القوة الناعمة في الثقافة العربية وإشكالية العلاقة بين التراث والمعاصرة

الاثنين, August 6, 2018
كاتب المقالة: 

أي جيل مهما استجدت عليه روافد جديدة تذهب به باتجاه تغيير مفاهيمه حول قضايا أساسية في الحياة قد تجعله يبدو في حالة قطيعة ثقافية مع الأجيال التي سبقته، ليس من السهل أن يتخطى كليا موروث مجتمعه الذي توغل في الوجدان الجمعي وباتت سماته واضحة عليه بقدر وضوحها على المجتمع برمته بكافة طبقاته وشرائحه، بمعزل عن طبيعة الصراع القائم بين مكوناته سواء اكتسب دلالة طبقية أو سياسية أو أيديولوجية أو عقائدية، وهذه السمات لن يتمكن الفرد من إخفائها مهما حاول النأي عنها، وهذا ما عبّر عنه بشـــكل رمزي الكاتب السوداني الطيب صالح في النهاية التي رسمها لشخصية «مصطفى سعيد» بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال». ربما ينجح الفرد في مواقف معينة في تغييبهاعندما يكون في حالة استرخاء، إلاَّ انه لن يستطيع تفادي حضورها في مواقف أخرى يكون فيها أقرب إلى حالة تحد وجودي أمام الآخر المختلف عنه ثقافيا.

نوستالجيا التراث

على الأرجح كلما تقدم العمر بالكائن الإنساني سيجد نفسه يتخلى عن مواقفه المتشددة ضد التراث بالشكل وشيئا فشيئا سيحيطه في فترات متأخرة من عمره بمشاعر دافئة هي أقرب إلى الاحتفاء به، وقد ترتقي هذه المشاعر إلى مستوى التقديس، وهذا أمر يبدو طبيعيا وشائعا في مجتمعاتنا العربية، ربما لأن اليوم الذي يمضي من أعمارنا دائما ما يكون أفضل مما هو مقبل، وليس بعيدا أن تهيمن على هذا الإنسان العربي «نوستالجيا»عالية ما أن يقف أمام أيقونة تعود في دلالتها إلى التراث، مقابل ذلك نجد في الناحية الأخرى أصواتا منفردة تتعالى في موقفها الرافض للماضي سعيا منها للخروج من عبء ترداد مقولات جاهزة مع كورس التراث المنضبط الإيقاع، وعادة ما تكون مثل هذه الأصوات لديها توق كبير في الانفلات من أسر الضوابط والتقاليد التي أنتجها الموروث، مع أنها تدرك تماما طبيعة التحديات التي ستواجهها من قبل حراس معبد الماضي، ومثل هذه النماذج لن يتوقف حضورها في المشهد الثقافي، وهي تعبّر بما تحمله من تطلعات، عن رغبتها بالانسلاخ بعيدا عن كل ما له صلة بالماضي والموروث، إلاّ أن ثباتها على هذه الرؤية تحكمه عوامل عديدة، منها ما يرتبط أصلا بعمق تجربتها من الناحية الثقافية، وأصالة اسئلتها المطروحة، هذا إضافة إلى طبيعة الحراك الثقافي العام ومدى حيويته وقدرته على أن يكون مؤثرا في الوعي الجمعــــي،لأن إشكالية العلاقة بين التراث والمعاصرة مرتبطة بالبيئة الاجتماعية وما تمتلكه من قنوات اتصال وتواصل مع غيرها من المجتمعات الأخرى.

الحرية هي الثمن

في هذا السياق الجدلي مع كل الإشارات الاستثنائية عادة ما تكون الحرية في مفهومها المطلق وإطارها الأوسع هي التي ستدفع الضريبة، وغالبا ما تكون باهظة لأن القوى المحافظة لن تتزحزح من مكانها الذي تحافظ عليه بالفطرة قبل أي منطلقات أيديولوجية تتسلح بها، ومن المنطقي أن تكون لديها أجوبة جاهزة تحتفظ بها دائما دفاعا عن تمسكها بالزمن الذي تنتمي له بكل مفرداته الثقافية، وستكون متأهبة على الدوام للرد وبقسوة على كل الأصوات التي تحاول التنصل من الماضي من غير اعتبار لما تحمله هذه الأصوات من رؤية موضوعية تميزها عن أصوات أخرى لها أيضا موقف رافض يحمل قدرا من التقاطع أو الافتراق، في إطار العلاقة مع التراث. 
دائما ما يطرح هذا التساؤل: لماذا بقيت ثقافتنا العربية رهينة ممارسة قرائية تقليدية، بدون أن تمنح نفسها فرصة الانفتاح على أي جهد يتحرك في إطار تحديثها بكل أدواتها وأساليبها، وما تنتجه من تقاليد، مع أن محاولات التجديد لم تنقطع على طوال مسار الثقافة العربية، ابتداء من العهد الأموي والعباسي وانفتاحهما على ثقافات الشعوب الأخرى، مثل الإغريق والفرس والهنود، وهذا ما بدا واضحا بشكل جلي في ارتفاع وتيرة الترجمة عن تلك الشعوب، التي نهض بها مترجمون عرب سريان، وقد بلغ الوعي النهضوي مديات لافتة في منتصف القرن التاسع عشر، عندما حاولت أصوات عديدة الانفلات من بوتقة الموروث، أمثال محمد عبده، جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، إبراهيم اليازجي، جبران خليل جبران، مي زيادة، بطــــرس البســتاني، وأخيرا وليس آخرا طه حسين، آنذاك انفتحت الثقافة العربية على روافد جديدة، سواء في الصحافة أو الأدب أو المسرح، ولكن هذا الانفتاح بقي محدودا في إطار نخبوي ضيق، ولم يستطع أن يترك في الوعي المجتمعي آثارا عميقة، إذا ما قورن هذا التأثير مع سلطة التراث.

