دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

اللغة والحرية (ج1)

الخميس, April 30, 2015
كاتب المقالة: 

ترجمة :عدي الزعبي

نترجم هنا أحد أهم مقالات تشومسكي الفلسفية، والذي يتناول فيه العلاقة بين اللغة والحرية. هذا الجانب الفلسفي من أعمال تشومسكي ما زال غائباً عن الثقافة العربية، وحتى عن فروع الفلسفة في العالم بشكل أعم. الأسباب متعددة ومعقدة، وقد ناقشنا بعضها في مقال سابق.

نتمنى أن تسهم هذه الترجمة في توجيه الأنظار إلى هذا الجانب من عمل تشومسكي، وأن تثير بعض النقاشات والدراسات، آملين فوق كل شيء أن تساهم هذه الأفكار في تشكيل تيار يساري منفتح يؤمن بالحرية وبالعدالة الاجتماعية في آن معاً، أي بما يسمّيه تشومسكي الاشتراكية التحررية. 1

توصّل تشومسكي عن طريق دراسة اللغة إلى أن الطبيعة البشرية تزوّد كل إنسان بقواعد ومبادئ فطرية تسمح له باكتساب اللغة. هذه المبادئ والقواعد تتيح لمستخدمها أن ينتج عدداً لا محدوداً من الجمل عن طريق عدد محدود من القواعد. تعكس اللغة بعض خواص العقل والطبيعة البشريان. بشكل مشابه، يرى تشومسكي أن سلوك الإنسان الاجتماعي والثقافي والمادي والفني تحكمه مبادئ مشابهة: أي أنه ينطلق من مجموعة مبادئ وقواعد محددة فطرية ليبدع بحرية وبشكل لا محدود. من هنا، الإنسان ليس كائناً مطواعاً وقابلاً للتشكيل كما تريده الدول والمدراء والمدرسون: هذه الأفكار النسبوية والتجريبية خاطئة من جهة، وفاسدة أخلاقياً من جهة أخرى. هناك طبيعة بشرية أساسية لا تستطيع الدولة والأنظمة الاجتماعية التسلطية محوها والقضاء عليها. الحرية والكرامة من خواص هذه الطبيعة البشرية التي يشترك بها كل الناس بلا استثناء. 2

باختصار إذن، يرى تشومسكي أن كل إنسان مبدع وخلّاق بطريقته الخاصة في استخدامه للغة، وأيضاً في أفعاله المادية والفكرية؛ وعلى أي  فلسفة سياسية أن تنطلق من تحرير إمكانيات البشر الخلاقة والمبدعة وأن تسعى لرفع القيود المفروضة عليهم.

يلفت النظر هنا دفاع تشومسكي، المنطلق من أفكار روسو وكنط وهمبولت التنويرية، عن الحرية ضد كل من يدّعي أن بعض الناس ليسوا مهيئين لها بعد. الحرية، في أيامها الأولى، مرهقة ومخيفة ومليئة بالمصاعب؛ ولكن الحصول على الحرية هو الطريق الوحيد لممارسة الحرية. لا دروب أخرى. 

في عصر اللاعقلانية والنسبوية والغموض والظلام الذي نعيشه، يأتي صوت تشومسكي المدافع عن العقل والعلم والحرية والتنوير والقيم المشتركة واضحاً لا تلجلج فيه ولا مساومة، ليفتح الباب أمام القراء للمشاركة في المعركة الطويلة، والمحبطة أحياناً، ولكن الأخلاقية دوماً، من أجل العدالة الاجتماعية. 

هذا مقال في الفوضوية، وفي تاريخ الفلسفة، وفي الفلسفة السياسية وفلسفة اللغة، وفي التاريخ الفكري لليسار، يجمع تشومسكي فيه بين الاشتراكية والفردانية والليبرالية الكلاسيكية، في صيغة من الفوضوية، أو الاشتراكية التحررية، حيث الحرية والعدالة الاجتماعية هي الهدف الأسمى لكل فلسفة. 

