القرصنة والتزوير والتعدّي على الحقوق تشعل الحروب بين الناشرين

الأحد, May 29, 2016
كاتب المقالة: 

في الدورة السادسة والأربعين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، مطلع عام 2015، قامت إدارة المعرض، متمثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب ورئيسها حينذاك أحمد مجاهد، بإصدار قرار بغلق مقر دار منشورات (الجمل) لصاحبها الناشر والشاعر العراقي خالد المعالي. جاء ذلك بعد شكوى تقدّمت بها دار (الآداب) اللبنانية لملاكها ورثة الروائي اللبناني الراحل سهيل إدريس.

قرار غلق وتشميع جناح دار الجمل في المعرض جاء على خلفية وجود كتب مزوّرة لدى الدار، أو بالأحرى كتب تعود ملكية حقوق ترجمتها إلى دار الآداب، واشتملت تلك القائمة على ثلاثة عناوين هي: «الغريب» للفرنسي ألبير كامو، و«زوربا» لليوناني نيكوسكازنتزاكي، و»لقيطة إسطنبول» للتركية إليفشافاق.
وبعيداً عن فكرة أن القانون هنا طال «الجمل» وحدها ولم يطل باقي الناشرين ممن ينشرون كتباً لا يمتلكون حقوقها، تظل مسألة حقوق النشر المتعلقة بالأعمال الأدبية المترجمة وغير المترجمة مشكلة سائدة بين الكثير من الناشرين في المنطقة العربية، إذ تنفجر بين الحين والآخر الخلافات بين الناشرين حول أعمال معينة، يقوم أحدهم بنشرها بدون حقوق، ليظهر طرف آخر مالك لحقوق الترجمة والنشر ويطالب بمنع الآخر. حفاظاً على مصالحه التجارية، واحتراماً لعقود حقوق الملكية، وكان آخر تلك الخلافات الأزمة التي نشبت بين دار النشر المصرية (مصر العربية للنشر والتوزيع)، ودار (طوى للثقافة والنشر والإعلام) اللبنانية، حيث قام الناشر الأخير بطباعة رواية «صلاة تشيرنوبل للبيلاروسية المتوّجة بنوبل للآداب في نسختها الأخيرة سفيتلاناألكسييفيتش.

اللجوء لاتحاد الناشرين العرب
وعن هذه الواقعة يقول الناشر أحمد الملا، مدير دار مصر العربية للنشر: «دفعنا مبالغ مالية للوكالة الأدبية التي تمتلك حقوق ترجمة رواية «صلاة تشيرنوبل»، لكنني فوجئت بأن دار طوى أصدرت طبعتها من هذا الكتاب. وليس لهم أي حق في ذلك. ومع ذلك، حاولت في البداية أن أحل الأزمة بشكل ودي، وطلبت من مدير دار طوى أن يوقف الطباعة أو ينهي بيع الكمية التي طبعها ومن ثم يدفع تعويضا للمؤلفة وللناشر، لكن الرجل لم يوافق على ذلك، وقال إنه يشعر بأن هذه الصيغة أقرب إلى العقاب منها إلى الاتفاق. وبالتالي فشلت المفاوضات الودية، فلجأنا للصحافة وأيضا لاتحاد الناشرين العرب واتحاد الناشرين المصريين.  وقد قام هذا الأخير بلعب دور الوسيط بيننا وبين اتحاد الناشرين العرب، وشكاوانا أخذت وقتها، لأن هناك تحقيقا جرى، فقد كان المسؤولون في اتحاد الناشرين العرب يوجهون الأسئلة لي كمدير لدار مصر العربية، وللمسؤولين عن دار طوى. ومع سير الأحداث يبدو أن مسؤولي طوى شعروا بضعف موقفهم، حتى أنهم في مسار التحقيقات قالوا إنهم طبعوا 1000 نسخة من الكتاب، والحقيقة أنا أشك في هذا الرقم وأعتقد انهم طبعوا أكثر من ألف».
الشكوى التي تقدمت بها مصر العربية انتهت بقرار من اتحاد الناشرين العرب بمصادرة كل نسخ الكتاب الموجودة طرف دار طوى، وهو ما أعلن عنه وائل الملا المدير العام لدار مصر العربية، حيث كتب عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك): «بخصوص شكوانا في حق طوى للثقافة والنشر والإعلام والخاصة بطباعتهم كتاب صلاة تشرنوبل بدون حق، وبالتعدي على حق مصر العربية للنشر والتوزيع والمؤلفة, وفي قرار منصف ينتصر لحقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر أصدرت لجنة الملكية الفكرية في اتحاد الناشرين العرب قرارها التالي (بالإجماع): قبولها في الأساس (مضموناً) لتعلقها بالتعدي على حقوق المؤلف من جهة والتعدي على حقوق الغير العقدية من جهة ثانية.اعتبار مصنف «صلاة تشرنوبل» ترجمة ثائر زين الدين وفريد حاتم الشحف الصادر عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام    ) لبنان) غير حائز على إذن المؤلف ومتعدياً على حقوق الغير ومنعه من التداول ووضعه على اللائحة السوداء.
تسليم كافة الكتب الموجودوة في مخازن دار طوى وكافة العناصر الطباعية ذات الصلة إلى نقابة اتحاد الناشرين في لبنان.
التعويض على المؤلفة بمبلغ 783 يورو، وللناشر مصر العربية للنشر والتوزيع بمبلغ 1600 دولار أمريكي.
إعطاء مهلة شهر لتنفيذ القرار وتسليم اللجنة الأوراق الثبوتية.
يعقّب وائل الملا على قرارات اتحاد الناشرين العرب: «الكتاب سيكون على اللائحة السوداء في معارض الكتاب العربية المختلفة. ولم يوجد الكتاب في النسخة الأخيرة من معرض أبوظبي للكتاب. النسخة المجرّمة من الكتاب تم إرسالها لمديري معارض الكتاب العربية، ورؤساء الاتحادات الوطنية، وكلهم أعضاء مجلس إدارة الاتحاد العربي، والأمين العام وأيضاً رئيس الاتحاد العربي».
لكن، هل قرارات وتوصيات اتحاد الناشرين العرب واجبة النفاذ على دار طوى؟ يقول الملا: «مديرو دار طوى استشكلوا على قرارات اتحاد الناشرين العرب، فهم يرون أنهم واقعين تحت عقوبة مزدوجة: تكلفة الطباعة التي دفعتها الدار، وأيضاً الغرامة المفروضة من قبل اتحاد الناشرين العرب. لكن في اعتقادي أنهم سيرضخون للقرارات، لأن الناشر في نهاية الأمر هو سمعته وصيته الطيب في سوق النشر، ولذلك سيحرصون على تنفيذها للحفاظ على السمعة».
وعن مقترحاته لتفادي مشكلات حقوق الكتب والمؤلف والترجمة والاشتباكات التي تندلع بسبب تلك الحقوق بين الحين والآخر بين دور النشر العربية المختلفة، يقول مدير دار مصر العربية: «تفعيل القوانين أهم شيء، أيضاً تغليظ العقوبات سيكون مهماً، القانون يجب أن يكون رادعاً، لأن القوانين الحالية ضعيفة من وجهة نظري، ماعدا القوانين المطبقة في دولة الإمارات العربية المتحدة، فهناك يتم إغلاق أجنحة الناشرين المتجاوزين في مسألة الحقوق. أيضاً على الناشرين أن يعرفوا القنوات التي عليهم اتباعها حال وقوع تعد على حقوقهم، وتلك القنوات هي اتحاد الناشرين العرب واتحاد الناشرين المحلي في كل دولة عربية، وقد قام الاتحادين العربي والمصري بالتعاون في شكواي رغم أنني لست عضواً في اتحاد الناشرين العرب».

