التحيزات وفرضها بشكل خفي"[11].

            

             

فالمجاز يقوم بنقل رؤية معينة، وإذا ما درسنا الخطاب السياسي الغربي وجدنا أنه يستخدم صورا مجازية كثيرة تعبر عن الرؤية الغربية للعالم، ولكنها تبدو كما لو كانت محايدة، "فحينما يشيرون إلى العالم العربي باعتباره (الشرق الأوسط) أو حتى (المنطقة)، وحينما يتحدثون عن (الفدائيين) باعتبارهم (إرهابيين)، فإنهم في واقع الأمر يفرضون صورا مجازية تجسد مفاهيمهم، فبدلا من (العالم العربي)، المصطلح الذي يستدعي التاريخ والتراث والهوية، نجد أن مصطلح (المنطقة) ينقل إلى وجداننا صورة أرض ممتدة بلا تاريخ أو تراث"[11].

        

فالمجاز هنا، حسب "المسيري"، أداة للتعبير وللإفصاح عن رؤية الإنسان للكون، "واستخدام الصورة المجازية قد يكون واعيا، فيحاول المتحدث أن يتحكم في الصورة المجازية"، وقد يكون غير واع، "فتهزمه الصورة، بل تفضحه، إذ إن منطقها الداخلي قد يعبر على عكس ما يرمي المتحدث إليه"[11] أو عكس ما يحاول إظهاره. وبهذا التصور عن اللغة والمجاز، يرى "المسيري" الفلسفة الغربية في التعامل مع الإنسان.

              

وعلى ذلك، يذهب إلى أن الفكر المادي -على سبيل المثال- يرد كل شيء، بما في ذلك الإنسان وكل منتجاته الحضارية، إلى المادة وقوانينها، "فالمفكر الفرنسي الاستناري "كابانيس" يؤكد أن الدماغ يفكر كما تهضم المعدة، وكما تفرز الكبد الصفراء" أي أن الصورة المجازية الأساسية هنا هي أن العالم العقل كالمعدة، فالتفكير الإنساني عملية كيميائية مادية، "ولا يوجد فارق جوهري بين العملية الفكرية والعملية الهضمية (أي بين الفكر والمادة وبين الجسد والروح)"[12].

              

ثم قام "نيوتن" بمقارنة العالم كله -بما في ذلك الإنسان- "بآلة دقيقة: ساعة تدور دائما وعلى نفس الوتيرة دون تدخل إلهي أو إنساني". وقد اكتشف "لوك" أن "الآلة التي توجد خارجنا توجد داخلنا أيضا، فقارن العقل بالصفحة البيضاء التي يتراكم عليها كل ما يصلنا من معطيات"، ثم تتحد هذه المعطيات آليا من تلقاء نفسها فتتكون الأفكار[12]، وقد أدى كل هذا إلى ظهور الصورة التي يطرحها "آدم سميث" للإنسان الذي يعيش في عالم تنظمه قوانين العرض والطلب الآلية التي قارنها باليد الخفية، تنظم كل شيء ولا يراها أحد"[12].

                  

 

      

فمن خلال هذا التأمل الفكري وراء اللغة المستخدمة والصور المجازية، يضم "المسيري" المجاز، جنبا إلى جنب، مع النموذج؛ لفهم الأفكار بشكل عميق لا يغفل ما وراءها، وليتمكن كذلك من تحليل التصور الغربي للإنسان، وكذلك لتفسير الرؤية الصهيونية للوطن العربي واستعمالها لنصوص ومفردات تجعل من الصهيوني شيئا هاما ومن العربي شيئا خلاف ذاك.

           

الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة

"كان المسيري شاهدا على انتصار الإيمان والفطرة، فلم تكن له حسابات مع أنظمة سياسية أو قوى اجتماعية، ولكن حساباته كانت لصالح ما يؤمن به: الإيمان والإنسان"

(خيري منصور)

          

كيف تجمع بين التفاصيل المتناثرة؟ هنا يجيبنا "المسيري" بنماذجه التفسيرية وبتأمل المجاز، واضعا تاريخ البشرية الحديث على مقياسه التحليلي، فيخرج بنموذجين رئيسيين لتفسير الرؤية الغربية الحديثة للإنسان: أولهما هو نموذج "الحلولية الكمونية" الذي يرى بأن الإله والإنسان والطبيعة مكون من جوهر واحد، فلا فرق حقيقي -حسب هذا النموذج- بين الإنسان والطبيعة[13].

