الهوية والحركية الإسلامية في فكر المسيري

الأحد, July 30, 2017
كاتب المقالة: 

يقدم المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري في كتابه “الهوية والحركية الإسلامية” أفكار ويطرح نظريات جديرة بالتأمل وإعادة القراءة ووضعها لبنات قوية في سبيل بناء الصرح المعماري للإسلام الحضاري المعاصر، ويناقش الرجل قضايا فكرية وثقافية عميقة عبر أجوبته على أسئلة الباحثة سوزان حرفي التي استطاعت عبر حوارات مباشرة مع المسيري وحوارات منشورة له أعادت تحريرها وتعميقها وعرضها عليه.

يبدأ المسيري حديثه عن الحركات الإسلامية بتحليل الجذور التي أدت إلى هذه الظاهرة وهي أسئلة النهضة، وكعادته في التدقيق داخل القضايا المركزية فإنه يرى أن سؤال النهضة الذي طرحه شكيب أرسلان كان سؤالا خاطئا لأن المطلوب هو أن يعرف التقدم أولا قبل أن نقول لماذا يتقدم الآخرون، قسمت النهضة الفضاء الثقافي والفكري العربي إلى ثلاث تيارات رئيسة حسب المألوف المتداول، لكن المسيري لا يرى فرقا بين كل تلك التيارات في موقفها من الغرب الذي أثار حضوره في ديار الإسلام وسعيه للهيمنة تلك الأسئلة بل يرى أن “كل الخطابات التي تقف موقفا حديا هي واقعة في إشكالية النظر للغرب على أنه نقطة صامتة”. فالتيار المحافظ كان “يتوهم أن الماضي يتضمن الحاضر والمستقبل”، بين يرى التيار المقابل أن الماضي عائق عن الحاضر وعن المستقبل.

ويؤكد المسيري على أن  “الخطاب الماركسي والليبرالي كانا ذيليين في علاقتهما بالغرب، بينما كان الخطاب الإسلامي ذيليا في علاقته بالتراث، أما الخطاب القومي فيستبعده المسيري دائما من اعتباره خطابا مستقلا إذ أنه “مستوعب في الخطاب الليبرالي والخطاب الماركسي”.

وعن مصطلح “البديل” يرى المسيري أن هذه الكلمة ليست دقيقة لأن الإسلام جزء أساسي من مكونات الشخصية العربية وتاريخها، وقد استوعب الخطاب الإسلامي كثيرا من مقولات الخطاب القومي العلماني والخطاب الماركسي.

وفي إجابته على سؤال عن أسباب عجز الخطاب العربي الإسلامي عن توجيه بوصلة العالم المعاصر نحو استعادة كرامة الإنسانية، يرى المسيري أن أحد الأسباب الجوهرية هو انغماس الخطاب الإسلامي في السياسي أكثر من اللازم، في حين لم يقدم رؤية معرفية شاملة، مع أن الإسلام بمقدوره أن أن يسهم في تقديم الحداثة الإنسانية على أنها بديل للحداثة المنفصلة عن القيمة التي تؤدي إلى النسبية والداروينية –حسب المسيري-، وإذا نجح في هذه المهمة فإنه سيجند كثير من المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي سئمت الحياة النمطية في الغرب.

ويذهب المسيري أبعد من ذلك حيث يهيب بالمفكرين الإسلاميين أن ينتهزوا الفرصة من أجل تقديم رؤيتهم المتميزة للكون والإنسان والحياة أي مشروعهم الحداثي المتكامل الشامل، من خلال التوليد والإبداع بدلا من التلقي والتقليد والإضافة، في ظل فقدان الحضارة الغربية ثقتها الذاتية وانغماسها في الاستهلاكية، حيث لم يعد لها –حسب المسيري- مركز (Logo-centric)

