دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

"المعبر".. عن حلب والحرب والوحش الضاري

السبت, September 25, 2021
كاتب المقالة: 

تبدأ حنان أسد رواية "المعبر" (دار الفكر المعاصر، بيروت 2021) بلغة عصابية حائرة مشحونة بالقلق، وكأنها في حالة حصار، ثم تهدأ ساعة علمت أن الحصار قد انفك عن حلب. لقد أخبرتها أمها أن أخاها عاد إليهم بعد غياب أكثر من ثلاث سنوات. وهنا تبدأ الحديث عن المدينة وانسحاب الجماعات المسلحة من داخلها، وما كان ذلك بالأمر الهين على المدنيين، وامتداد المعارك في قلب المدينة العريقة خمس سنوات متتالية مع خسائر مادية وبشرية هائلة جدًا. الآن، وبعد جلاء الجماعات المسلحة، وغياب مظاهر العنف المسلح، وحالات القتل الممنهج في قلب المدينة، كانت هذه الجماعات تنسحب وتتفلت من قبضتها يومًا إثر يوم، فقد ترك المسلحون آخر أبنيتهم ومعاقلهم في قلب المدينة، ومضوا إلى الريف الحلبي وإدلب ومنطقتها.

 

 

"الروائية تخلق عالمها وتتمكن من شخصياتها، ومنذ البداية، تضعنا وجهًا لوجه أمام المدينة المحاصرة المفجوعة المدمرة والمنكوبة"

غياث أخوها يعمل صيدلانيًا، تجاوز العقد الثالث بست سنوات، تفانى في مهنته الطبية من أجل العمل الإنساني، فقد رفض الرحيل عن أرض الوطن، والآن يجتمعون مع بعضهم في حلب الشرقية، فيجالسونه ويحكي لهم:
"في الأيام الأخيرة، بات الموت قريبًا منا، ولعنات الحرب تحيط بنا، بات أحدنا إذا أصبح لا ينتظر المساء، وإذا أمسى لا يدرك هل تشرق عليه شمس جديدة، ننام معًا في أكثر الأماكن ولوجًا وبؤسًا وبعدًا عن السماء، وكأننا نسد عنا منافذ الموت التي ثقبت أرواحنا بالرعب والأشباح".
الروائية تخلق عالمها وتتمكن من شخصياتها، ومنذ البداية، تضعنا وجهًا لوجه أمام المدينة المحاصرة المفجوعة المدمرة والمنكوبة. لقد خلقت الأحداث التي تخصها وتركتها تتحدث عن نفسها. ونتيجة هذه الحرب، تخاصمت مع أهلها جميعًا، مع أبيها ومع أمها وخالتها وبنات خالتها "موجوعة أنا وأتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء وأتفادى حجم الدمار الذي كان.. فلمجرد أنني أنثى نطقت حقًا لا يلائم أفكارهم".
تُحدِّثنا عن أحمد زوجها، وعن علاقتها به "كنت من أسعد النساء محظوظة به، بحبه ورزانته وكل امتيازاته، شاب ومن عائلة محترمة ومعروفة، انتشلني من بيت أهلي الكائن في حي شعبي، أصيل محافظ، بدأ يخطو بي نحو الرقي والدماثة".
كان ذلك منذ خمسة عشر عامًا، وقد زيَن حياتهما قدوم لؤي، وبعدها بعامين زاد من زينتها وحلاوتها قدوم زين. أحمد مهندس، موظف في مؤسسات الدولة، يجاهد في بناء أسرة بدخل محدود، لقد كان أجمل ما في تلك السنوات هو السكينة التي تغمرها، وهذا ما جعلها تغص بالدمع وهي ترى دمار الأبنية من حولها كإسقاط مماثل لما حلّ بقلبها، وهؤلاء الناس الذين يتحايلون على الحجارة لدخول منازلهم وتفقد حالها، يحاولون الصعود من أبنية مجاورة، يدخلون من منزل مفتوح الجدار، كثير الركام ليلقوا بنظرهم على منزل قد بات مكشوفًا للشارع، وغرفة هوى سقفها، وسلم متكسر الحجارة، بقايا أثاث متطاير، فهذا بعض من أريكة، وهذه بقايا خزانة ملابس، وهنا تلفاز مهشم.
في عيون العائدين ألمٌ لا تكتبه محابر العالم، وهم يرون المخربين وقد عاثوا في بيوتهم فسادًا ونهبًا وسرقة، باحثين عن الذهب، أو المال المدخر هنا أو هناك.
ثم تخلق عدة شخصيات لتحاكيها عما جرى في حلب، فمنهم شخصية آلاء المرأة التي ترسل لها الرسائل على الماسنجر، تقص عليها أخبار الهجرة في ألمانيا، إنها غير مرتاحة، صحيح أن أولادها يتعلمون بشكل جيد، ولكنها تلاقي الأمرين في تعلم اللغة والوحدانية، آلاء هذه التي دمر بيتها، وهو بحاجة إلى ترميم، توجد به كتابات وملفات على الجدران توحي بأنه كان أحد المقرات التنظيمية للجماعات المسلحة، آلاء هذه، هي شريكة صفاء في العيادة، تستقبل المرضى في الصباح وصفاء بعد الظهر.
كل الذي جرى في حلب شبهته الكاتبة بوحش ضار، يدفعك دائمًا إلى ترقب الحارات في كل شيء، عودة الأطفال بحقائبهم المدرسية إلى منازلهم وهم سالمون فضلًا ومنة، وفي سلامة الأعضاء من رصاص القنص وقذائف الجنون فضلًا ومنة، الحصول على ليرات تسد الرمق بهن فضلًا ومنة، وحتى في نزول الماء من الصنبور فضلًا ومنة.
تختلق شخصية أخرى تبثها همومها وما أصابها من يأس، وتكون عوضًا عن الأب الذي مات وتركها تقاسي الحقد الدفين، إنها شخصية أبي عدنان الذي يقبل عليها ساعة ولوجها باب العيادة ويستقبلها بابتسامته الطيبة، لقد نزح إلى السكن الجامعي الذي كان معدًا لاستقبال الطلاب الوافدين من المحافظات الأخرى، تحول الآن إلى غرف متلاصقة، تحوي عائلات بأكملها، أيضًا هو هجر عن بيته ودكانه، ويستعرضان قصصًا وحكايات عن النازحين، وكيف يقضون أيامهم، وهو أيضًا فقد ابنًا في النزوح، وآخر في الخدمة الإلزامية.