           

ونموذج "العلمانية الشاملة" الذي يختلف عن العلمانية الجزئية في كونه لا يعزل فقط السياسة عن القيم الدينية، بل يعزل الحياة بأسرها عن أي تفسير ديني، ويرى أن العقل والحواس الخمس -فقط- أشياء كافية لتفسير الكون دون الحاجة إلى الدين والعقيدة والثوابت الأخلاقية والإيمانية[10]، فالعالم مرجعية لذاته -حسب هذه الرؤية- ولا يحتاج لشيء خارجه. وهما النموذجان اللذان يشرح من خلالهما "المسيري" كيف أنتجت الحداثة إنسانها الحديث، واستبدلت عقائده الأخلاقية والدينية بعقلانيتها وماديتها بعد ذلك.

                          

فهو يرى أن مرحلة الحداثة[*] قد بشرت بما أسماه "وحدة الوجود المادية"، وهي المرحلة التي يُستغنى فيها عن اسم الإله، فيحل الخطاب المادي محل الخطاب الروحي، وتُفسّر الظواهر الإنسانية بقوانين المادة والحركة، وتقر بأن كل تغير طرأ على البشرية، وسيطرأ عليها، خاضع لمسار تاريخي حتمي تفرضه عليها طبيعتها المادية[1] كما هو الحال في الماركسية التي افترضت أن الرأسمالية مرحلة تاريخية "حتمية" لن تلبث أن تنتهي وتسيطر بعدها الطبقة العاملة على مصادر الإنتاج والثروة، وكأن الحياة البشرية تسير بقوانين فيزيائية لا اعتبارات فيها إلا للحسابات الرياضية.

            

فالظاهرة الإنسانية -هنا- كالظاهرة الطبيعية تماما: كلاهما يخضع لقوانين المادة. ويلخص "المسيري" هذه المتتالية (متتالية وحدة الوجود المادية) في خمس حلقات متتابعة جعلت من الإنسان الغربي الحديث كائنا تعاقديا ماديا أحادي البعد (أي لا يعطي الاعتبارات العاطفية والدينية اعتبارا كبيرا)، واختزلته في جانب واحد "مادي" وغيّبت جانبه "الروحي" الآخر، فكيف رأى "المسيري" حقيقة هذه التطورات وأثرها على الإنسانية جمعاء؟

      

يعلن "المسيري" عن تقسيماته الخمسة، في كتابه "قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى" الذي لخص فيه رؤيته لهذا النموذج، بادئا بمرحلة التمركز حول الإنسان، أو ما يسميه "الواحدية الإنسانية/الهيومانية"، وهي المرحلة التي أتت بها الحداثة مباشرة، وفيها تمركز الإنسان حول إنسانيته بدلا من تمركزه حول الدين، في أوربا المسيحية أثناء العصور الوسطى؛ فالإنسان، في هذه المرحلة، وحده هو المركز ومصلحته هي الغاية من الوجود.

              

ثم، وطبقا لمتتاليىة التحديث الغربي للإنسان، تمضي الإنسانية، وفق "المسيري" أيضا، إلى مرحلتها الثانية المسماة بـ"الواحدية الإمبريالية/الاستعمارية"، إذ يتحول فيها إنسان الغرب من تمركزه حول مصلحة الإنسانية في العموم إلى تمركزه حول مصلحة بني أمته فقط، فتظهر النزعات العنصرية التي تحول باقي الأمم إلى وسائل تخدم مصالح أمته، وهي المرحلة التي يُعزي "المسيري" إليها قيام حركات كالنازية والفاشية والصهيونية، أو حتى حركات التحرر النسوية "الفيمنيزم" التي أطلق عليها حركات التمركز حول الأنثى في مقابل الذكر.

