دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

بمناسبة اليوم العالمي للتوحد " 2 " نيسان

الخميس, April 1, 2021
كاتب المقالة: 

في جوف روحي انسكب..في قاعها أغوص..لأصل إلى الصمت المطبق..وأنضم إلى وحدتك..جلَسَتْ أمام المدفأة تحدِّق في شعلتها المتوهِّجة،تراقب ناراً أَلَفَتْها وهي تحرق

بانتظام تلك المساحات الخضراء في روحها برويَّة وإتقان.

خاطبت نفسها.. كيف علي أن أتخلَّص من رمادي المسحوق وهو يتكاثف ناسجاً في فضاء نفسي تلالاً من الإنحناءات في زمن رديء يحيل العزيز ذليلاً، والشريف رذيلاً؟!

يتسلَّل الفجر إلى اللحظات التي تحيط بوجودها، فيجعل اللحظة دهراً, والدقائق عمراً.. يتحوَّل وجودها إلى حياة مملَّة تجثم على صدرها لتشعر بالاختناق.

لا شيء هنا سوى صمت مشين، يجعل صوت عقارب الساعة تعبث بأذنيها متحركة كساعة قنبلة موقوتة، تكاد تتفجَّر في كيانها الملتهب .

لا شيء هنا سوى حديقة قاحلة تجري فيها أقدام الريح مهرولة مسرعة تاركة وراءها أغصاناً جافة, وأشجاراً يابسة, وأرضاً جرداء.. لا شيء هنا سوى صوت الرعد, ووميض البرق, ونقيق الألم .

لا شيء البتة يحرك في قلبها الرغبة في الحياة, تحس باللاّجدوى من كل شيء وهي ترقب زمناً سرمديَّاً يهرب من بين أصابعها.

تسرقها السنين, تلقي بها عبر آلة الزمن , تقذفها إلى الماضي السحيق, تتأمَّل ماضيها لتعود إلى الحاضر البغيض فتضيع بين الواقع والمستحيل, وتفقد قدرتها على تلمّس الحقيقة , وتتساءل بينها وبين نفسها, هل كل ما حدث معها إلى الآن هو حلم أم حقيقة , واقع أم خيال؟!

تتمنَّى أن تتكوَّر على نفسها كقنفذ برِّي , يشهر أشواك جسده في وجه كل من يقترب منه ليناله بسوء .

تتمنى أن تكون كذلك القنفذ لتدمي بأشواكها أيدي الرجال القذرة التي تنتهك جسدها بقسوة لا متناهية .. وكما يتكوَّر وحيد على نفسه في زاوية غرفته لساعات طويلة متصالحاً مع وحدته الأبديّة.

بل تتمنى أيضاً أن تتوحَّد كابنها الصغير, أن تنزوي مثله في زاوية مظلمة وتبتعد عن الناس, ولا تتفاعل مع أي منهم .

ليتها لم تسلك ذلك الطريق الوعر.. ليتها لم تستسلم لإغراء المال , ليتها لم تقبل

العمل في ذلك النادي الليلي, ولكنها قبلت بشرط أن ترقص فقط .

ظنَّت أنها ستكون قادرة على الحفاظ على نفسها , وصون شرفها وجسدها ونفسها من الانزلاق , فلا تسمح لأحد بلمسها, ولكن هيهات..

أيرضى ذلك المكان بانحدار مستواه وخبث أصحابه ,إلا أن يخرج كل من يدخل إليه ساقطاً منتهياً إلى لا شيء؟!

لا تنسى نظرات صاحب النادي وهو يبتسم لها بخبث قائلاً لها: لا تخافي , لن يقترب أحد منك ما دامت غير راضية, أتحفينا فقط بهز خصرك النحيل , وقوامك الجميل.. ما أحقره....!!

كان يعلم أن النهاية لن تكون مثل البداية, وأن المغريات المادّية سترغمها أمام ظروفها الصعبة على الرضوخ , يا لبشاعة الإنسان .

كم تكره نفسها, كم تشعر بالذل والعبودية , كم تكره تلك القوانين التي تحتّم على المرأة أن تبقى ذليلة ومهانة وخاضعة لسيطرة الرجل ,سواء كان زوجاً أو أباً أو أخاً أو رب عمل...

إذ كيف لها وهي المطلقة التي لا تملك شهادة ولا حرفة أن تنفق على طفلٍ مريض , من مبلغٍ شهريٍّ حقير لا يتعدَّى الألف والثمانمائة ليرة سورية , حكم بها القاضي الشَّرعي كنفقة لابنها المعاق ؟!!

من أين تأتي بالنقود لدفع تكاليف مدرسته الباهظة..؟! تلك المدرسة الخاصة لتأهيل الأطفال المصابين بالتوحد ؟!

كيف تغطِّي تلك النفقات الكبيرة..؟ هل سيكفي راتبها الزهيد الذي كانت تحصل عليه من عملها كموظفة بسيطة في مشغل الخياطة ؟!

