الكتابة على المآقي: هوامش على نثريّة الحدقيّ

الاثنين, November 5, 2012
كاتب المقالة: 

عُرِف أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي الكنائي البصري (159/160- 255هـ) بلقبي «الجاحظ» و«الحَدَقيّ» معا؛ لأنه كان يعاني جحوظا في عينيه لافتا للأنظار. لكن صفة «الجاحظ» التصقت به وبدمامة وجهه وسخريته المعهودة حتى الممات. وله في ذلك مرويّات كثيرة. عمّر الجاحظ نحو تسعين عاما، عاصر فيها ما يربو على عشرةٍ من خلفاء الدولة العباسية، واشتغل فيها على نفسه وعقله (مما يُروى عنه أنه كان يبيع الخبز والسمك نهارا، ويكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها الليالي الطوال) فأنتج إنتاجا بالغ الثراء من ناحيتي الكمًّ والكيف في آن؛ إذ ترك لنا متونا ونصوصا ورسائل عدّة قد يصعب حصرها.

اتصل الجاحظ بالكثيرين من كتّاب عصره، فأخذ علم اللغة العربية وآدابها عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى والأصمعي وأبي زيد بن أوس الأنصاري، ودرس علم النحو على الأخفش، وعلم الكلام على يد إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظام الذي يُعَدّ أستاذه المباشر في الفكر الاعتزالي. فضلا عن ذلك، فقد اتصل الجاحظ بالثقافات الفارسية واليونانية والهندية، عن طريق قراءة النصوص المترجمة عنهم ومناقشة بعض المترجمين أنفسهم كحنين بن إسحق مثلا. وعلى الرغم من أن كتب (البيان والتبيين) و(الحيوان) و(البخلاء) أشهر متون الجاحظ تداولًا في فهارس المكتبة العربية القديمة، فإنه قد ترك لنا إرثا ضخما من الرسائل في اللغة وعلم الكلام والأدب والسياسية والتاريخ والأخلاق والنبات والحيوان والصناعة والنساء والأجناس، وغيرها. يقول عنه ياقوت الحموي:
«أبو عثمان الجاحظ، خطيبُ المسلمين، وشيخُ المتكلِّمين، ومَدْرَهُ المتقدمين والمتأخِّرين. إن تكلَّم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النَّظَّام في الجدال، وإن جدَّ خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هَزَلَ زاد على مزبد، حبيب القلوب، ومزاج الأرواح، وشيخ الأدب، ولسان العرب. كتبه رياضٌ زاهرةٌ، ورسائله أفنانٌ مثمرةٌ، (...). الخلفاء تعرفه، والأمراء تصافيه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصَّة تسلِّم له، والعامَّة تحبُّه...».

