العولمة والإسلام..رؤيتان للعالم

السبت, December 26, 2015
كاتب المقالة: 

تمثل العولمة نموذجاً معرفياً ورؤى خاصة تتعلق بالكون والعالم والإنسان والحياة، حاولت أن تمكّنها وتروّج لها باللين أحياناً، وبالعنف أحياناً أخرى، ما خلق أنواعاً من التصادمات مع حضارات أخرى راسخة بالقيم والعقائد والثقافة والمعرفة. والإسلام برؤيته المبنية على الاختلاف والتنوع والتعدد والتعارف كان ممن تعامل مع العولمة، وتراوحت ردود أفعاله بين القبول والتسليم والرفض والتنافر.

وفي كتاب «العولمة والإسلام» يقرأ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح العلاقة بين الإسلام والعولمة من جابنها المعرفي بما تثيره من إشكالات جوهرية، وكذلك في جانبها المنهجي، بحيث تحدد العلاقة بين مناهج النظر للعلاقة ومناهج التعامل والتناول، معتمداً على قراءات ثلاث هي: القراءة في الدواعي ودواعي القراءة، وقراءة التشريح والترشيح، وأخيراً، القراءة المقارنة والناقدة كمقدمة لإعادة البناء أو التأسيس. ‏

بداية، يشير الدكتور عبد الفتاح إلى أن العولمة تتطلب مواجهة ـ بما تمثله من تحديات ـ من جنس حركتها وتصوراتها، والقضية ليست في تسجيل المواقف أو تبني توجه بعينه، أو الدخول ضمن توجهات النقاش المحتدم، بل العمل على محاكاة علم المعرفة بعيداً عن خطاب الانفعال والافتعال، ذلك أن العولمة وما تمثله من كونها (رؤية ومفهوماً ونموذجاً ومنظومة) فإنها قبل كل ذلك (عملية)، بينما النظر إلى الإسلام يمكن أن يكون على مستوى الأوصاف المذكورة آنفاً من دون الحديث عنه أنه عملية، إلا في منظوره التاريخي، إلا أن الغرب وبما يحمله من مشروع العولمة على تفاوت بين أركانه ومعطياته، وعلى تفاوت بين حجم الإدراكات لا أصل التصورات؛ يرغب وبشكل لامنهجي في تصور الإسلام عملية من دون أدنى تمييز بين الإسلام وعالم المسلمين. ‏

ويؤكد الدكتور عبد الفتاح على أن العلاقه بين الإسلام والعولمة أو موقفه منها يجب أن يتجاوز التوفيق بينهما «ليندمج في هذا العالم الجديد، ويقوم برسالته من خلال تطويره وتجديده بالاجتهاد». لأن الإسلام في جوهره يعطي للعالم بما يشتمل على رؤية للإنسان والمجتمع الإنساني، ومقاصده هي مقاصد حفظ إنسانية هذا الإنسان، وتماسك هذا المجتمع،وذلك في الزمان والمكان وعبر التاريخ.. كل لا يتجزأ، منظومة مترابطة معادية للتفكيك، موالية للإنسان. فإذا كانت العولمةتتحدى الإنسان،وتسعى لتفتيت المجتمع وتنشأ حسب ـ زيغموند باون ـ بالتجمع على أنقاض المجتمع، فالقضية هنا ليست رفضاً أو قبولاً، إنما هي في طرح الأسئلة الحقيقية وإدراك طبيعة العولمة الحقيقية لا المتوهمة، حتى نستطيع التعامل معها بوضوح وبشكل متفاعل، ونقدي ، وتوليدي بناء. وضمن هذا السياق، يشير الدكتور عبد الفتاح إلى أن التعامل مع العولمة كنموذج معرفي، يضيف إلى إمكاناتنا فهماً أعمق لقضية العولمة، يتضمن رؤية للعالم والوجود والواقع بكل تشابكاته وامتداداته، وهو أيضاً يشتمل على بناء نظري، وبناء مفاهيمي وتفسيري هذه العناصر جميعاً تتيح إمكانية المقارنة والنقد ضمن أنساق معرفية مختلفة ومتمايزة ورؤى حضارية متنوعة ومتعددة. ‏

في حين تناول في قراءته الناقدة الكشف عن شبكة الارتباطات الكامنة والظاهرة بين مجموعة من الأفكار مثل حوار الحضارات وتصادمها، مظاهر العولمة، على اختلاف توجهاتها. ‏

مشيراً إلى أن هذه العلاقة تشكل دلالة هامة على حوار الحضارات المأزوم والهادف إلى تنميط البشر، خروجاً على سنة الاختلاف وحقائق التنوع والتعدد الثقافية، وصدام الحضارات المزعوم الذي يرمي إلى تصنيف الأعداء والخصوم داخل الدوائر الحضارية المتنوعة الهادفة إلى إشاعة إشكال التهديد، بين حوار للحضارات أسيء استخدامه كآلية وبين صدام للحضارات يلقي الأوصاف جزافاً على الحضارات، ويحدد الموقف منها مصنفاً إياهاً في دائرة الأعداء والخصوم، لتأتي العولمة وتكرس مايسمى (القرية الكونية) و(الثورةالاتصاليةوالمعلوماتية) ضمن قشرة حوارية تشير إلى معاني (الحوار الزائف) لا الحقيقي، وإيديولوجية صدامية تعنى (بصناعة العدو). وصار الأمر متفاعلاًفي علاقة متفاعلة ومستطرقة في آن واحد. ‏

هذه الفجوات ـ حسب رأي عبد الفتاح ـ تشير إلى افتقاد عمليات العولمة ومقولات الحوار الحضاري كما يمارس على الأرض، ودعاوى صدام الحضارات كما يروّج لهاو افتقادها إلى البنية الأساسية التي تؤكد عليها الرؤية الإسلامية ضمن عالمية الاستخلاف، التي تجعل من مفهوم (تعارف الحضارات) والعمليات المترتبة عليه، والمقاصد المرتبطةبه، والاليات التي تشتق منه خروجاً على افتراس العولمة ومقصدها في تنميط البشر.. إن تعارف الحضارات ليس إلا واحداً من قسمات رؤية العالم من منظورالرؤية الإسلامية، ينفي ذلك المفهوم عن معنى العالمية كل معاني الطغيان، ويقصي عن الحوار كل ممارساته الزائفة، ويكشف معاني الافتعال في دعوى صدام الحضارات وهذا ما يؤكد أننا أمام عالميتين للعالم؛ عالمية الاستخلاف والتعارف وعولمة الاستئثار والغلبة. ‏

‏الكتاب: العولمة والإسلام ـ رؤيتان للعالم. ‏

المؤلف: د. سيف الدين عبد الفتاح. ‏

الناشر: دار الفكر 

 

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.