النشر الإلكتروني لترجمات معاني القرآن الكريم في خدمة الدعوة - الجزء الأول

الأربعاء, July 19, 2017
كاتب المقالة: 

مقدمة:الحمد لله القائل في محكم التنزيل:{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}(الفرقان:1) والقائل أيضاً:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر:9)، والصلاة والسلام على النبي الأمي، الهادي البشير والسراج المنير، القائل: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي"
أما بعد: فكم كانت غبطتي وسروري عندما علمت بأن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف يعتزم عقد ندوة تعالج أبحاثها قضية هامة إنها تفوق العديد من القضايا المعاصرة، وذلك بحكم تخصصي الدقيق في هذا المجال، ولمعرفتي بالحاجة الماسة في العالم الإسلامي أجمع لعقد ندوات عدة حول هذه القضية الهامة، ألا وهي "ترجمة معاني القرآن الكريم". فلقد ركزت العديد من المراكز الاستشراقية ومراكز الدراسات الشرق أوسطية في العديد من الجامعات الغربية دراساتها وبعض بحوثها حول ترجمة معاني القرآن الكريم، وذلك بقصد خدمة الأهداف التي يسعون إليها. أما العالم الإسلامي فهو غافل كل الغفلة عن هذه القضية، وكأنها من القضايا الجانبية التي لا تستحق بذل الجهود والدراسات حولها. وبنظرة سريعة إلى أعمال الترجمة للقرآن الكريم والكتابات حول هذا الموضوع نجد أن الغالبية العظمى قام بها أناس بعيدون كل البعد عن الفهم الإسلامي والدافع الديني الإسلامي.
ولعل هذه الندوة تكون – بإذن الله تعالى – باكورة لندوات ومؤتمرات مستقبلية تولي هذا الموضوع وهذه القضية الحساسة جزءاً من اهتماماتها، ولاسيما أنها تتعلق بكتاب الله عز وجل.
وحيث إنني رشحت من قبل اللجنة المنظمة للكتابة عن المحور الخامس في هذه الندوة، وهو " المحور الدعوي" وتحديداً في موضوع بعنوان:
" النشر الإلكتروني لترجمات معاني القرآن الكريم في خدمة الدعوة"
ونظراً لأهمية هذا الموضوع وحساسيته وبخاصة أننا نعيش في عصر الانفجار المعلوماتي والمعرفي والعلمي، لذا فإنني أسأل الله سبحانه وتعالى أن أوفق في المساهمة بهذا البحث البسيط في تقديم خدمة يسيرة لكتاب الله سبحانه وتعالى، وإيضاح أهمية النشر الإلكتروني لترجمات معاني القرآن الكريم في خدمة الدعوة ونشر الإسلام في أرجاء المعمورة.
وأختم مقدمتي هذه بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يوفق القائمين على هذا الصرح الشامخ " مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" وأن يأخذ بأيديهم لكل ما فيه خير للإسلام والمسلمين، وأن يبارك في جهودهم في خدمة كتابه الحكيم.