عدي الزعبي

 

هذا المقال هو نص لمحاضرة ألقيت في ندوة الحرية والعلوم الإنسانية، جامعة ليولا، شيكاغو، 8-9 كانون الثاني 1970.

عندما دُعيت لأتكلم عن «اللغة والحرية»، شعرت بالحيرة والفضول. معظم حياتي المهنية كرّستها لدراسة اللغة. لن نجد صعوبة في إيجاد موضوع للنقاش في هذا المجال. وهناك الكثير مما يقال عن مشاكل الحرية والتحرر التي تواجهنا وتواجه غيرنا في منتصف القرن العشرين. المشكل في العنوان هو صلة الوصل. بأية طريقة ترتبط اللغة والحرية؟

بدايةً، دعوني أقدّم سريعاً الدراسات المعاصرة للغة، من وجهة نظري. الكثير من جوانب اللغة واستخدامها يثير أسئلة شيّقة، ولكن – برأيي – حتى الآن بعض منها فقط قادنا إلى إطار نظري منتِج. بالتحديد، أعمق رؤانا تكمن في البنية النحوية الرئيسية. من يعرف لغة ما يكون قد اكتسب نظاماً من القواعد والمبادئ – «نحو توليدي» بالمصطلحات التقنية – يربط الصوت بالمعنى بطريقة محددة. هناك العديد من الفرضيات المعقولة والمضيئة لخصائص هذه الأنظمة، ولعدد كبير من اللغات. أكثر من ذلك، لدينا اهتمام متجدّد بـ «النحو الكلي»، مؤولاً الآن على أنه النظرية التي تحاول تعيين الخصائص العامة لهذه اللغات التي يستطيع البشر تعلّمها بطريقة عادية. هنا، أيضاً، حصل تقدم هام. للموضوع أهمية خاصة. من الملائم اعتبار النحو الكلي كدراسة لإحدى ملكات العقل الأساسية. لذا سيكون مشوّقاً اكتشاف، وأعتقد أننا اكتشفنا، أن مبادئ النحو الكلي غنية ومجردة ومقيّدة ومن الممكن استخدامها للوصول إلى تفسيرات مبدئية لعدد مختلف من الظواهر. في المرحلة الحالية من فهمنا، إذا كانت دراسة اللغة ستزودنا بنقطة الانطلاق لأبحاثنا في مشاكل الطبيعة البشرية، فعلينا أن نركّز انتباهنا على هذه المظاهر اللغوية، لسبب بسيط هو أن هذه المظاهر هي التي نفهمها بشكل معقول. بمعنى آخر، تكشف دراسة الخصائص الأساسية للغة شيئاً ما عن طبيعة البشر بطريقة سلبية: إنها ترسم، وبدقة عالية، حدود فهمنا لهذه الخواص العقلية التي تبدو مقتصرة على البشر والتي تدخل في صميم إنجازاتهم الثقافية، وإن كان بطريقة غامضة.

 في البحث عن نقطة افتراق، يعود المرء بشكل طبيعي إلى فترة من تاريخ الفكر الغربي عندما كان ممكناً الاعتقاد بأن «التفكير بجعل الحرية مادة وغاية الفلسفة قد حرر الروح الإنسانية في كافة علاقاتها، و… أعاد توجيه العلم بكافة أجزائه بقوة أكبر من أية ثورة سابقة». كلمة «الثورة» تحمل أبعاداً مختلفة في هذا الاقتباس، حيث يعلن شلنغ أن «الإنسان ولد ليعمل وليس ليتأمل»؛ وعندما يكتب « لقد حان الوقت لإعلان حرية الروح لإنسانية أنبل، ولا حاجة للصبر بعد الآن مع الندم الحزين على القيود القديمة»، نسمع أصداء الفكر التحرري والأفعال الثورية لنهاية القرن الثامن عشر. كتب شلنغ «بداية ونهاية كل الفلسفة هي الحرية»، هذه الكلمات محمّلة بالمعنى والإلحاح في زمن كان الناس يسعون للتخلص من قيودهم، ولإنشاء تنظيمات اجتماعية أكثر إنسانية وديمقراطية. في مثل هذا الزمن قد يجد الفيلسوف نفسه مدفوعاً إلى البحث في طبيعة وحدود الحرية البشرية، وربما إلى أن يخلص، مع شيلنغ، فيما يخص الأنا البشرية، أن «جوهرها هو الحرية»؛ وفيما يخص الفلسفة، «أن أعلى كرامة تحققها يكمن بالضبط في أنها ترتكز بأكملها على الحرية البشرية».

