الهجرة ...حدث غير مجرى التاريخ

الأربعاء, September 20, 2017
كاتب المقالة: 

تنبَّهت قريش لخطورة الموقف، لقد تجمَّع المسلمون بغير بلد قريش، وأصابوا منعة بالأنصار، فانتقلت في اجتماعها في دار النَّدوة من الإيذاء إلى الإفناء، فدبَّرت قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فكانت الهجرة.

وفي الهجرة دروس في الكتمان:

-غار ثور على طريق اليمن جنوباً.

-طريق غير الطَّريق المطروق.

وفي أوَّل خطبة للنبي  في المدينة المنوَّرة لم يأتِ على ذكر قريش مطلقاً، وهي الَّتي طاردته وأخرجته وطلبته حيّاً أو ميتاً، الهجرة حدث السَّاعة الرَّاهن، وقريش محرِّكة الحدث، ومع ذلك لم يتناولها بكلمة واحدة، لا تصريحاً، ولا تلميحاً، لا سلباً ولا إيجاباً، فما سبب هذا الحلم العظيم؟ لماذا أغفل قريشاً في خطبه، وهي محرِّكة الحدث؟

كان رسول الله على يقين بأنَّ ما يجري صورة عارضة، وحدث زائل، وأنَّه سيعود إلى مكَّة، وستعتنق قريش دين الله الَّذي ارتضاه لعباده، والدَّليل:

أراد (ص) أن يدخل الكعبة المشرَّفة مع النَّاس، وكانت تُفتح في الجاهليَّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فلمَّا أقبل عليه الصَّلاة والسَّلام ليدخلها، أغلظ عليه عثمان بن طلحة، وكان يومها مشركاً، ونال من رسول الله، يقول عثمان بن طلحة: وحلم عليَّ، ثمَّ قال: لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت، فقال عثمان بن طلحة: قد هلكت قريش يومئذ وذَلَّت، فقال (ص):بل عَمُرَت وعَزَّت يومئذ. يقول عثمان بن طلحة: فوقعت كلمة رسول الله منِّي موقعاً، وظننت أنَّ الأمر سيصير إلى ما قاله (ص)، فلمَّا قال لي يوم الفتح ذلك مذكِّراً بما قال قبل الهجرة، قلت: بلى، أشهد أنَّك رسول الله، )فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ( [الذاريات: 51/23

لذلك لم يشغل وقته  صلى الله عليه وسلم بصورة مؤقتة ستزول بالفتح الأعظم، وستنتقل قريش من الوثنيَّة إلى التَّوحيد، فأغفل قريشاً ولم يذكرها، والتفت إلى بناء الفرد والمجتمع والدَّولة.

إنَّ أفعال الإنسان وأقواله تعكس قناعاته الفكريَّة.

وإنَّ واقِعَه نتيجة لتصوُّراته.

فلا مواقف عاطفيَّة ضدّ قريش وفعالها، ولا انشغال بسلبيات لا نتاج خير منها.

أمر ليس باليسير، أن يترك فعال قريش، ولا ينطق إلاَّ بالكلمة البنّاءة.

ونتائج الهجرة كبيرة، لأنَّ الهجرة حدث غَيَّر مجرى التَّاريخ، منها:

-تجمُّع المسلمين  في موطن واحد يمكنهم من الدِّفاع عن حقِّهم في الدَّعوة و عن حقِّهم في )لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ([البقرة: 2/256] ، وبالتَّالي حرِّيَّة المعتقَد.

-دبَّت حركة جديدة في المجتمع الإسلامي في المدينة، وبدأت تتوضَّح عالميَّة الإسلام بشكل لا لبس فيه.

تفرَّغ (ص) لبناء الدَّولة وبناء الفرد معاً، بعد بناء الفرد في الفترة المكِّيَّة.

-مجتمع جديد فيه العقيدة ووحدة المنهج، بدل العصبيَّة القبليَّة:

*طلع البدر علينا*من ثنيات الوداع

*أيُّها المبعوث فينا

*جئت بالأمر المطاع

-وبدأ كيد اليهود، وسيكون لتآمرهم نتائج سيِّئة عليهم.

