دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

الغش في منظومة صناعة الفاشلين

الأحد, June 14, 2015
كاتب المقالة: 

في حين كانت وزيرة التربية منشغلة بدفع تهمة التقصير عن الوزارة حيال الخطأ في هوية شاعر عربي، والتقليل من شأن حالات الغش بدخول وسائط الاتصال العصرية على الخط، لم نلتفت إلى بقية الخطايا المسكوت عنها في مجمل فصول هذا الاستحقاق الخطير، كأن نتوقف قليلا عند الغاية أصلا من هذا الامتحان، وهل يشكل فعلا وسيلة موضوعية وعادلة لتحقيق الفرز، والفصل بكل شفافية وإنصاف بين من يحق له الالتحاق بالتعليم العالي، ومن حق عليه العودة إلى صفوف صناعة الفشل وإعادة تدوير الفاشلين؟
بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال وعقود كثيرة من تجربة المجرّب في منظومةٍ تربوية منكوبة، لم يبادر أي طرف من الأطراف المعنية بمنظومة التعليم إلى طرح فرضية الاستغناء عن البكالوريا كجسر عبور وتواصل بين التعليم الثانوي والجامعي، كان قد ابتدعها نابليون منذ أكثر من قرنين، كأداة إكراه وسيطرة لبسط السلطة الملكية للدولة على المنظومة التعليمية الخاصة، ومنها تحديداً التعليم داخل المؤسسات الكنسية، وليس كوسيلة فرز وتأهيل بأهداف بيداغوجية صرفة.

أسبابٌ وجيهة كثيرة كانت توجب منذ عقود إعادة النظر في الحاجة إلى هذا الاستحقاق كبوّابة عبور الزامية نحو التعليم العالي، وهل هي فعلا أداة لا غنى عنها لتحقيق الفرز، ومنع وصول الفاشلين إلى الجامعات والكليات؟ أم هي أداة إقصاء سنوي فعّالة لأكثر من نصف رواد الطور التعليمي الإجباري، وتضييق بوابة التسلل إلى الوظائف والمهن ذات القيمة الاجتماعية المضافة؟

ومن أهمّ الأسباب، أن هذا الامتحان لم يعد يفي بوظيفته البيداغوجية الأولى، تحقيق فرز موضوعي يثمّن الكفاءة، ولا بوظيفته الثانية كأداة فعالة لتقييم مردود الطور التعليمي الثانوي، وإلا كان واجبا على السلطات أن تعلن حالة الطوارئ، وتصنف التعليم كقطاع منكوب.

ولنا أن نعلم أنه ـ وباستثناء فرنسا وبعض الدول الأوروبية اللاتينية ـ فإن معظم الدول المتقدمة الأنغلوساكسونية، والنمور الأسيوية، قد اختارت أدوات بديلة للفرز وتأهيل التلاميذ للالتحاق بالتعليم العالي، منحت هامشا واسعا للجامعات والكليات لتنظيم اختبارات حقيقية للفرز، وأوجدت إلى جانبها مؤسسات مختصة تعدّ التلاميذ لخوض هذا النوع من الامتحانات القاسية، كما اجتهدت في تنويع منافذ الالتحاق بالكليات والمعاهد المختصة تستوعب البقية وفق مبدأ: كل حسب طاقته ومؤهلاته واجتهاده، ولكل حسب طموحاته وحاجات سوق العمل.

وإذا كان لا بد من التوقف عند ما أشيع عن حالات الغش، التي تبقى محدودة غير مؤثرة، فإن الوزارة هي أول من ينبغي أن توجّه لها تهمة الغش الموصوف، بل والنصب والاحتيال على التلاميذ والأولياء، بإدارة منظومة تعليمية قاصرة فاشلة، بنسب نجاح تتراجع من سنة إلى أخرى، يفترض أن تُلزم الحكومة بواحد من الخيارات الثلاثة: الاعتراف بفشل المنظومة ورصد مواطن الغش فيها، ثم الذهاب إلى إصلاح جذري، أو ابتكار مسارات أخرى للعبور بالتلاميذ إلى الطور الجامعي، لا تقصي كل سنة قرابة ثلثي التلاميذ، أو الاستغناء عن هذا الامتحان الذي يفضح الوزارة والحكومة كل سنة، ويفضح بالمعيّة مجمل المنظومة التعليمية، في بلدٍ يخصص ثلث ميزانيته لمؤسّسةٍ فاشلة تتفوّق بامتياز في صناعة الفاشلين.

المصدر: 
الشروق
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

13 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.