هيئة حكومية تسطوعلى حقوق «التنوير»
شريف جوزيف رزق، مدير دار التنوير في القاهرة، يؤكد هو الآخر على تعرض داره لخسائر بسبب تعدي بعض الناشرين على حقوق الدار، التي تمتلك حقوق الترجمة، وكان آخرها قيام هيئة ثقافية حكومية بنشر أحد الكتب التي تمتلك دار التنوير حقوقها. هذا بخلاف الخسائر الناتجة من تزوير الكتاب بشكل كامل ومن مطابع مجهولة الهوية: «هناك أمران يؤديان للخسارة، الأول والأكبر هو الكتب المزوّرة التي تُباع على الأرصفة، والأمر الآخر تعدي دار نشر على حقوق دار أخرى في ما يخص الكتب المترجمة، مثل رواية «لعبة العروش» لجورج ر. مارتن، التي أصبحت تباع على الأرصفة في طبعة مزورة رديئة الجودة ومجهولة المصدر. وباعت 2000 نسخة في مصر، باعت منها دار التنوير 7000 فقط وسيكون من الصعب علينا كدار نشر تعقّب كل (فرشة) كتب تبيع نسخاً مزورة، والقانون هنا ينص على حقنا في 5000 جنيه من كل من يبيع نسخة مزورة. القوانين هشة كما ترى وليست رادعة، حتى أنني سمعت أن بعض الناشرين يحضرون إلى معرض القاهرة للكتاب ويجهّزون 5000 جنيه قيمة الغرامة، لأنهم يعرفون أنهم سيبيعون من الكتاب المزور أو الذي لا يمتلكون حقوقه ما يضمن لهم أكثر من ذلك المبلغ الضئيل».
ويضيف جوزيف روزق: «الأمر الآخر الذي يؤدي للخسارة هو قيام دار نشر بطباعة كتاب نمتلك نحن كافة حقوقه، مثلاً رواية «المعلم ومارغريتا»، للروسي ميخائيل بولغاكوف، دار المدى طبعتها بترجمة المترجم نفسه، رغم أنها لا تمتلك حقوق الترجمة الخاصة بها، وأستطيع أن أقول إن الكثير من كتب دار المدى مقرصنة. كما كان المركز الثقافي العربي يطبع قبل فترة طويلة بعض أعمال الروائي ربيع جابر بدون حقوق، وكذلك طبعوا أعمال عبد الرحمن منيف بدون حقوق، وفي هذه الحالة مثلاً يجب أن يكون التحرك صادراً من قبل ورثة المؤلف بالتعاون مع الناشر صاحب الحقوق».
وبكثير من الإندهاش يقول رزق: «لكن تخيّل ما هو أفدح من ذلك، هو أن تقوم جهة حكومية تابعة لوزارة الثقافة، ومنوط بها بشكل أو بآخر حماية الكتاب، تخيل أن تقوم تلك الجهة بالسطو على حقوق الغير في الكتب؟ هذا حدث معنا في دار التنوير، فقد قامت هيئة ثقافية تابعة للدولة بنشر كتاب نمتلك حقوقه كاملة، حقوق المؤلف وحقوق الترجمة».وحول استجابة الدار المتعدية للشكاوى المقدمة من الدار صاحبة الحقوق يقول رزق: «الاستجابة في هذه الحالات يكون أقوى في حال تفعيل الشكوى خلال معارض الكتاب، لأن مستقبل مشاركة تلك الدار المتعدية ـ في المعرض الذي تلقى الشكوى يكون في خطر، لكن خارج المعارض

المصدر: 
أخبار ليبيا
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.