1:1 ترجمة معاني القرآن الكريم عبر التاريخ
منذ عدة قرون كانت قضية ترجمة معاني القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى واحدة من أهم القضايا التي طغت على الساحة الإسلامية، وانقسم الناس في ذلك إلى قسمين لا ثالث لهما. قسم يبيح الترجمة ويرى ضرورتها وأهميتها في خدمة الدعوة إلى دين الله الخالد، ولاسيما مع دخول أمم كثيرة من غير العرب في الدين الإسلامي وانتشار الإسلام في شتى بقاع المعمورة، وقسم آخر يرى عدم جواز الترجمة البتة، وأن كل من أراد فهم معاني القرآن الكريم عليه أن يتعلم اللغة العربية ويتقنها.
ولكن مع مرور الزمن وتوسع رقعة العالم الإسلامي، لم يعد الإقدام على مثل هذا العمل بدعاً من القول، ولم تعد الآراء المخالفة للرأي الأول مجدية؛ لأن الواقع قد فرض نفسه، وأصبح أمر الجواز محسوماً لا جدال فيه البتة.
من هنا – فلا غرو – إن قلنا: إن معظم لغات العالم المهمة اليوم -ولله الحمد والمنة- قد ترجمت إليها معاني القرآن الكريم. بل أصبحت المكتبات تعج وتموج بالعديد من الترجمات المختلفة التي قام بها أشخاص لهم ميول وتوجهات مختلفة بحسب أهوائهم واجتهاداتهم.
من كل ما سبق نرى أن مجال ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى أصبح الآن من أهم مجالات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أخصب طرق نشر الإسلام إلى أرجاء المعمورة كافة. وأكاد أجزم بلا أدنى تردد أن الإقدام على العمل في مثل هذا المجال من أفضل السبل ومن أعظم الخدمات التي يمكن أن يقدمها المرء خدمة لكتاب الله سبحانه وتعالى متى ما تحلى ذلك بالدقة والأمانة وإخلاص النية لله سبحانه وتعالى.
وما النشر الإلكتروني لهذه الترجمات إلا باب من أبواب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ومجال خصب لنشر الدين الإسلامي في أرجاء المعمورة، وذلك للأسباب والمزايا التي سأوضحها في هذا البحث. وما هذه الدراسة المعنونة: "النشر الإلكتروني لترجمات معاني القرآن الكريم في خدمة الدعوة" إلا محاولة لتسليط الضوء على أهمية هذا الموضوع. وقد قسمت هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث، إضافة إلى هذه المقدمة. وسأتناول في هذه المباحث الموضوعات التالية:
المبحث الأول : ماذا نقصد بالنشر الإلكتروني؟ وما مزاياه وخصائصه؟
المبحث الثاني: طرق استخدام النشر الإلكتروني لترجمات معاني القرآن الكريم في سبيل خدمة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وفوائد ذلك.
المبحث الثالث: الخلاصة والاستنتاجات والتوصيات المستفادة من هذه الدراسة.

المبحث الأول: ما المقصود بالنشر الإلكتروني، وما خصائصه ومزاياه؟

1:2 تعاريف أساسية:
قبل الحديث عن النشر الإلكتروني، لا بد من طرح بعض التعاريف الأساسية التي تساعد على تحقيق المزيد من الفهم والإيضاح لتقنية النشر الإلكتروني وما يرتبط بها من تقنيات في مجال المعلوماتية.
1:1:2 الشبكة العنكبوتية العالمية ( World Wide Web )
تعد هذه الشبكة من أبرع التقنيات التي تم ابتكارها – حتى الآن – في مجال خدمات الإنترنت، إذ يستطيع مستخدمو هذه التقنية الحصول على معلومات مكتوبة أو مسموعة أو مرئية عبر صفحات إلكترونية تمثل كتيباً إلكترونيا يتصفحه المستخدم من خلال جهازه الشخصي بمجرد نقل المؤشر إلى النص المكتوب الذي قد يكون متصلا بصوت أو صورة، حيث تقوم فكرة الشبكة العنكبوتية على أسلوب تقني يطلق عليه النص المحوري المرجعي (Hypertext ) الذي يقوم بتنظيم العديد من المعلومات والبيانات المتاحة في موضوعات متعددة ومتشعبة ومشتتة. 
2:1:2 النشر الإلكتروني Electronic Publishing
عند حاجتنا لتعريف النشر الإلكتروني يتوجب علينا قبل ذلك التعريج على النشر المكتبي ( Desk Top Publishing - DTP ) والذي يعرّفه أيمن السامرائي وعامر قنديلجي بتعاريف منها:
1- أنه استخدام الحواسيب المايكروية في الطباعة.
2- هو نظام إنتاج طباعي قليل الكلفة، له القدرة على تركيب وتشكيل وتجميع كل من النص المكتوب والمخطوطات والأشكال المرسومة على شاشة عالية الجودة ( Highly Resoluted ) مع برمجيات خاصة لهذا الغرض وضعت وصممت لجعل الطباعة عملية يمكن إتقانها والقيام بها من قبل أي شخص بعد تدريب بسيط.
3- النشر المكتبي هو عبارة عن برمجيات خاصة مع حواسيب مايكروية وطابعات ليزرية غير مكلفة تنتج صفحات منظمة ومعدة بصورة جذابة يمكن من خلالها الحصول على خطوط بأنواع وأشكال مختلفة ومتنوعة وتنفيذها. 
أما شوقي سالم فيستعرض لنا النشر المكتبي من خلال جملة تعاريف منها:
1- هو تطبيق ناشئ للحواسيب المايكروية لتصميم وطباعة وثائق عالية الجودة بشكل كامل في المكتب ذاته دون إرسال أي معلومات أو أعمال طباعية إلى الخارج، أو عند الانتهاء من إعداد الصورة الأصلية للوثائق فيمكن عندئذ إرسالها إلى شركة طباعية لإنتاج كميات منها.
2- هو أحد تطورات نظم أجهزة معالجة النصوص التي تحولت من شكل آلي لتنفيذ الحروف إلى شكل إخراجي متميز بأحجام مختلفة من حروف الطبع مع مستوى إخراج قد يصعب حتى على المحترف القيام به بمستوى الحاسب نفسه. 