ويفرق المسيري بين التوحيد والواحدية عند حديثه عن تعدد الخطاب الإسلامي الذي يرى أن تعدده ظاهرة طبيعية وإيجابية، لأن الخطاب الإسلامي ليس كلام الله وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان، ومن ثم فهو متعدد وكثير. مؤكدا أن هناك عدة مستويات في الخطاب الإسلامي هي:

1 ـ الإسلام الاستغاثي الجماهيري: وه إسلام الجماهير التي تجد نفسها في المجتمع الحديث أمام خطر تحطم ثقافتها وأسلوب حياتها عن طريق الثقافة الاستهلاكية القاتلة والإعلانات التجارية والأحلام المستحيلة فعادت إلى الشيء الوحيد الذي تعرفه وهو الإسلام، وهذا الإسلام ينطلق من فطرة سليمة ويقف في وجه تفكيكية الحداثة، وإن كان لا يستند إلى تحليل عميق لظاهرة الحداثة أو إدراك لأبعادها الإيجابية والسلبية، ويعبر هذا النمط من الإسلام عن نفسه في شكلين –حسب المسيري-: الأعمال الخيرية التي تعبر عن طيبوبة وحب للخير ظاهر، والأعمال الإرهابية التي تعبر عن غضب لا يعرف أهله كيف يصرفونه في ظل جهل بالواقع وأبعاده.

2 ـ الإسلام السياسي: ويتمثل في القوى والحركات الإسلامية التي تسعى لتطبيق برنامجها ذي المرجعية الإسلامية من خلال القنوات الشرعية، ومن أهمها بطيعة الحال –حسب المسيري- الإخوان المسلمون، ويرى أن إتاحة الفرصة أمام هذه الحركات هو السبيل لوقف الإرهاب لأنه يتم بذلك استيعابها داخل المنظومة السياسية القائمة.

3 ـ الإسلام الثقافي أو الحضاري: وهو محاولات المفكرين لتطوير رؤية إسلامية تتعامل مع العصر الحديث، ويتسم هذا الخطبا بأن حملته يدون في الإطار الإسلامي، ولكنهم في نفس الوقت مدركون لأهمية البعد الثقافي، وكما قال أحد المفكرين: “الثقافة من دون دين تتسم بالسطحية وعدم العمق لأنها تتحاشى الأسئلة الكبرى” والدين من دون ثقافة من الممكن أن يسقط في التفسيرات الحرفية والتعصب.”

ويؤكد المسيري في هذا السبيل على أنه يلزم في إطار توليد الرؤية الإسلامية الحديثة أن تنطلق تلك المحاولات من المنظومة الفقهية، ولكنه يؤكد أيضا أن تلزم ترجمة المصطلحات والمفاهيم الفقهية إلى مصطلحات ومفاهيم حديثة كي يتمكن الخطاب الإسلامي الجديد من الاستفادة من التراث الفقهي.

وحول قضية المرأة يرى المسيري أن ما يسميه حركات “التمركز حول الأنثى” مخطئة في منطلقاتها ومساراتها وخطر على المجتمع في مآلات دورها الذي تلعب، حيث تنطلق من إغفال دور المرأة في بناء الأسرة بل من السعي لتفكيك الأسرة، حيث تنظر إلى المرأة كفرد لا علاقة له بالمجتمع، ويرى أنه يجب البدء في حل قضية المرأة بطريقة تناسب حضارتنا ومجتمعنا بإعادة تعريف العمل، واعتبار بناء الأسرة ورعايتها عملا، ذلك بأن تعريف الغرب للعمل بأنه “ما يتم في الحياة العامة ويتقاضى عنه الإنسان أجرا” هو تعريف الهدف منه إقصاء المرأة عن الأمومة وبناء الأسرة.

وفي نقد طريف لحراك حقوق المرأة يرى المسيري أنه يجب تقييد حرية الرجل بدلا من زيادة تحرير المرأة.

المصدر: 
" إسلام أون لاين"
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.