بائع الكتب القديمة والقــاص محمـد جـابـر غريـب

الثلاثاء, January 12, 2021

سوينكا» الحائز «نوبل» أشاد بكتابته القصصية
محمد جابر غريب، قاص مبدع، مواليد حي الحلمية وسط القاهرة عام (1945)، لم يتلق تعليماً نظامياً، لكنه أحب وعشق القراءة منذ صغره، واحترف كتابة القصة القصيرة، لفت الأنظار إليه بقوة عندما نشرت له مجلة الهلال قصة بعنوان: (سي السيد الديك)، بمقدمة للدكتور يوسف إدريس قائلاً: (برافو يا ولد).

 

وصدرت مجموعته القصصية الأولى (سي السيد الديك) عام (1991)، واشتهر بها، وتوالى صدور مجموعاته القصصية: (اغتيال أبو المحاسن 1992)، (عذابات السيدة الجميلة 1995)، و(أغنية لزفاف جديد)، الهيئة المصرية للكتاب (2002)، (إشراقات الحب والغضب)، اتحاد كتّاب مصر (2003)، وأزرار البلوزة وأشياء أخرى، الهيئة المصرية للكتاب (2010)، وله تحت الطبع رواية (أحلام تهبط من الجنة). وحول رحلته مع كتابة القصة القصيرة، حاوره مراسل مجلة (الشارقة الثقافية) على رصيف مكتبته بحي السيدة زينب وسط القاهرة، وكان هذا الحوار..

 ماذا عن النشأة في حي الحلمية وسط القاهرة ووفاة الأم مبكراً؟

- ولدت يوم (8 أبريل عام1945) في غرفة بالدور الأرضي بحي الحلمية، القريبة من حي المغربلين، المجاور لحي الحسين، وفي الأحياء الشعبية تجد البيوت فاتحة على بعضها بعضاً، وأهل الشارع كلهم عائلة واحدة، ويتميزون بالطيبة والحنان والحب والتآزر، أمي ماتت وعمري خمس سنوات، لكني وجدت أكثر من أم في الشارع، وجدت مجموعة من الأمهات والأقارب والجيران تعهدوني بالتربية الجميلة، وكانوا يحبونني حباً كبيراً؛ لذلك كبرت عاشقاً للسيدات، والجيران كانوا يحبونني كأني ابنهم، لدرجة أن صاحب عربة الفول بالشارع أجلسني داخل صندوق عربة الفول حتى لا أرى جنازة أمي، وانهار من البكاء عليها، وكنت أسمع الجارات: (خلوا بالكم من ابن عطيات)، وعطيات أمي كانت سيدة طيبة ومحبوبة وسط الجيران؛ لهذا عشت سنوات طويلة كأني ابنهم، وعمري ما شعرت باليتم وسطهم، كانت لنا جارة اسمها (أبلة نعيمة)، وجارة ثانية اسمها (أبلة عزيزة)، وجارة ثالثة اسمها (أبلة خيرية)، هؤلاء الجارات كن أمهاتي الحقيقيات، يغسلن ملابسنا ويطبخن لنا، ويعملن لنا كل حاجة، حتى تنظيف الغرفة، وكنت وأخي نأكل ونشرب مع أولادهن، ونأخذ المصروف مثل أولادهم تماماً؛ لأن والدي ظل عشرين سنة رافضاً الزواج بعد وفاة أمي، رحمها الله.

من كتبه
¯ هل لعبت الجارات الطيبات دور الأم البديلة؟

- نعم؛ لقد عوضني الله حنان أمي، بوجود هؤلاء الجارات الطيبات اللائي أغدقن عليّ وعلى أخي الأصغر محبة كبيرة، وطوال ليالي الشتاء الباردة كنا نجتمع حول الجارات الطيبات من الجيران في بيتنا، ليحكين لنا حكايات جميلة مدهشة، مثل: ست الحسن والجمال، والشاطر حسن.. وفي ليالٍ كثيرة كنت أنام عند الجارات وسط أولادهن، وأسمع الحكايات بشغف طفولي لدرجة الانبهار، وأحلق بخيالي وأطير مع أبطال الحكايات، كانت الحكايات المدهشة بداية الخيط لكتابة القصص، هذا العشق لسماع حكايات الجارات، هو الذي أطلق العنان لخيالي ككاتب فيما بعد، وجعلني أتصور أحداثها وشخوصها، بل أعيشها لحظة بلحظة على أرض الواقع؛ لأسرد أحداثها في قصص قصيرة، أشاد بها الكثير من كبار الأدباء، مثل الدكتور يوسف إدريس، الذي أدين له بالفضل في رحلتي مع الكتابة الأدبية.