كان عليها أن تترك ذلك العمل الذي سيسلبها وابنها وأمها الحياة , كان على الزمن والقدر أن يجرفاها نحو الهاوية , فتدفع لتعيش عمرها وحياتها وشرفها وأعصابها, ثمناً لهذه الحياة البائسة بكل ما تحمله من سخافة وتفاهة تجعلها أحياناً تستعظم الثمن, وتستكبر الصفقة .

أتدفع كل هذا من أجل تلك الحياة التي لا تحمل بين جنباتها بسمة أو فرح أو جمال ؟!

أمن أجل هذه الحياة الفانية تسحق روحها وتبيع جسدها وتلوّثه بالعهر؟! هي التي كانت طوال عمرها تزهو بنظافتها, وتعتز بشرفها الذي هو بالنسبة إليها أغلى ما تملك ؟! تشعر أن الدنيا ظلمتها أكثر من اللازم فتثور متأفِّفة.. أفوق الموت عصَّة قبر؟!

آه يا ولدي.. آه يا وحيد.. لو أنك لم تكن مريضاً , كنت سأستطيع تدبر أموري حتى لو أكلنا كل يوم خبزاً وزيتوناً .

كنت سأرضى بقليل القليل.. كنت سأقبل بالفتات حتى تكبر وتنضج وتصبح رجلاً أفخر به, فتكون لي عوناً ومعتمداً وسنداً في هذه الحياة.. لكن مرضك كسر ظهري , وجرح قلبي وأدماه, وتركني أهيم وأضيع وأسقط..

لن أتركك هكذا كالمجنون... سأبذل قصارى جهدي كي تتعلم وتفهم وتعتمد على نفسك , وربما تشفى, من يدري؟! أليس الله بقادر على كل شي؟؟!!...

نبَّهتها حبات المطر, فجلست تراقبها بافتتان، وهي تعانق نافذتها التي تمزَّقت ستائرها, وتجهد في التمسك بزجاج النافذة لتخسر أخيراً معركتها وتنتهي إلى الأرض..

شعرت أنها تشبه حبات المطر تلك.. فكم جاهدت وكم تعبت لتبقى في محيط الكون شاهقة كالجبال, شامخة كالسَّحاب , تقاوم تيَّارات قوية تشدها إلى الأسفل, فما لبثت إلا أن ضعفت وسقطت منهارة وذليلة...

يؤرِّقها انكسارها وتلك الرَّاية البيضاء التي رفعتها عالياً لتعلن خذلانها واستسلامها لصفعات الحياة وظروفها الصعبة...

أعادها من شرودها صوت أمها تناديها من الغرفة المجاورة.. حسناء .. أين أنت يا حسناء ..؟!

أطلقت زفرة ملل, ونهضت من كرسيها وهي تمسح دموعها التي تعاطفت مع قطرات المطر المهزومة كانهزامها.. دخلت غرفة أمها المريضة.. هل تناديني يا أماه..؟!

رفعت الأمُّ عيونها لتتفحص وجه ابنتها المكفهر,, كم تشفق عليها , لقد تقلَّب عليها الزمان وحمّلها هموماً فوق طاقتها, فنسيت شفاهها الابتسام..

تجيب الأم وهي تغلق عينيها بوهن معتدلة في جلستها: لا تنسَيْ موعد وحيد مع الطبيب .

آه.. كيف تنساه وهو سبب شقائها وسعادتها في آن , إنها تحبُّه , وتشعر أنه محور حياتها, وبأنها تدور في فلكه ملتمسةً له أسباب الحياة ..

وكيف لا وقد تخلَّى عنه أبوه وأدار له ظهره, لفظه كما يلفظ البحر موتاه, وتركها لوحدها تغرق وتغرق, دون أن يقدِّم لها ولا حتى طوق نجاة...

لم يحتمل مرضه وإعاقته ، بل إنه أصبح يخجل به أمام الناس, فتركه وتركها في قلب العاصفة المفزعة , ليخرج منها ملتفتاً إلى حياته ..

تركها كل يوم تتفرَّس في وجه ابنها المريض , لتبحث في ملامحه عن بصيص نور, عن بقايا أمل يجعلها تصدِّق أنه سوف يشفى من مرضه الفريد .

آه...هل أنت من اخترت مرضك يا وحيد, أم أنَّه الذي اختارك؟! ولماذا هذا المرض بالتَّحديد.. ؟! هل لأنك تحمل نفس صفاته وحروف اسمه ؟!!

أنت وحيد في هذا الوجود بابني , وأنا وحيدة معك, أهيم في غربتك وتوحدك,

أدفع عنك شر هذا المرض ونمطه الغريب.

أحاول إخراجك من بوتقته ومن دوَّامته التي تقذفك وتقذفني في منتصفها لتأخذنا بعيداً جداً إلى ما وراء الحياة .

أصرخ بك.. أناديك.. أُنظر إليّ يا وحيد, لا تهرب مني بعينيك التَّائهتين, ركِّزْ نظرك في نظري , تأمَّلني يا حبيبي كما أتأمَّلك, رُدّ على أمك المقهورة .. نعم.. أنا مقهورة , فمرضك ينخر عظامي ويقتلني حتى الموت, يكسرني حتى النهاية .