 

"تختلق حنان أسد شخصية تبثها همومها وما أصابها من يأس، وتكون عوضًا عن الأب الذي مات وتركها تقاسي الحقد الدفين"

تستخدم الكاتبة (الفلاش باك)، فوالدها كان يعبر من بستان القصر المحفوف بالقنص، ويخاطر يوميًا، عبر المعبر الذي ما بين المنطقة الشرقية التي استولى عليها المسلحون، والمنطقة الغربية التي يسيطر عليها الجيش، بدءًا من حي المشارقة، وما بين الجبهتين شارع مكشوف، خالي الجدران والحواجز، يبتدئ ببضع شجيرات صغيرات، ثم يسير الماشي عاريًا نحو ملاك الموت، الذي تَنزَّل على هيئة قناص هائج. المارة يهرولون من خوفهم، تلهج ألسنتهم بالدعاء، ويسقط أحدهم إثر صوت خاطف حاد، ثم تتعثر بجثته الأقدام.
على الحدود المتاخمة للمعبر من الطرف الشرقي، توجد عربات الباعة الذين يبيعون الخضروات القادمة من الريف الشرقي، حيث تم حصار المناطق التي تقع في القسم الغربي من قبل الجماعات المسلحة.
الشخصية الرئيسية صفاء تقرر الهجرة تيمنًا بآلاء، فالهجرة أهون من قسوة الوطن والأهل، تبيع بيتها، ومكتبتها، وتضع نفسها وولديها وزوجها الذي لم يكن يرغب بالسفر، وينطلقون إلى الحدود التركية، وهناك يجالسون المهربين والمهاجرين ويعرفون قصصهم، لقد طردهم الوطن والأقرباء، وكان المدعو حسن قد أعطاها حقيبة مفرغة من الهواء لتتقي بها المطر الذي باغتهم فجأة، فتكتشف أن ما في الحقيبة مخدرات، وتكتشف كذلك أنهم عصابة تديرها شبكة تهريب تعمل بالمخدرات، وتكتشف أن مالكًا الذي اشترى منها البيت هو الذي يقود هذه العصابة، والذي كانت له اليد الطولى في عملية تهريبهم، لقد سارت في الطريق الغلط، وأحست بغلطها، وهكذا تعود إلى الحضن الدافئ، وتتصالح مع أمها وتفتح العيادة، زوجها يبحث عن بيت لهم، لقد استمرت الحياة وعادت البهجة إليهم.

 

"والد الراوية كان يعبر من بستان القصر المحفوف بالقنص، ويخاطر يوميًا، عبر المعبر الذي ما بين المنطقة الشرقية التي استولى عليها المسلحون، والمنطقة الغربية التي يسيطر عليها الجيش"

استخدمت الكاتبة لغة بسيطة حين وزعت الحوار على شخصياتها، واستخدمت لغة محافظة رصينة حين احتواها السرد، وتنامت الأحداث في الرواية، لكن الكاتبة استطاعت السيطرة عليها، ولأنها معايشة للأحداث، فقد عرفت كيف تصيغها وتولف بينها بهدوء لتقوم بصنع هذا العمل.
كثيرة هي الأحداث، لكن الكاتبة تتقن لعبة الفن الروائي، فصاغت عملًا من صميم المأساة التي أصابت حلب، هي كانت كالمدينة التي تهدمت وخربت ثم نفضت عن ذاتها الخراب والدمار، عادت إلى نفسها وإلى عملها بعد أن فكرت في الهجرة، وصفاء ما هي إلا رمز لحلب الجريحة، فقد تعاورها الأهل وفقدت كل المحبين، لكنها في النهاية انتصرت عليهم، إنها مثل حلب، المدينة التي دمرت وخربت ثم عادت لتبني نفسها، وها هي تقوم الآن وتقف على رجليها.

حنان محمود أسد (1978): مجازة في التعويضات السنية، بالإضافة إلى أنها تحمل إجازة في الشريعة من جامعة دمشق، فازت في مسابقة دار الفكر المعاصر عن روايتها: "بارقة أمل". صدر لها: في القصة القصيرة: "صحائف القلوب"، و"إمبراطورية الخطوط الحمر"، ولها في الرواية "بارقة أمل".

المصدر: 
ضفة ثالثة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.