دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

الواجبات العظيمة للفلسفة

الثلاثاء, August 22, 2017
كاتب المقالة: 

مذ كانت الفلسفة، كانت مشكلة تعريفها وفكفكة مفاهيمها، حتّى وإن لم تجد الأطراف المتفلسفة غضاضة في طرح مفاهيمها وتعقّد هذه المفاهيم؛ إذ إنّ مفهوم، أو مفاهيم الفلسفة، تتغيّر بحسب تطوّرات التفكّر الفلسفي عينه وتفاعلاته مع فضاءات التفكير الأخرى المختلفة، "الثابتة" منها والمتحوّلة، وخصوصاً على مستوى الفكر الديني والعِلم والعقائد أو الإيديولوجيّات التي تُناقض بعضها بعضاً.

 

على أنّ الفلسفة في نطقها ومنطلقها، لا تستطيع أن تكون إلّا إنسانية الطابع، تُعنى بالبشرية ككلّ، وليس بجماعة بعينها، حتّى وإن توجَّهت إلى هذه الجماعة بعينها.

وسط هذا، ثمّة تعريفات شتّى قرأناها ونقرأها للفلسفة، ولاسيّما في الغرب، ومنها تعريف الفيلسوف ميشال فوكو، والذي يورده في سياق حوار أجراه معه الفيلسوف آلان باديو "الفلسفة هي أن تعرف كلّ شيء ولا تعرف شيئاً"؛ علماً أنّ فوكو اعتُبر واحداً من أهمّ الأعمدة الفلسفية الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين.

كما أنّ د. ناصيف نصّار، وهو أحد المشتغلين العرب الكبار بالفلسفة الحديثة، عرّف الفلسفة بإيجاز شديد وذلك في حوار صحافي أجري معه: "الفلسفة هي تفكير عقلي نظامي في مبادئ المعرفة والوجود والعمل"؛ وهو تعريف عامّ يستهدف، كما يقول صاحبه "التميّز عن التفكّر الديني أو العلمي أو الإيديولوجي"، وخصوصاً في عصرنا الراهن، والذي تشوبه شوائب شتّى، إن بالنسبة إلى الفلسفة، أو إلى الدّين نفسه (راجع جريدة الأخبار اللّبنانية – عدد 27 تشرين الأوّل 2011).

في مقابل الفلسفة، ثمّة تعريفات عدّة للإيديولوجيا، وإن كانت جميعها (على عكس الفلسفة) متقاربة ويظلّلها سقف مفاهيمي متجانس الأهداف والدلالات. ولعلّ من التعريفات الأنضج للإيديولوجيا، هو ما يقدّمه أيضاً د. ناصيف نصار إذ يقول: "هي منظومة أفكار اجتماعية مرتبطة أصلاً بوجود جماعة تاريخية معيّنة، موضوعة للدفاع عن هويّة تلك الجماعة ومصالحها؛ ومن أجل تحديد فاعليّتها في مرحلة تاريخية معيّنة". ويردف "الإيديولوجيا هي فكر جماعة ينبثق من جماعة معيّنة من أجل وجود تلك الجماعة ومصلحتها. أستعمل أنا كلمة جماعة بمعناها الواسع جدّاً، فيمكن أن تكون طبقة اجتماعية أو أمّة أو طائفة دينية أو شريحة إثنية" (المرجع نفسه).

لكن، أليس هناك من تقاطع قويّ بين الفلسفة والإيديولوجيا؟

عن هذا السؤال يجيب د. نصّار نفسه بالموافقة، ويرى أنّ ذلك "ليس مصدر إرباك، بل هو وجه من وجوه التنوّع والتداخل في نشاط الفكر الإنساني". وهما يتلاقيان في رأيه في مسألة النَّظر إلى السياسة أو الإنسان أو القيَم، ولكنّهما لا يتطابقان؛ مردفاً: "كلّ إيديولوجيا تتضمّن بطريقة أو أخرى، في تصوّرها للجماعة التي تدافع عنها مفهوماً معيّناً للإنسان، لأنّ تلك الجماعة وجه من وجوه الوجود الإنساني. لكنّ ذلك الموضوع (الإنسان) لا يكون في الإيديولوجيا موضوع النَّظر الأساس، إنّما يكون موضوع نظر ثانوي أو ضمنيّ يُبنى عليه، لأنّ المقصد الرئيس في التفكير الإيديولوجي، هو وجود الجماعة التي يجري الدفاع عنها؛ ذلك هو الفرق الكبير الأوّل، لأنّ الفكر الفلسفي يُعنى بالإنسان كإنسان، أيّاً كان اللّون والعرق والزمان والانتماء الاجتماعي" (المرجع نفسه).

باديو والفكرة الزائفة عن الفيلسوف

وبخصوص التداخل بين الفلسفيّ والإيديولوجيّ، يقدِّم الفيلسوف الفرنسي آلان باديو (مواليد العام 1937) في كتابه المُشترَك مع سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني المرموق (مواليد العام 1949) بعنوان: "الفلسفة في الحاضر" مطارحةً مخالفةً للسائد، الذي يقول إنّه بمقدرة الفيلسوف التحدّث في كلّ شيء. ولكن هذه المرّة تتمثل الفكرة أكثر ما تتمثّل بـ"فيلسوف التلفزيون الثرثار"، الذي يتحدّث بسيولة مائعة عن مشكلات المجتمع ومشكلات الحاضر والمستقبل وما إلى ذلك. لِمَ هذه الفكرة زائفة؟ لأنّ الفيلسوف الحقيقي – برأيه – هو الذي يُنشىء مشكلاته، هو مُبتكِر مشكلات؛ ولذلك، فإنّه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلة إثر ليلة عن رأيه بكلّ ما يجري.