ومن هنا يمكننا تعريف النشر الإلكتروني ( EP ) بأنه:
استخدام أجهزة وأنظمة تعمل بالكومبيوتر في الابتكار والإبداع والصف وإعداد الصفحات وإنتاج صفحات نموذجية وإخراجها كاملة ومنتهية.
وتتيح تقنيات النشر الإلكتروني الحديثة إمكان العرض السابق للصفحات، وتحريرها، وإعداد صفحات نهائية بأسلوب تفاعلي وهي لا تزال في صورة إلكترونية، وهو ما يعرف اصطلاحاً باسم "ما تراه تحصل عليه" (What you see is what you get ).
وتعد تقنيات النشر الإلكتروني ( EP )تطويراً لتقنيات النشر المكتبي (Desk Top Publishing) حيث أصبحت تشمل أنظمة النصوص المتلفزة مثل التيليتيكس ( Teletext ) الذي يمثل منظومة إلكترونية يتم بواسطتها نقل المادة المطبوعة عن طريق محطة تلفزيونية.
ويشير حسن أبو خضرة إلى أنه " تعود بداية النشر الإلكتروني إلى نهاية الستينات عندما بدأت بعض كبريات شركات النشر باستخدام الحاسوب في التنضيد الضوئي، وأظهر هذا الجيل الثانوي من الشريط الممغنط الذي أدى إلى إيجاد الدفعات والخدمات الآلية. وفي أواخر السبعينات قدمت أجهزة الحاسوب والاتصالات عن بعد فرصاً جديدة للنشر، أولها وأهمها أنها فتحت إمكان النشر الإلكتروني بناءً على الطلب (on demand) كما أصبح عملياً تخزين نسخة من عمل بدلا من الاستماع إليه أو مشاهدته وكانت تلك البداية الحقيقية للنشر بناءً على الطلب".  وتشير جميع الدلائل إلى أن وسائل النشر الإلكتروني ستسحق الطباعة التقليدية معلنة سقوط "حضارة الورق" التي سادت المجتمع الإنساني منذ اختراع الورق عام 1440م.
وقد دخلت الإلكترونيات عالم النشر باستخدام معالج الكلمات (Word processor). وأدى التطور السريع في مجال النشر الإلكتروني إلى ظهور أنواع جديدة من تقنية وسائل الإعلام، وإلى التأثير كذلك في تقنية الصحافة المطبوعة.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.