-2-

تنتمي نثرية الجاحظ إلى مدرسة التحليل والتقريع والاستقصاء التي امتاحت من أسلوبي الإطناب والازدواج لدى عبد الحميد الكاتب (ت 132هـ)، كما أخذت طرائق التحليل والتعليل والجدل والحوار من طريقة سهل بن هاورن (ت 215هـ) حتى استطاع أبو عثمان أن يشكّل نثريته الخاصة به وحده دون منازع في النثر العربي، إلى الدرجة التي يمكن معه القول - دون مبالغة - إن ابن المقفع (ت 756م/ 138هـ) والجاحظ (ت 255هـ) والتوحيدي (ت 414هـ) يمثلون مثلثا، أو هرما، نثريا كان يمكن للبلاغيين العرب القدماء (والمحدثين!) أن يشتغلوا عليه إذا ما أرادوا إنتاج نظرية نقدية عربية تُعنَى بجماليات الأنواع النثرية.
لقد أفاد الجاحظ من فلسفة الاعتزال إفادات كثيرة، خصوصا عندما يكون الأمر متصلا بمرويات الأمم السابقة وأخبارها وأحاديثها، فلا تراه يركن إلى تصديق خبرٍ أو حديث، دون إنعام النظر فيه وتوليده وتقليبه على وجوه متعددة، حتى وإن كان الذي يسوق الأخبار هو أرسطوطاليس ذاته الذي كان يلقّبه دائما بصاحب المنطق، دون أدنى شعور بالدونية أو النقص تجاهه أو تجاه ثقافته اليونانية. لقد أثار الجاحظ الشك المنهجي من مكامنه وبثّه في نفوس قرّائه وتلاميذه. ومما يروى عنه في ذلك قوله:
«واعرف مواضع الشَّك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة لـه، وتعلَّم الشَّك في المشكوك فيه تعلّماً، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرّف التوقّف ثُمَّ التَّثبّت، لقد كان ذلك مما يُحتاج إليه. ثمَّ اعلم أنَّ الشَّكَّ في طبقاتٍ عند جميعهم، ولم يُجمعوا على أنَّ اليقين طبقات في القوَّة والضَّعف».
وقوله:
«لم يكن هناك يقين قط، حتى كان هناك شك».
وقوله:
«وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمى باليونانية «طبقون»، حية صغيرة شديدة اللدغ إلا أنها تُعالج بحجر يخرج من بعض قبور قدماء الملوك-، ولم أفهم هذا ولمَ كان ذلك؟!».
وقوله:
«زعم صاحب المنطق أنْ قد ظهرت حية لها رأسان، فسألتُ أعرابيًا عن ذلك فزعم أن ذلك حق، فقلت له: فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ فقال: فأما السعي فلا تسعى؛ ولكنها تسعى على حاجتها بالتقلّب كما يتقلب الصبيان على الرمل، وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغذى بفم، وأما العضّ فأنها تعضّ برأسيها معًا. فإذا هو أكذب البرية».
إن المنطق الذي أقام عليه الحدقيّ فلسفته في الشك يتقاطع بشكل من الأشكال مع مبدأ الشك الذي قال به بعد ذلك بقرون الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes (1596-1650م)؛ أقصد إلى ذلك الشك الذي يسعى إلى القبض على جوهر الحقيقة وإنّيتها (كينونتها)؛ إذ لم تكن عينا أبي عثمان الجاحظتان سوى ماقِئَيْن واسعين كان ينقش عليهما كل ما يقع تحت بصره من معارف ومدركات وعلوم عصره. فمن عين الرؤية إلى عين الرؤيا كانت رحلة الجاحظ.

-3-

يقول الجاحظ في مقدمة (الحيوان):
«جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين الصدق سببا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذِّلّة، وما في الجهل من القِلّة».
هكذا، يعتمد الجاحظ في نثريته على الطاقة الكامنة وراء استخدامه ضمير المخاطب بتنويعاته المختلفة (مفرد/ جمع، حضور/ غياب)، وبما ينطوي عليه من حميمية بين المتكلّم والمتلقّي (السامع/ القارئ)، وحوارية تنهض بوظيفة التواصل المعرفي، ومحاججة تجعل من خطابه متنًا بليغا يستلهم عددا من استراتيجيات النثر الحجاجي التي تسهم كلها في تشكيل صورة لقارئ ضمني يسلم للجاحظ بالإنصات والتصديق والموثوقية.
فضلا عن ذلك، فإن اتّكاء بلاغة الخطاب الجاحظي على أساليب الضحك والتهكّم والسخرية من شأنه أن يخفف من قتامة واستعصاء ما يتناوله من أفكار تتصل بالواقع الثقافي العربي في القرن الثاني للهجرة، سواء كانت أفكارا سياسية أو دينية أو اجتماعية أو تاريخية أو كانت تتصل بالرجل أو المرأة أو الحيوان أو الخرافات أو غير ذلك من أحوال العوام أو الخواص من الناس. ولعلّ أبلغ مثال، في مدوّنة الجاحظ العريضة، على مزج الحجاج بالتهكّم وتوليد الأساليب البلاغية والعقلية هو كتابه (البخلاء) ورسالته في (الجدّ والهزل). يقال إن أبا عثمان مزح ذات يوم مع امرأة طويلة فقال لها: «انزلي كُلِي معنا، فأجابته - وهو القصير الدميم- اصعد وانظر السماء».
ويقول، مثلا، في (رسالة الجد والهزل):
«أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب برازين وأنا صاحب حمير، وأنت ركين وأنا عجول، وأنت تدبّر لنفسك وتقيم أَوَدَ غيرك وتتسع لجميع الرعية وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة وأنا أعجز عن تدبير أمتي وعبدي، وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا أصف، وأنت مقدم وأنا تابع، ... إلخ».
لقد صوّر الجاحظ في (البخلاء) كل من التقى بهم في البصرة أو مرو أو غيرهما من المدن العربية والفارسية التي طاف بها، خصوصا من يقعون تحت طائلة البخلاء، وصفا نفسيا واجتماعيا وفكاهيا ساخرا، مبرزا سلوكاتهم وحركاتهم القلقة ونظراتهم غير المطمئنّة، مازجا ذلك كله بقدرته العجيبة على رواية الأخبار والنوادر والشعر والأحاديث والآثار التي تجعل من الكتاب متنا أدبيا هجينا وراقيا من متون النثر العربي القديم.