             

ومع الانطلاق التحديثي السريع، يجد "المسيري" البشرية عند المرحلة الثالثة المسماة بـ"ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة"، وهنا حيث كان الصراع على أشده بين نموذجين: نموذج الواحدية الإنسانية المتمركز حول الإنسان، ونموذج "الواحدية الطبيعية" الذي سيدخل الصراع، واضعا الطبيعة/المادة في مركز الكون بدلا من الإنسان؛ ليصبح الإنسان بعدها مجرد كائن لا اعتبار مميز له، مما يعني فصل أي قيمة أخلاقية/دينية/عاطفية عن العلم والمعرفة المادية[14]، فتظهر أشياء كالإباحية وغيرها التي ترى الإنسان -في مجموعه- كائنا يخدم مصالح مادية كغيره من الكائنات، دون النظر لأي اعتبارات دينية أو أخلاقية[15].

              

 

           تلك "الواحدية الطبيعية" لن تلبث أن تنتصر في صراعها مع "الواحدية الإنسانية"، لتحل محلها تماما، ويظهر إنسان العصر الحديث المنفصل عن القيمة، والذي سيمضي باستسلام إلى آخر مراحلة: "الواحدية السائلة"، التي يعتبرها "المسيري" نتاجا طبيعيا لارتفاع معدلات استبدال كل القيم الدينية بالقيم المادية، وتفكيك الإنسان وعلمنة القيم[15]، فتصبح كل الأمور مقدسة بصورة سائلة لا يمكن معها تحديد الثوابت الحقيقية للإنسان[10]، فحق الشذوذ مقدس، وحق الإباحية مقدس، وحق التعري مقدس، وحق أي إنسان في فعل أي شيء مقدس في ذاته حسب هذا النموذج العلماني المتخاصم مع القيمة الدينية للأفعال.

            

لكن.. هل نجحت هذه المتتالية المادية في احتواء الإنسان واستيعابه؟ هذا ما لا يراه "المسيري" من أي جانب إذ يراها قد حولته إلى أداة مجردة من كل ميزة إنسانية، فقيمة كالتضحية، مثلا، قد فقدت الكثير من معناها مع هذه الرؤية للإنسان، وهو يسوق ذلك -كمثال- على ما لحق بوظيفة الأم في هذا العصر، إذ اختفت أهمية الأم وتلاشت أمام المرأة العاملة، فأصبحت المرأة لا تعتبر عملها في التربية أو تنشئة الإنسان عملا حقيقيا ذا قيمة؛ لأنه لا يدر الربح المادي مغفلة القيمة المعنوية والتربوية للأم في صناعة الإنسان[16]، وأصبحت كذلك العلاقات البشرية محكومة بفكرة العقد أكثر منها خاضعة للتراحم، مستدلا على ذلك بأمثلة كثيرة كمثال الهدية -المذكور سلفا- في الفرق بين المجتمع الإنساني والمجتمع المادي[1].

            

وهذا النموذج العلماني ينتقده "المسيري" بشدة ويرى قصوره الشديد عن فهم الإنسان، ويرى، بدلا منه، أهمية الدفاع عن الثنائية البشرية (المادة/الروح) التي تنشأ نتيجة للإيمان بالله، فيتجاوز الإنسان عالم الطبيعة إلى عالم الروح، ويحقق التوازن بينهما عن طريق السعي في الدنيا والإيمان بالحقائق التي يشرحها الدين ويفسرها، كالحقائق الأخلاقية والتراحمية، وهي الأمور التي لا نجد لها محلا في التفسير المادي/العلماني، مما يجعل "المسيري" يصفها بفلسفة تفكيك الإنسان[3]، وهي الفلسفة التي زارت الشرق عن طريق العولمة و(الاستهلاكية) التي أضحت قيمة في ذاتها وسلطة استعمارية من نوع جديد تُخضع لها الأفراد دون سلاح[1]، واقتحمته أيضا من طريق آخر اسمه "الصهيونية".