بداية انحراف الوعي

المفارقة التي تدعو أحيانا إلى الإحباط، أنه وبالقدر الذي لم تنطفئ في البيئة الثقافية العربية النزعة إلى التجديد، رغم سطوة الماضي إلاّ أن تيار الارتداد إلى الخلف بات أشد قوة وتشددا، عما كان عليه في مطلع القرن العشرين، ويمكن ملاحظة صعود هذا الانحراف في الوعي الثقافي مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وإن كانت مقدماته بدأت في منتصف سبعينيات القرن العشرين، ومن جانبنا نعزو أسباب ذلك الارتداد بشكل جوهري إلى التأثير الخطير الذي تمخض عن مجيىء الخميني إلى السلطة في ايران عام 1979، حيث بدأت مع صعود الملالي إلى السلطة، الأفكار الماضوية المتطرفة تعلن عن وجودها وتمددها في المجتمعات العربية والإســـلامية، وفق قانون الفعل ورد الفعل، ولكن في أسوأ حالات التعـــبير عنه، أي في إطار صراع مذهبي أعمى، إلى أن وصل هذا الارتداد الثقافي إلى ما وصل إليه اليوم من تخندق أقلياتي، وبات يكتسب توصيفه الديني أو الطائفي أو المناطقي، حسب هوية القوى والمتناحرة.

محنة القوة الناعمة

في سياق الثقافة العربية المعاصرة لو عدنا إلى الوراء قليلا وتوقفنا عند النصف الثاني من القرن التاسع عشر بما قدمته هذه الثقافة من محاولات رائدة في إطار التحديث لكل منظومة الحياة، رغم صلابة البيئة الاجتماعية بما كانت تحمله من موروث ديني لا يقبل الجدل ولا النقاش في العديد من المسائل الجوهرية، التي هي في دائرة اهتمام القوة الناعمة الجديدة والتي أخذت تطرح أسئلتها آنذاك بعد أن واجه رموزها صدمة حضارية أثناء دراستهم في أوروبا نتيجة ما كان يشهده العالم الغربي من تحولات ثقافية عميقة، وإذا ما أردنا أن نتفحص ما كانت تحمله البيئة الثقافية العربية من حدود وممكنات وآفاق، فما الذي يمكن أن نواجهه في ثقافة الأمس التي لم تخرج في بنيتها عن منظومة عصرها، بما كانت تهيمن عليها سلطة الثقافة الدينية، وما تفرضه هذه السلطة من حدود ضيقة أمــــام إمكانية طرح أسئلة قد تأتي من خـــارج منظومتها، وحتى لو كانت تلك الأســـئلة تغازل قلقا عند حواف الوقت الراكد، فإنها لن تمتلك الجرأة على الاقتراب من فضـــاء الانعتاق التام، وفي ما لو حصل ذلك فإن الزمن لن يطول كثيرا قبل أن يكون السائل مطوقا بسهام كثيرة، ويتوجب عليه ساعتها أن يختار إمّا الانحناء أو مواجهة طريق ملغم بالمشاق.
نحن على موعد دائم مع خطاب ثقافي لا يقطع صلته بالتراث، وهذه الصلة تتنوع في قراءاتها، منها ما تؤكد على صلتها الوثيقة معه، ومنها ما ستجد فيه ممكنات معينة تصلح أن تكون في علاقة حيوية مع الحاضر، في الوقت نفسه لن يغيب الموقف الذي يصرّ على عقم العلاقة مع التراث، إذا ما بقي محتميا بسلطةِ وعيٍ جمعي مفرداته التبجيل والتعظيم والتقديس. 
في كل الأحوال لن تنتهي المواجهة بين التراث والمعاصرة بالحسم لصـــالح واحـــد منهـــما، وأســـباب ذلك تـعـود إلى أن هــــنالك إصرارا دائما من قبل المجتمعات على اختلاف ثقافاتها، رغم توالد الأجيال، بالمحافظة على مكانة ممــــيزة لكل ما يتعلق بتــراثها، والصــراع بينهما بما يثيره من جدل سيبقى قائما.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

10 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.