 

¯ وماذا عن التعليم بكُتّاب تحفيظ القرآن الكريم ومكتبة والدك؟

- كان عمري خمس سنوات عندما ألحقني والدي بكُتّاب تحفيظ القرآن الكريم، مع أولاد وبنات الجارات الطيبات وأطفال الشارع؛ لأن والدي كان حاصلاً على الثانوية الأزهرية، وعنده حب وشغف كبيران بعلوم اللغة العربية والفقه والشريعة الإسلامية، وتمنى أن ألتحق بالتعليم الأزهري بعد حفظ القرآن الكريم، وحدثني والدي كثيراً عن أستاذه بالمرحلة الثانوية الأزهرية الشيخ محمد الفحام الذي تولى مشيخة الأزهر الشريف فيما بعد.

من كتبه
نعم، لم ألتحق بأية مدرسة، لكني تخرجت في جامعة الحياة حافظاً للقرآن الكريم والحكايات، بدأت قراءة الكتب في مكتبة والدي التي تحتوي مئات الكتب في شتى أنواع المعرفة، مثل كتب: التفسير، والفقه، والنحو، والتاريخ الإسلامي، والأدب.. قرأت بحب وشغف حتى أنهيت قراءة كل كتب المكتبة، نعم لم أدخل جامعة مثل بيرم التونسي ومكسيم جوركي وسعاد حسني، الذين لم يلتحقوا بالجامعة، ولا كان لنا حظ بالتعليم الثانوي؛ لكنني قرأت آلاف الكتب، وتعلمت دروس الموسيقا على يد عازف الكمنجة عزت مصطفى الذي كان يسكن بالبيت المجاور لبيتنا، وكان يعزف الموسيقا حتى منتصف الليل.

 

¯ متى بدأت علاقتك ببيع الكتب القديمة؟

- كان الشيخ علي خربوش، صديقاً لوالدي، صاحب مكتبة لبيع الكتب القديمة في (درب الجماميز) بمنطقة الجمالية التي ولد وعاش فيها نجيب محفوظ سنوات طويلة، بدأت أتردد عليه في المكتبة، وتكلمت معه كلاماً كثيراً، وعندما تأكد من حبي للكتب، فقد كان يتركني بعض الوقت ويذهب للصلاة في الجامع، أو يذهب لتجهيز بعض الطعام لنأكله، وعندما يرجع يراني أتعامل مع الزبائن بلطف وأعاملهم معاملة جيدة، وأظل أقلب معهم الكتب وأقنعهم بشراء بعضها، فأعجب بطريقتي في البيع، وعرض العمل معه بائعاً للكتب، وعلمني مهنة بيع الكتب القديمة، وجعلني أحب مهنة بيع الكتب كرسالة ثقافية، ثم فتحت مكتبتي الخاصة، في أول شارع بورسعيد وسط ميدان السيدة زينب، لكن صدر قرار محافظ القاهرة بنقل مكتبات السيدة زينب، إلى مكتبات جاهزة تحت كوبري
أبو الريش، وعندما تسلمت مكتبتي من رئيس حي السيدة زينب، كتبت عليها اسم (مكتبة قنديل أم هاشم)، محبة في الكاتب يحيى حقي ابن السيدة زينب وروايته الخالدة.

من كتبه¯ كيف تعرفت إلى الدكتور يوسف إدريس؟

- بدأت التردد على مجلة الهلال بشارع المبتديان بالسيدة زينب، وكان الكاتب مصطفى نبيل، رئيس تحريرها، وقد أنشأ باباً جديداً بالمجلة بعنوان: ورشة يوسف إدريس، وكان يوسف إدريس، يسكن شارع خيرت بالسيدة زينب، والقصص ترسل على عنوانه، فيقرأ ويختار الجيد منها، ويقدمها بكلمة نقدية قصيرة للقراء، وذات صباح كنت أتصفح مجلة الهلال فوجدت قصتي (سي السيد الديك)، التي كنت أرسلتها للنشر بالمجلة منشورة وقدمها دكتور يوسف إدريس قائلاً: (هذه القصة قد استوت ونضجت في عقل كاتبها الواعي والباطن معاً، حتى جاءت تحفة بكل المقاييس)، ثم ختم إدريس تعليقه على القصة قائلاً: (برافو يا ولد).