           

الصهيونية والجماعة الوظيفية

في سبيله لتفسير العالم وظواهره، يضع "المسيري" نموذجه التحليلي الثالث في موضع النظر، ويفعّل رؤيته حول "الجماعات الوظيفية" كنموذج لتحليل الحركة الصهيونية، وارتباطها بالغرب العلماني الراغب في بسط نفوذه على الشرق، فيُعرّف هذه الجماعات على أنها "مجموعات بشرية تستجلبها مجتمعات إنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم (الأقليات)، ثم يوكل لأعضائها وظائف لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة، من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، لذا يوكل لبعض الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا - البغاء) أو المتميزة (القضاء - الترجمة - الطب) التي تتطلب الحياد والتعاقدية"[13].

            

        ثم، ولتبقى هذه الجماعات على كفاءة لتأدية دورها، فإن عددا من المعايير لا بد وأن يتوفر بها، ولها، وبتطبيق التعريف أعلاه على الحركة الصهيونية -كجماعة وظيفية لخدمة مصالح الغرب الاستعماري في الشرق- فإن أول هذه المعايير سيكون إنشاء علاقة تعاقدية، بين هذه الجماعات وبين السلطة التي تنتفع من وجودها، ينظر فيها كل طرف إلى الآخر باعتباره دورا يُلعب ووظيفة تؤدّى ومادة تافهة[9].

في حين كان المعيار الثاني هو عزل الجماعة الوظيفية عن السلطة التي تستخدمها حتى لا تتضرر بأعمالها المشينة؛ لذا فإن الجماعة المستفيدة (الغرب) ستقيم وطنا خاصا للجماعة الوظيفية (الصهيونية) في الوسط الذي تريد اختراقه (فلسطين/الأمة الإسلامية) لخلق هذه المسافة[9]، وترجع أهمية هذه المسافة لكونها تبعد عن الغرب الشبهات التي ستصنعها حولها الحركة الصهيونية في الوطن الجديد بفلسطين.

فالدولة الوظيفية "هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية ولكن على مستوى الدولة، وتتخذ الدولة الوظيفية مجموعة من الأشكال المختلفة"[13]، فتعد الدولة الاستيطانية دولة وظيفية، وهي دولة يتم نقل سكانها من موطنهم الأصلي إلى وطن جديد يقومون فيه بخدمة الدولة الاستعمارية الراعية لعملية النقل، وهي الدولة التي أسهمت بدورها في تمكين المستوطنين الجدد وقمع السكان الأصليين"[9]. وهو الأمر الذي ينطبق تماما على الكيان الصهيوني داخل إسرائيل "فاليهود مادة استيطانية نافعة تُنقَل من أوربا إلى فلسطين، أما العرب فهم مادة بشرية لا نفع لها، ولذا فهي تُطرَد من فلسطين"[17].

          

فمن الصورة المجازية والنموذج الإدراكي ينطلق "المسيري" لشرح رؤيته الفكرية للعالم، ومن الحلولية الكمونية، إلى العلمانية الشاملة، ينتهي إلى نموذج الجماعات الوظيفية في نظم منسجم لنماذجه التي طوّر من خلالها إدراكه للواقع المادي وما يكمن فيه من أفكار، وأفرد لها سلسلة من المقالات واللقاءات والكتب الموسوعية، باللغتين العربية والإنجليزية، لا تكاد أن تحصى، فضلا عن الدراسات الدائرة حول فكره، بخلاف التكريمات والتقديرات المتباينة؛ ليترك لنا كل هذا ويودع عالمنا، راحلا عنه في الثالث من يوليو/تموز عام 2008م[1]، بعد 70 عاما من الحياة التي بدأت رحلاتها الفكرية مبكرا ولم تنته حتى رمقها الأخير، وبعد عقود من البحث عن الإنسان الذي غيّبته المادة ناضل المفكر الأديب لتحريره من استعمار العلمانية وسيطرة الحلولية الكامنة.

 _____________________________________________________

       

[*]:"الحداثة مرتبطة تماما بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، وأنه لايحتاج إلا إلى عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر، مصدر المعنى والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته".

(عبد الوهاب المسيري، الحداثة ورائحة البارود)

المصدر: 
الجزيرة نت
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.