نحن نعيش، مرة أخرى، مثل هذا الزمن. يجتاح المد الثوري ما يسمى بالعالم الثالث، موقظاً جموعاً هائلة من سباتها واعتيادها على السلطة التقليدية. هناك من يشعر بأن المجتمعات الصناعية جاهزة أيضاً للتغيير الثوري، وأنا لا أشير فقط إلى ممثلي اليسار الجديد.

خطر التغيير الثوري يجلب القمع ورد الفعل. علاماته واضحة بأشكال مختلفة، في فرنسا، في الاتحاد السوفييتي، في الولايات المتحدة، وحتى في هذه المدينة حيث نلتقي. من الطبيعي، إذن، أن ننظر في مشاكل الحرية بشكل تجريدي، وأن نعود باهتمام وانتباه جديان إلى فكر مرحلة سابقة عندما كانت التنظيمات الاجتماعية القديمة عرضةً لتحليل نقدي وهجمات متكررة. ستكون هذه العودة مناسبة وطبيعية، طالما أخذنا في الاعتبار مقولة شلنغ، أن الإنسان لم يولد فقط للتأمل بل أيضاً للعمل.

كتاب روسو بحث في اللامساواة (1775) هو أحد أبكر وأكثر أبحاث القرن الثامن عشر في الحرية والعبودية جدارةً بالملاحظة، وهو بطرق متعددة كراسة ثورية. يسعى روسو في الكتاب إلى «تبيان أصل وتطور اللامساواة، وتأسيس وتعسف المجتمعات السياسية، آخذين بعين الاعتبار أن هذه الأمور يمكن الاستدلال عليها من طبيعة الإنسان باستخدام العقل وحده». كانت استنتاجاته صادمة لدرجة أن الحكام في لجنة جائزة أكاديمية ديجون، التي قُدّم البحث لها كجزء من مسابقة، رفضت الاستماع إلى البحث كاملاً. شكك روسو بشرعية جميع التنظيمات الاجتماعية تقريباً، وكذلك بشرعية التحكم الفردي بالملكية والثروة. يوجد «اغتصاب للشرعية… مؤسس فقط على حق عارض ومتعسف… اُخذ بالقوة فقط، ويمكن للقوة أخذه {ثانيةً} دون أن يملك {الأثرياء} حق الاعتراض».  حتى الملكية المكتسبة بالجهد الفردي ليست مدعومة «بحقوق أفضل». الاعتراض على هذه الأخيرة يأتي كما يلي: «ألا تعرف أن حشوداً من إخوتك ماتت أو عانت من الحاجة إلى ما تملكه بوفرة أنت اليوم، وأنك بحاجة إلى موافقة الجنس البشري الكاملة والواضحة إن أردت تملّك ما يزيد على حاجتك من الموارد العامة؟». إنه لمن المتناقض مع القوانين الطبيعية أن«ثلة من البشر تتمتع بالرفاهية فيما معظم الناس لا تملك حتى الضروريات».