-4-

كان من الممكن أن تنطلق مركبة البلاغة والنقد العربي إذا ما اشتغلت على نثر الجاحظ وابن المقفع والتوحيدي، وغيرهم من كتّاب النثر العربي كأصحاب المقامات الأدبية والرسائل، لكنّنا يمكن أن نستثني بلاغيا عُنِي بهذه الزاوية بعض العناية هو عبد القاهر الجرجاني الذي انشغل بقضية النظم التي أقامها في (دلائل الإعجاز) على مقاطع من القرآن الكريم. ولعل المعيار الذي حلّل على أساسه الجرجاني بعضا من آيات القرآن قريب من المعيار الذي كان يتحرك على أساسه صاحب المنطق - أقصد أرسطوطاليس - عندما كان يفرّق ما بين «الغنائية» والدرامية» والملحمية» فَعُدّت أفكار أرسطو في هذا المضمار النواة الأولى لنظرية الأنواع التي اشتغل عليها لاحقا بعض الشكليين الروس وناقد كبير مثل ميخائيل باختين وكثيرون من البنيويين السوسيولوجيين وغيرهم، بينما أصيبت مركبة النقد والبلاغة العربية بعطب مستديم. لقد حرمتنا البلاغة العربية القديمة من إمكان نشوء تظرية نقدية عربية خاصة بالأنواع النثرية؛ إذ إنها قد اكتفت فقط بالشعر وبعض من آي القرآن الكريم. يقول الجاحظ:
«المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي, والحضري والبدوي, والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج ... وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير..».
منذ ما يقرب من خمس وستين سنة، وتحديدا في الحادي والعشرين من فبراير عام 1948م، كتب توفيق الحكيم مقالا في صحيفة (أخبار اليوم) المصرية تحت عنوان «الجاحظ ينظر إلينا»، يصف فيه علاقته بالتراث العربي وهو في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، مقارنا ذلك بما آل إليه الوضع زمن كتابة المقال، ومتعجبا من انتشار الجهل وغياب التقدير لأرباب القلم الذي أثْروا الثقافة العربية، وفي مقدّمتهم الجاحظ كما يقول. ولأنني لا أجد ما أقوله مبرّرا سبب الكتابة عن صاحب قلم ومثقّف ينتمي إلى القرن الثاني الهجري سوى كلمات الحكيم فإنني أقتطع منها قوله:
«ذلك هو عصر الجهل الشامل الذي نعيش فيه.. وما أرى الجاحظ إلا راضيا عن نفسه قانعا بمصيره، لو أتيح له أن ينظر إلينا اليوم من غابر زمانه..».
(كاتب مصري)
المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

9 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.