-أصبحت تجارة قريش على خطر في ذهابها وإيابها إلى الشَّام، وستُمْنَع من طريق نجد أيضاً.

-ظهر المنافقون بزعامة عبد الله بن أُبيّ بن سلول الَّذي كان مرشَّحاً للزَّعامة قبل الهجرة.

-لو قاتل  النبي (ص) في مكَّة فهو فرد من قبيلة تمرَّد عليها، والعُرْف يسمح بتصفيته، أمّا اليوم فقد تمايز المجتمعان، مجتمع مشرك وثني، ومجتمع موحِّد مسلم: )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (*) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ([الحج: 22/39-40].

)إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([التوبة: 9/40].

مظهر حضاريّ للهجرة

-تخريج الدِّلالات السَّمعيَّة على ما كان في عهد رسول الله من الحِرَف والصَّنائع والعمالات الشَّرعيَّة، علي بن محمَّد التّلمساني، مصر، وزارة الأوقاف 1995م.

-نظام الحكومة النَّبويَّة (التَّراتيب الإداريَّة)، عبد الحيّ الكتَّاني.

1-بناء مسجده (ص): باب جبريل، باب الرَّحمة، باب النِّساء.مقرُّ الدَّولة، وضع حجر الأساس، سراج تميم الدَّاري، المجمِّر: تنظيف وتطييب.

2-دار الضِّيافة، تجمُّله (ص) للوفود.

3-التَّعليم (أهل الصُّفَّة)، المعلِّم: عبادة بن الصَّامت.

4-ميدان التَّدريب، ميدان مقدَّس، وأُخرى مصلَّى للعيد.

5-السُّوق والاحتساب فيه (وموقف اليهود).

6-العسس في المدينة، حراسة أبوابها.

7-البيئة: منع قطع الأشجار (حرم المدينة)، إلا الإذخر للوقود.

8-إحصاء السُّكّان في سجل: ((اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من النَّاس))، فكتب حذيفة بن اليمان ألفاً وخمس مئة رجل.

9-المذبح (خارج المدينة) بعيداً عن تزاحم النَّاس.

10-البقيع لدفنٍ موحَّد.

11-نظافة المدينة: ((إماطة الأذى عن الطَّريق صدقة))؟

12-التَّرجمان يكتب إلى غير العرب بخطِّهم ولسانهم، زيد بن ثابت الأنصاري: الفارسيَّة، والعبرَّية، والقبطيَّة، والحبشيَّة، والسُّريانيَّة في قول.

13-تنظيم شوارع المدينة: الرئيسي 60 ذراعاً، الفرعي 20 ذراعاً، والأزقَّة والحارات 7 أذرع، (الذِّراع الشَّرعي 46.2 سم).

14-أمر النبي  (ص) في البناء أن تكون على مقتضى القواعد الصِّحيَّة، وحفظ حق الجيران، قواعد لا يمكن تعدِّيها، ((ولا تستطل عليه بالبناء فتسدَّ عليه الرِّيح إلا بإذنه))

15-أسرار الدَّولة: أمين السِّر (حذيفة بن اليمان) صاحب السِّرِّ.الهجرة ... خطَّة محكمة، ضمنت:

1-الصُّحبة: أبو بكر رضي الله عنه.

2-وسيلة النَّقل: ناقة اشتراها من أبي بكر.

3-الدَّليل الأمين الخبير بالطُّرق الجانبيَّة المجهولة: عبد الله بن أرقط.

4-الزَّاد والمؤونة: أسماء بنت أبي بكر.5-تحديد مكان الانطلاق وزمانه: غار ثور.

6-أخبار قريش (عبد الله بن أبي بكر)، إزالة الأثر، قطيع غنم لأبي بكر يرعاه عامر بن فهيرة.

7-التَّعمية كامل الأسباب (غار ثور باتِّجاه اليمن).

 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.