يجادل روسو بأن المجتمع المدني ما هو إلا مؤامرة من قبل الأثرياء للحفاظ على ما سرقوه. بنفاق يطلب الأثرياء من جيرانهم أن «يسنوا تشريعات العدالة والسلم التي يجب على الجميع الانصياع لها، والتي لا تستثني أحداً، والتي تعوّض بشكل ما تقلبات الحظ عن طريق إخضاع القوي والضعيف لواجبات تشاركية بشكل متساو»، هذه القوانين التي، كما سيقول أناتول فرانس، تمنع بسلطانها وبشكل متساو الثري والفقير من النوم تحت الجسر ليلاً. بمثل هذه الحجج، ضُلّل الفقراء والضعفاء: «يركض الجميع إلى قيودهم مصدقين أنهم قد أمّنوا حريتهم…» حيث أن المجتمع والقوانين «أعطت قيوداً جديدة للضعفاء وسلطات جديدة للأقوياء، ودمرت الحرية الطبيعية بشكل دائم، وأرست إلى الأبد قانون الملكية واللامساواة، وحولت اغتصاب الشرعية الخبيث إلى حق نهائي، ولمصلحة قلة من الطموحين أجبرت كامل الجنس البشري على العمل والخدمة والبؤس». تنحو الحكومات نحو التسلط الاعتباطي بشكل حتمي، وهو«فسادها و حدّها». هذه السلطات «بطبيعتها غير شرعية»، وعلى الثورات الجديدة أن «تحلّ الحكومات بشكل كامل أو أن تقربها من مؤسستها الشرعية… الانتفاضة التي تقضي على السلطان بخلعه تملك شرعية مماثلة للشرعية التي أتى بها هذا السلطان، سابقاً، وتحكّم بواسطتها برعاياه وبمصالحهم. القوة وحدها أبقت حكمه، والقوة وحدها خلعته».

المثير للانتباه، فيما يخصنا الآن، هو السبيل الذي سلكه روسو في الوصول إلى هذه النتائج «عن طريق العقل وحده»، منطلقاً من أفكاره حول طبيعة الإنسان. هو يريد أن يرى الإنسان «كما شكّلته الطبيعة». يجب أن نستمد مبادئ الحق الطبيعي وأسس الوجود الاجتماعي من طبيعة الإنسان.

«هذه الدراسة للإنسان الأصلي، لحاجاته الحقيقية، وللمبادئ التي تكمن خلف واجباته، هي أيضاً الطريقة الوحيدة التي يستطيع المرء فيها أن يستخدم أو يزيل الكم الكبير من الصعوبات التي تعترضنا عندما نبحث في أصل اللامساواة الأخلاقية، والأسس الحقيقية للجسم السياسي، والحقوق المتبادلة لأعضائه، وآلاف الأسئلة المشابهة المهمة وإن كان من الصعب صياغتها بوضوح».

لتحديد طبيعة الإنسان، يقارن روسو بين البشر والحيوانات. الإنسان «ذكي وحر… الحيوان الوحيد المحبو بالقدرة على التفكير». الحيوانات «تفتقد للتفكير وللحرية».

«في كل حيوان أرى آلة بارعة حبتها الطبيعة بحواس كي تحيا وتحافظ على ذاتها، إلى مدى محدد، من كل ما ينحو إلى تدميرها أو تخريبها. أجد الأمر ذاته بالضبط في الآلة البشرية، مع الفارق بأن الطبيعة وحدها تقوم بكافة العمل في الحيوانات، في حين أن الإنسان يساهم في هذا العمل لكونه فاعلاً حراً. الأول يختار أو يرفض بناءً على الغريزة وحدها أما الأخير فبالفعل الحر، لذا فالحيوانات لا تستطيع أن تكسر القواعد المفروضة عليها حتى إن كان ذلك الكسر نافعاً لها، والإنسان يكسر القواعد غالباً برغبته… ليس الفهم فقط ما يميز الإنسان عن الحيوان بل الفعل الحر. الطبيعة تحكم الحيوانات، والحيوانات تطيع. يشعر الإنسان بأوامر الطبيعة نفسها، ولكنه يدرك أنه حر في أن يعصي أو يطيع؛ وتظهر روحانية نفسه، قبل كل شيء، في الوعي بهذه الحرية. تشرح الفيزياء بطريقة ما ميكانيزم الحواس وكيفية تشكل الأفكار؛ ولكن في قوة الإرادة، أو بالأحرى الاختيار، وفي الإحساس بهذه القوة توجد أفعال روحية فقط لا تفسرها قوانين الميكانيك».