والفيلسوف الحقيقي في نظر آلان باديو، هو مَن يُحدِّد أيضاَ المشكلات المهمّة؛ ومنها مثالاً لا حصراً، التماهي مع الإيديولوجيا أو رفضها، أو قبول بعض أنساقها ورفض البعض الآخر منها. ليس من عقبة أمام الفيلسوف إذاً، ذلك أنّه يظلّ يبتكر المعنى الفلسفي على طريقته كفيلسوف، ويوزّعه بأشكال مختلفة كفيلسوف أيضاً، حتّى أنّ باديو نفسه أسّس حزباً ثوريّاً بعد ثورة الطَّلبة في فرنسا في العام 1968، وهو عامٌ مُفارِق سياسيّاً وثقافيّاً وفلسفيّاً في فرنسا.

كما كان باديو قد أصدر قبل سنوات كِتاباً سياسياً نقدياً ضدّ رئيس فرنسا السابق نيكولا ساركوزي، أحدث زلزلة كبرى في فرنسا، وجعل الرئيس "يُعيد حساباته في سياسته المُقبلة". وانتقد باديو في الكِتاب أيضاً جماعة اللّيبرالية الجديدة، ومنطقهم الذي لا يؤدّي إلى شيء. وهو يَعتبِر "اللّيبرالية نسخة أخرى رديئة عن الديكتاتورية، وإن جاءت بقالبٍ ناعم ومنمّق بأنساقه النظرية".

كما دعا آلان باديو، وهو الفيلسوف الأكثر رواجاً في فرنسا وأوروبا، وحتّى في الولايات المتّحدة اليوم، إلى توحيد الشعر والفلسفة. وكَتب كفيلسوف المسرحية والرواية والأوبرا، وكان، وهو المُبحِر في الحداثة، وما بعد الحداثة، دائم العودة إلى أفلاطون، مُستلهماً أطروحاته التي تظلّ منجماً للتحليل والتأويل.

وفي ما يخصّ الفلسفة والأوضاع السياسية وغير السياسية، دوَّن باديو في كتابه المُشترَك مع سلافوي جيجك ما يلي:

أولّاً، أن تلقي ضوءاً على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دوماً بين ما هو متأثّر، وما هو غير متأثّر.

ثانياً، أن تلقي ضوءاً على المسافة بين التفكير والسلطة، بين حقائق الفكر والدّولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثاً، أن تلقي ضوءاً على قيمة الاستثناء.. قيمة الحدث.. قيمة الانقطاع؛ وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفّظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة: التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء، على الأقلّ إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، فيجب أن تكون أكثر من مجرّد فرع معرفي أكاديمي.

أمّا الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، وهو الذي قدّم إسهامات متقدّمة في مجال النظرية السياسية ونظرية التحليل النفسي، فيرى أنّ الفلسفة في أصول نشأتها، هي سياسة في المقام الأوّل. ومهما حاول الفلاسفة في أيامنا هذه تحرير الفلسفة من الإيديولوجيا، فإنّهم لا يستطيعون فعل شيء يذكر في هذا المضمار، حتّى ولو نجحوا فيه؛ فالفلسفة تظلّ هي الفعل المنظّم لجميع التجارب العملية والنظرية التي يجترحها الإنسان صاحب الأسئلة الكبرى بعقله وامتدادات هذا العقل على المجهول المفتوح والضرب فيه.

وإذا كان التشتّت الذي أصاب ماهيّة الإنسان ومعناه وجدواه، بخاصّة في زمن العَولمة القاتلة للثقافات والأفكار والأسئلة الفلسفية الحرّة والمتجاوزة، والذي أدّى ويؤدّي إلى أطروحة موت الإنسان، فإنّ ذلك التشتّت لا يمكن الخروج منه، إلّا بإعادة "الوحدة" التفاعليّة الحقيقية إلى العنصر الإنساني، وجعله يحرث بنفسه فضاءه المطلوب حرثه في استمرار؛ ووحدها الفلسفة هنا، مَن يؤهّله لهذا الحرث المُجدي، كما تؤهّله كذلك لضرب كلّ الغشاوات التي فرضتها وتفرضها العَولمة (إن بشكل مباشر أو غير مباشر) على العقول والتصوّرات، وتقديم نفسها في صيغة أسئلة نقدية قوية، تكون نتائج الحلول المقترحة جرّاءها، بالضرورة مُواجِهة لكلّ ما يعيق بلورة الكوننة الجديدة، والتي منطلقها، هو دوماً التعدّدية البشرية الخلاّقة بنتائجها السوبر – خلّاقة أيضاً.

هكذا، فإنّ ثراء النَّوع الإنساني ككلّ، هو الذي أوجد في السابق، وسيُوجِد اليوم، وغداً، حضارة عالمية واحدة، عمادها رزمة الثقافات المتنوّعة. والبشرية لا تستطيع في كلّ مرحلة من مراحلها، إلّا أن تُعبِّر عن جزء يسير من جملة ما يمكن أن تفكّر فيه، ودائماً بواسطة رافعة الفلسفة لا الإيديولوجيا.

مَن هو الإنسان الكوني، الذي تظلّ تنشده الفلسفة، ولا ينتمي إلّا إلى البشرية جمعاء؟ يجيب عن هذا السؤال مارتن هايدغر، عميد فلاسفة العالَم الحديث بالقول: "هو أنا وأنت وهو.. هو نحن جميعاً في كلّ مرّة، وفي كلّ حقبة".

المصدر: 
مجلة أفق
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.