كانت مفاجأة جميلة جداً وسارة، بل فرحة كبيرة أن يكتب كاتب في قيمة وقامة دكتور يوسف إدريس عن قصتي بهذا الشكل الطيب الحميم. وكانت بداية انطلاقتي الحقيقية نحو الكتابة، وزادت سعادتي أكثر وأكثر عندما كتب الناقد الدكتور سيد حامد النساج عن إحدى قصصي قائلاً: (هذه القصة تلخص كل الملامح الفنية القصصية لدى الكاتب محمد جابر غريب، فهي قصة بديعة رفيعة المستوى).

هذه باختصار بداية مجموعتي القصصية الأولى، التي نشرت بعنوان: (سي السيد الديك)، وأصبحت معروفاً ومشهوراً بها؛ لأنها طبعت ثلاث طبعات، آخرها بسلسلة مكتبة الأسرة، التي تصدرها الهيئة المصرية للكتاب، ثم تحولت إلى سهرة تلفزيونية لقناة النيل للدراما، بطولة: سلوى محمد على، وفتحي عبدالوهاب، وإخراج السيد إبراهيم عيسوي.

 

من كتبه¯ ما أثر الندوات الأدبية في رحلتك مع الكتابة؟

- بداية رحلتي مع الكتابة، تعرفت إلى مجموعة من الأصدقاء من السيدة زينب، جمعنا حب القراءة والكتابة، مثل: الكاتب مصطفى عبدالوهاب رحمه الله، وشقيقه الناقد محمود عبدالوهاب، كنا نتبادل قراءة الكتب، ونتردد معاً على معظم الندوات الأدبية، مثل: حسين القباني، وصبحي الجيار، ونادي القصة، ودار الأدباء. ونشر عبدالفتاح الجمل قصصي بجريدة المساء، وشاركت بتأسيس ندوة جماعة الفجر الأدبية مع الشاعر الدكتور يسري العزب، وكانت المحطة الأخيرة تأسيس ندوة خاصة بي تعقد عصر الأحد من كل أسبوع هنا أمام هذه المكتبة عام (2004)، وكان من أحلامنا إصدار مجلة غير دورية تحمل اسم (إصدارات ندوة قنديل أم هاشم)، وكان الهدف من إقامة الندوة والمجلة تقديم جيل جديد من كُتّاب القصة والرواية، بعد اختفاء ندوة نجيب محفوظ، وغياب الدور الحقيقي الذي قام به الكاتبان يحيى حقي وعبدالفتاح الجمل، في تقديم الأجيال الجديدة بعد وفاتهما.

 

¯ أخيراً.. هل أنصفتك الحركة النقدية؟

- كتب عن قصصي كبار الأدباء والنقاد مقالات ودراسات نقدية كتابة أعتز بها طوال حياتي، في مقدمتهم د.يوسف إدريس، ورجاء النقاش، ود.سيد حامد النساج، والروائي الشاعر النيجيري (سوينكا) الحائز جائزة نوبل للآداب في عام (1986)، ود.سامية حبيب، ود.رمضان بسطاويسي، وغيرهم الكثير.. وتم إعداد ثلاثة أفلام تسجيلية للتلفزيون المصري عن رحلتي مع الكتابة، الأول: على رصيف أم هاشم، سيناريو وحوار محمد مسعد، وإخراج عزالدين سعيد، وإنتاج قناة النيل الثقافية. والثاني: بلاتوه الشارع المصري، سيناريو وحوار وإخراج محمود عبدالسلام، وإنتاج الفضائية المصرية الثانية. والثالث: عاشق السيدة زينب، سيناريو وحوار عابد عبدالعزيز، وإخراج حسن الشنتوري، وإنتاج الفضائية المصرية الثانية.

المصدر: 
مجلة الشارقة الثقافية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.