إذن فجوهر الإنسان هو حريته ووعيه بهذه الحرية. لذا يستطيع روسو القول أن «القضاة اللذين يعلنون بجسارة أن ابن العبد ولد عبداً، يقررون بكلمات أخرى أن الإنسان لم يولد إنساناً». 3

يبحث السياسيون والمثقفون السفسطائيون عن طرق لطمس حقيقة أن جوهر الإنسان حريته: «إنهم يعزون للإنسان ميلاً طبيعياً للطاعة، دون أن يفكروا أن الأمر ذاته ينطبق على الحرية وكذلك على البراءة والفضيلة: يشعر الإنسان بقيمة هذه الأشياء طالما يستمتع بها بنفسه وينسى مذاقها حالما يفقدها». على العكس، يسأل روسو ببلاغة، «بما أن الحرية أنبل ملكات الإنسان، أليس من المسيء لطبيعة الإنسان أن يضع نفسه في منزلة الحيوانات المستعبدة لغريزتها، بل أليس في هذا إهانة لخالق الإنسان حين ننكر دون تحفظات أثمن عطاياه ونجبر أنفسنا على ارتكاب كل الخطايا التي حرّمها كي نرضي سيداً متوحشاً أو مجنوناً؟»، هذا السؤال الذي طرحه رافضو الخدمة العسكرية في أمريكا في السنوات الأخيرة، وكثر غيرهم ممن بدؤوا يتعافون من كوارث الحضارة الغربية في القرن العشرين، التي أكدت مقولة روسو التراجيدية:«من هنا تأتي الحروب القومية والمعارك والجرائم والانتقام التي تهزّ الطبيعة وتصدم العقل، وكل هذه الافتراضات المسبقة الفظيعة التي تجعل شرف إسالة الدم البشري من بين الفضائل. يتعلم أرقى الرجال أن واجبهم قتل إخوتهم البشر؛ مع الزمن يقوم الناس بارتكاب مجازر بالآلاف دون أن يعرفوا السبب؛ لقد ارتُكبت جرائم في يوم واحد من القتال وفظائع في حصار مدينة واحدة أكثر مما ارتُكب على سطح الأرض منذ قرون».

يرى روسو البرهان على أن الصراع من أجل الحرية خصيصة إنسانية جوهرية، وعلى أن الشعور بقيمة الحرية يستمر طالما كان المرء يستمتع بها، في «المعجزات التي يجترحها الناس الأحرار للحفاظ على حريتهم في وجه القمع». من الصحيح أن أولئك الذين تخلوا عن حياة الإنسان الحر: «لا يفعلون شيئاً إلا التباهي باستمرار السلم والسكينة التي يستمتعون بها في قيودهم… ولكن عندما أرى الآخرين يضحّون بالملذات والسكينة والثروة والسلطة وبالحياة ذاتها للحفاظ على هذه القيمة وحدها التي يزدريها بشدة أولئك اللذين فقدوها؛ عندما أرى أن الحيوانات ولدت حرة وأنها تكره الأسر لدرجة أنها تضرب رؤوسها بقضبان أقفاصها؛ عندما أرى جموعاً من الهمج العراة بشكل كامل يستنكفون عن المتع الحسية الأوروبية ويحتملون الجوع والنار والسيف والموت ليحافظوا فقط على استقلالهم، أشعر أنه لا ينبغي للعبيد أن ينظّروا للحرية».

أفكار مشابهة عبّر عنها كنط، بعد أربعين عاماً. هو لا يستطيع، بحسب ما قاله، أن يقبل بأن بعض الناس «ليسوا مستعدين للحرية»، على سبيل المثال، خدم صاحب أرض.