لماذا يا وحيد يتلبَّسك الجنون هكذا فجأة من دون سبب ومن غير مقدمات ؟! ما الذي يدفعك لضربي وشدّ شعري بهذه الوحشية ؟!

شعري الذي يكاد يخرج بين يديك وأنا أنحني عليك لأقبّلك , لماذا تضربني يا حبيبي ؟! وأنا التي أفعل المستحيل من أجلك .

ألا يكفي ضرب الزمن والمجتمع والناس ؟! لقد اكتفيتُ من الضرب يا وحيد, فالحياة لا تتوقف عن صفعي وإهانتي , وأنا التي لم أردْ منها غير بعضٍ من اسمها وصفاتها , أنحني أمام قدميها لأرجوها صاغرة أن ترحمني, وتكفّ عن تجريحي, وتتكرّم علي ببعض عطائها...

أنا فقط أردت الحياة لي ولك ,ولجدتك المريضة , فلماذا أعاقب على أمنيتي المتواضعة تلك بهذا الشكل الفظيع ؟!

لِمَ تصرُّ الحياة على التمييز بيني وبين غيري من الناس فتعطيهم الكثير, وتجردني من كل شيء ؟!

لماذا تصرخ يا وحيد وتمنعني من النوم ؟! أتركني يا بني أغمض عينيّ لأهرب من هذا العالم الموحش البغيض.. أتركني لأرتاح قليلاً, فوحده النوم يعطيني استراحة المحارب, ويمنحني موتاً أدخل في سباته العميق, فترتاح روحي من عناء الكون , في غياهبه فقط ألقَ الهدوءَ الحميم...

لا تعرف حسناء لِمَ كانت تحب أن تخاطب ابنها بصيغة السؤال, وتلقي عليه بأسئلتها تلك .. ربما كانت تريد لمشاعره أن تتحرك مع حرارة عواطفها ,أو لأذنيه أن تستجيب مع أنين روحها , عساه يصحو من غيبوبته , فتستفزَّ بصوتها إدراكه النائم وكيانه الميِّت , فيتكلَّم وينطق , ويستيقظ من نومه العميق .

هكذا كانت تناديه وتصرخ به من صميم قلبها المحترق دون أن يكترث أو يتحرَّك له جفن .

ارتدت ملابسها بسرعة, وانطلقت لتستقلَّ سيارة أجرة تذهب بها إلى مدرسة ابنها لتصطحبه إلى الطبيب...

وصلت إلى هناك, دخلت غرفة المدير, صافحها بحرارة , وأرسل أحدهم ليحضر الطفل .. هاقد أتى وحيد.. أدركت على الفور من خلاله ملامحه أنه متوتِّر , لقد زادت النوبات في اليومين الأخيرين, فحين يريد الأطفال المصابون بالتوحد أمراً ما , يدخلون في حالة هياج شديد , لأنهم لا يحسنون التعبير عما يريدون .

كم تتألَّم من أجل الصغير, فهو لمّاح وذكي , ولكن مرض التواصل الاجتماعي هذا يجعله يهوج ويموج وكأن معاركاً تحدث في داخله , فلا يستطيع سبيلاً إلى إيصال مشاعره إلى الآخرين, والتعبير عنها بالكلام...

كم تتمنَّى لو ينطق , لو يتكلم .. كم تهفو روحها لسماع صوته وهو يقول كلمة ماما... لكن وحيد لا يحسن غير الصراخ , ولا يعرف أن يطلب شيئاً ,أو يعبِّر عنه إلا بالتشنج والنحيب .

أمسَكَتْهُ من يده الصغيرة وعانقته لتهدئ من روعه , فأبعدها بقوة ونزق : لا بأس يا حبيبي , لتهدأ الآن.. قالت هذه الكلمات , وهي تحتضنه من جديد، فتملَّص من بين يديها, وصار يشدها من يدها ,لا تدري إلى أين يأخذها أو ماذا يريد , أسرعت بالخروج وهي تسحبه بقوة , متجاهلة توتره وضجيجه.

أوقفت سيارة تاكسي حملت وحيد إلى داخلها

، جلست معه في المقعد الخلفي ونظرت في ساعة يدها , ثم طلبت من السائق الإسراع , فقد تأخرت عن الموعد المحدَّد , وما أن انطلقت السيَّارة حتَّى غافلها الصبي وفتح الباب وقذف بنفسه إلى الشَّارع ..

صرخت بشدة فتوقفت السيارة.. غادرتها وعادت قليلاً إلى الوراء , لتجد طفلها جثة هامدة .

تحجَّر الدمعُ في مقلتيها , وتخشَّب جسدها, وتصلَّبت ملامحها, وحده قلبها كان يصرخ ويبكي , وهو يجلس منكسراً أمام قدميه الممدودتين والمضمَّختين بالدماء .

قلبها وحده كان يردِّد , ويلحُّ بالسؤال : لماذا.. لماذا يا وحيد..؟؟!!

المصدر: 
*من مجموعتها القصصية " رسالة اعتذار من طائر الفينيق"
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.