اليوم العالمي للقصة القصيرة

السبت, February 17, 2018
كاتب المقالة: 

احتفى السرديون في العالم باليوم العالمي للقصة القصيرة، في 14 فبراير في الوقت الذي انصرف فيه النقاد إلى الرواية باعتبارها كما قال أحدهم "ديوان العرب" بعد أن احتكر الشعر هذه التسمية ولقرون عديدة ونحن نردد دومًا قول ابن عباس: (الشعر ديوان العرب) وقد استعار هذا المعنى أبو فراس الحمداني عندما قال:

الشعر ديوان العرب أبدا وعنوان الأدب

ومع تعدد الأقوال حول ديوان العرب، هل هو الشعر قديمًا أم الرواية حديثًا، فإني على يقين تام أن القصة القصيرة هي ديوان العرب قديمًا وحديثًا، لاعتمادها على القص المتناسب مع الوقت الذي يستغرقه وقت القصة عندما تحكى على ألسنة الجدات في المنازل أو على ألسنة الحكواتية في المقاهي والأماكن العامة، فالحكايات فن قديم في كل الأمم، ومنها الأمة العربية التي حفلت آدابها بالعديد من القصص القصيرة المتأثرة بالبيئة المحيطة، وهذه القصص تتشابه في المجتمعات العربية وإن اختلفت في بعض تفاصيلها، بل إن هذا التشابه ملحوظ بين بعض الأمم، وكل أمة تضفي عليها ما يناسب بيئتها الثقافية، وحياتها الاجتماعية لتبدو وكأنها نابعة من المجتمع ذاته، ودون غيره من المجتمعات، لكن يبدو أن المجتمعات العربية أكثر من غيرها في ترديد الحكايات وتناقلها والاحتفاء بها.

ومهما كان الحال في الرواية حديثًا والشعر قديمًا، فإن القصة القصيرة كما قلت هي التي كانت ولاتزال (ديوان العرب) وفيها مخزون تاريخهم، وملامح حياتهم، وتفاصيل أحداثهم، ولأن الرواية فن حديث، فإن ما ينازع الشعر على أقدميته هو القصة القصيرة، والتي هي امتداد للقصص الشعبية التي تربت عليها الذائقة الفنية العربية كما تربت على الشعر، لذلك اعتمدت القصة القصيرة في حالات كثيرة على استلهام التراث والاستفادة منه، باعتباره أحد منابعها الأساسية، واحد روافدها الكثيرة التي لاتزال تستقي منها عوامل نجاحها عندما تتوفر لها أدوات النجاح الفنية الأخرى.

والقول إن القصة القصيرة بدأت تتراجع عن احتلال مركز الصدارة بعد انتشار الرواية والقصة القصيرة جدًا، هو قول غير دقيق في مجمله، صحيح أن الرواية تشهد طفرة، ولكنها طفرة مؤقتة، وكذلك هو الحال بالنسبة للقصة القصيرة جدًا، لا تزال تجاربها أضعف من أن تصمد طويلاً أمام النقد، بعد أن أصبحت محل انتقاد الكثيرين، وقد تحولت إلى مجرد خواطر هي أشبه بالتغريدات التي نقرأها في (التويتر) والتي تحمل أفكارًا دون أن تحمل أحداثًا أو شخصيات أو غيرها من شروط وعناصر القصة القصيرة، حتى أصبحت القصة القصيرة جدًا أقرب إلى الخاطرة المختزلة أو الرأي المختصر.

الشيء الذي لا يغيب عن البال هي أن معظم الفنون ومنها الفنون الأدبية، لا يمكن لها إلا أن تتطور، حتى لا توصف بالجمود أو التأخر عن مواكبة التجديد، لكن هذا التطور لا بد أن يحافظ على الملامح الرئيسية للعمل الفني، وإلا تحول إلى لون هجين لا ينتمي لأي فن، وهو كالغراب الذي أراد تقليد مشية الطاووس، ففقد مشيته ولم يتقن مشية الطاووس.

وسواء الشعر أم القصة القصيرة أو الرواية، فإن أحدها ينتعش في أزمنة ويتراجع في أزمنة أخرى، لأن دوام الحال من المحال كما يقال، لكن هذه الفنون الأدبية تظل في ضمير القارئ حياة لا مفر منها، وهواية لا بد منها، ما يعني أن القصة القصيرة تنتعش وتتراجع حسب الظروف، ومع ذلك ستظل - من وجهة نظري - هي (ديوان العرب) في الحاضر كما كانت في الماضي، وكما ستكون في المستقبل.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.