«إذا قبل المرء بهذا الافتراض، فالحرية لن تُنال أبداً؛ لأن المرء لن يستطيع الوصول إلى النضج اللائق بالحرية إن لم ينلها بدايةً؛ على المرء أن يكون حراً كي يتعلم كيف يستخدم قواه بشكل حر ونافع. بالتأكيد ستكون الخطوات الأولى قاسية وستؤدي إلى أوضاع أكثر ألماً وخطورة مما كان الحال عليه تحت سيطرة سلطة خارجية، بل وتحت حمايتها. ولكن، يكتسب المرء الفكر فقط من خلال تجاربه الخاصة وعلى المرء أن يكون حراً كي يختبر هذه التجارب… القبول بالمبدأ القائل بأن الحرية عديمة الجدوى لمن هم تحت سلطة المرء وأنه يملك الحق في رفضه إعطائها لهم إلى الأبد، هو تعدّ على حقوق الله نفسه، الذي خلق الإنسان حراً».

هذه الملاحظة مثيرة للاهتمام بشكل خاص بسبب من سياقها. كان كنط يدافع عن الثورة الفرنسية، في فترة الإرهاب، في وجه من ادّعوا أن الجماهير غير جاهزة لنعمة الحرية. لملاحظات كنط أهمية معاصرة. لا يوجد أي شخص عاقل يدافع عن العنف والإرهاب. بالأخص، إرهاب دولة ما بعد الثورة، التي وقعت بأيدي مجموعة شرسة من المستبدين، ووصلت إلى مستويات غير معقولة من الهمجية أكثر من مرة. ولكن أي إنسان ذو فكر أو إنسانية لن يدين بسرعة كبيرة العنف الذي غالباً ما يحدث عندما تتمرد الجماهير المقموعة لفترات طويلة ضد مضطهديهم، أو عندما يخطون خطواتهم الأولى نحو حريتهم ونحو إعادة البناء الاجتماعي.

دعوني أعد الآن إلى حجة روسو ضد السلطة المؤسَّسة، سواء كانت سياسية أم مالية. جدير بالملاحظة أن حجته، وصولاً إلى هذه النقطة، تتبع نموذجاً ديكارتياً مألوفاً. يتميز الإنسان بكونه خارج حدود التفسير الفيزيائي؛ الحيوانات، من جهة أخرى، مجرد آلة بارعة، تُطيع القانون الطبيعي. حرية الإنسان ووعيه بهذه الحرية تميزه عن الحيوان-الآلة. مبادئ التفسير الميكانيكي غير قادرة على شرح الميزات البشرية، بالرغم من أنها تشرح الإحساسات وحتى تركيب الأفكار، والتي «يختلف الإنسان عن الحيوان فيها بالدرجة فقط».

بالنسبة لديكارت وخلفائه، مثل كورديموي، الإشارة الوحيدة الأكيدة على أن كائناً حياً آخر يملك عقلاً وبالتالي يقع خارج حدود التفسير الميكانيكي، هو استخدام اللغة بالأسلوب العادي الخلاق البشري، وغير الخاضع لمثيرات محددة، والجديد والمبدع، والملائم للأوضاع، والمتماسك، والذي يولّد في أذهاننا أفكاراً جديدة. بالنسبة للديكارتيين، من الواضح  لكل إنسان عن طريق الاستبطان أنه يملك عقلاً، أي عنصر جوهره التفكير؛ استخدامه الخلّاق للغة يعكس حرية التفكير والتعقّل هذه. عندما نجد دليلاً على أن كائناً حياً آخر يستخدم اللغة بهذا الأسلوب الحر والخلاق أيضاً، سنعزو له عقلاً مشابها لعقلنا. بناءً على فرضيات مشابهة تتعلق بحدود التفسير الميكانيكي ذاته، وعدم قدرة هذا التفسير على شرح حرية الإنسان ووعيه بهذه الحرية، انتقد روسو المؤسسات السلطوية، والتي تنكر على الإنسان خاصيته الجوهرية في الحرية، بدرجات مختلفة.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.