اليوم العالمي للغة العربية.. لنشعل شمعة في عتمة هذا الليل الطويل

الاثنين, December 22, 2014
كاتب المقالة: 

يقول المثل الشعبي:«رغب الغراب في أن يقلّد الحجل في مشيته، ففشل، وعندما أراد العودة إلى مشيته، كان قد نسيها!».
ونحن بقينا نطلب لغة الحجل، في اكتساب اللغات الأجنبية، حتى نسينا لغتنا الأم، اللغة العربية الصحيحة، دون أن يتمكن معظمنا من إتقان اللغات الأجنبية. نحن المتكلمين بالعربية لسنا غرباناً طبعاً، فاللغة العربية لغة بلابل؛ وهي لغة جميلة، جميلة بطراوتها، وسلاستها، واشتقاقاتها، وسهولة تكيّفها مع مقتضى الحال. وسنرتكب جناية بحقها، وبحق تلاميذنا ومستقبل أجيالنا.
هذه اللغة التي ينطق بها أكثر من نصف مليار إنسان، تستحق أن يقام لها أكثر من يوم عالمي، إذ ما الذي يمكن أن يقدمه يوم واحد، للغة ذات ثقافة تتجاوز اللسان، لتستقر في القلب، وتختلط بالدم، وتشارك في رسم المعالم الإنسانية بوجوهها المتعددة؟
فاللغة العربية، لسرعة نموّها وانتشارها، في جميع أوجه التواصل الاجتماعي، لا سيما الالكتروني منها، جعلت البعض يتوقّع لها أن تكون لغة العالم الأولى في المستقبل القريب.
لكن الحرب التي تُشنّ على هذه اللغة، لإنزالها عن عرشها الثقافي، لا تنفصل عن الحرب التي يشنّها الاستعمار الجديد، بوجوهه وأشكاله الجديدة البشعة، على أهل هذه اللغة، على عالمنا العربي، المنهوبة ثرواته، والمهدورة دماء شعوبه، والممنوع عليه التقدم العلمي والازدهار الحضاري.
ولأن مشكلتنا في الوجود هي مشكلة الأقوى، فإن الأقوى يفرض على الأضعف كل شيء. يفرض عليه لغته، وأساليب حياته، ومنتجاته لها، لا سيما المنتجات الحربية. وقد ابتدعوا لنا ما سمّي بالربيع العربي، فهدروا به دماءنا، وأمعنوا في تشريدنا، ودمّروا اقتصادنا، وضربوا حضارتنا، ويعملون للقضاء على ثقافتنا وإعادتنا إلى عصور الانحطاط.
إن أخبار إحراق المكتبات العربية، وتدمير المتاحف، وسرقة الآثار، وتبديد التراث، على يد الإرهاب الممسوك عالمياً، والمستوعب جيداً من قبل الأقوياء في العالم، والتابعين لهم، كل ذلك يُشكل رزمة المسامير التي تُدق في نعش لغتنا الحيّة، لغة القرآن الكريم، التي يدمّرها اليوم المتذرّعون بالقرآن نفسه.
فهل أصبحت حروف العربية اليوم تضيق بلغتها، لتُستبدل بالحروف اللاتينية في لغة التواصل الالكتروني؟ بعدما كانت تلك الحروف تتسع في القرن الوسطى للغات الأرض كلها، فاستوعبت الفكر اليوناني، وطُبعت الفارسية بحروفها، كذلك الباكستانية والكردية والعثمانية وغيرها!
الخلاصة أن اللغة العربية الفصحى ليست اليوم بخير. ليس في لبنان وحده، إنما في كل أنحاء العالم العربي. ولبنان الذي كان رائداً في النهضة العربية، بصحفه ومجلاته، وأدبائه وشعرائه، وكنائسه قبل جوامعه، يعاني اليوم من هذا التقهقر.
فعلى الرغم من المجهود الذي قام به المركز التربوي للبحوث والإنماء، عندما وضع خطة للنهوض التربوي عام 1995، كما وضع المناهج الجديدة ولا يزال يتابع العمل على تطويرها، لم نستطع أن نتجنّب خيبة الأمل التي أظهرتها نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة الرسمية للعام 2013، عندما زادت نسبة الرسوب في اللغة العربية على السبعين بالمئة.
فما هو الحلّ؟
في الماضي، كان العرب يرسلون أبناءهم إلى البادية، حيث اللسان العربي الفصيح، واللغة النقيّة، ليتعلّموا الفصاحة والبلاغة ومتانة اللغة والأدب، معتمدين على المشافهة والإصغاء قبل الكتابة؛ فكم من الوقت يصغي أولادنا اليوم للغة الأم، اللغة العربية الفصحى؟
فأمام الحملات المشبوهة لاستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني في التواصل الالكتروني، واستبدال المفردات العربية بمفردات أجنبية؛
وأمام اعتقاد بعض معلمي اللغة العربية أن تعلّمها يكون بتعلّم قواعدها قبل إتقانها شفاهة؛
وأمام افتقار المناهج التعليمية للأساليب والأنشطة الحديثة، الجاذبة والمشوّقة للمتعلّم؛
وأمام اعتماد معلمي المواد، التي تدرّس بالعربية، كالاجتماعيات والتربية وغيرها، اللغة العاميّة بدل الفصحى الصحيحة، التي اقتصرت على تعليم العربية نفسها؛
أمام هذه العوامل مجتمعة، ندرك خطورة الأزمة؛ ما يوجب الشروع في اعتماد منهج مميّز للغة العربية، وفي تأليف كتب تتوافر فيها عوامل الجذب والتشويق. وأن تكون لغة التخاطب والحوار، في حصص اللغة العربية والمواد التي تدرّس بها، اللغة العربية الفصحى. ساعين بذلك إلى إشعال شمعة في عتمة هذا الليل الطويل.

المصدر: 
السفير
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.