العمل السياسي حق للمرأة ترشيحاً وانتخاباً

الجمعة, May 17, 2013
كاتب المقالة: 

أكد الفقيه الأزهري د . علي جمعة مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء، أنه لا يحق لأحد إقصاء المرأة المسلمة عن العمل السياسي تحت أي شعار . وقال إن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة في الحقوق ومن بينها الحقوق السياسية . وأشار مفتي مصر السابق إلى أن الدعاة مطالبون بأن يوضحوا للناس بالأدلة والبراهين أن الإسلام لا يعادي التقدم، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية ترفض كل أشكال العنف ضد المرأة، وداعياً إلى مواجهة الفوضى السلوكية المنتشرة في كثير من البلاد العربية بالتربية الإسلامية الصحيحة . وفي ما يلي نص حوارنا معه:تشكو النساء في عدد من الدول العربية من إقصائهن من المشاركة في العمل السياسي على يد الإسلاميين . هل هناك ما يمنع المرأة - شرعاً- من المشاركة في الحياة السياسية ودخول المجالس التشريعية؟

الإسلام لم يحرم المرأة من أي عمل شريف يفيدها أو يفيد مجتمعها، والعمل السياسي حق للمرأة كما هو حق للرجل، ولا يوجد لا شرعاً ولا عرفاً ما يحرم المرأة من ممارسة هذا الحق الذي يتحول إلى واجب ديني ووطني إذا ما كانت المرأة مؤهلة لهذا العمل، وقادرة على خدمة مجتمعها من خلاله .

ولذلك ليس من حق أحد إقصاء المرأة المسلمة المؤهلة عن العمل السياسي تحت أي شعار، ونحن كعلماء نؤيد ونساند مشاركة المرأة المثقفة القادرة على خدمة مجتمعها في كل الانتخابات النيابية ترشيحاً وانتخاباً، وندعو الرجال في كل المجتمعات العربية إلى مساندتها والاعتراف بحقها في العمل السياسي وفق الضوابط والقواعد الشرعية، والذين يحرمون المرأة من حقوقها السياسية تحت ستار الدين يجهلون الشريعة .

ضوابط شرعية

بعض الإسلاميين يحاول وضع عراقيل في طريق المرأة من خلال فرض محاذير شرعية . كيف تنظر إلى هذه المحاذير؟

لا توجد محاذير شرعية تمنع المرأة من المشاركة السياسية سوى الضوابط العامة التي تتعلق بمظهرها وسلوكها العام عندما تختلط بالرجال، فالإسلام حدد للمرأة لباساً شرعياً يجب أن تلتزم به عند خروجها من منزلها، وهو اللباس الذي يستر جسدها كله ماعدا الوجه والكفين، كما أنه يحظر عليها الخلوة بالرجال، ويحدد أسلوب الاختلاط بهم، وما دامت المرأة حريصة على ذلك، فليس من حق أحد أن يمنعها من ممارسة حقها . فالإسلام الذي لم يفرق بين الرجل والمرأة في الواجبات والتكاليف الشرعية لم يفرق بينهما في الحقوق، ومن بين تلك الحقوق، الحقوق السياسية، فمن حق المرأة أن تختار من يحكمها ومن يمثلها ويدافع عن حقوقها في المجالس التشريعية ومجالس الشورى، ومن حق المرأة، بل من واجبها أحياناً أن تشارك في تحمل المسؤولية في القضايا التي تخص مجتمعها، وأن تعمل على إرساء مبادئ الشورى بين الحاكم والرعية، وأن يكون لها رأي وموقف ومشاركة إيجابية في التصدي لكل مشكلات المجتمع . وكل ما نتمناه أن يحسن الرجال والنساء اختيار العناصر النسائية القادرة على العطاء بعيداً عن الشعارات والدعايات الانتخابية الكاذبة .

تحاول دائماً بعض المنتقبات دخول قاعات الامتحانات من دون الكشف عن وجوههن . فهل من حق المرأة أن تغطي وجهها وتفرض ذلك على جهة العمل أو الدراسة؟

من حق المرأة أن تغطي وجهها في الشارع أو المنزل أو أي مكان تذهب إليه، فهذه حرية شخصية، لكن إذا ما طلبت منها المدرسة أو الجامعة التي تدرس فيها الكشف عن وجهها أمام المراقبات أو مسؤولات الأمن للتأكد من هويتها قبل دخول قاعات الامتحانات فعليها أن تستجيب لذلك، حرصاً على عدم الغش والتزوير، وليس في ذلك إهدار لحق المرأة في تغطية وجهها فالحريات الشخصية تتوقف عند حقوق الآخرين، وعند الإجراءات والاحتياطات التي تتخذ لتأمين الآخرين وقد أصبح النقاب يتخذ الآن ستارا لارتكاب جرائم عدة .

جهلة ومتخلفون

البعض ينظر إلى أحكام الشريعة الإسلامية على أنها من مخلفات الماضي وأنها ضد التقدم والتحضر . بماذا تردون على هؤلاء؟

هؤلاء جهلة ومتخلفون، وهذا الجهل تتحمل مسؤوليته وسائل الإعلام والثقافة ومؤسسات التعليم في بلادنا العربية والإسلامية ويتحمل مسؤولية كبيرة فيه المتطرفون، الذين نفروا الناس من الإسلام من خلال أحكامهم الجامدة ومفاهيمهم المتطرفة التي روجوها باسم الشريعة الإسلامية، ولا بد من مواجهة الجهل بنشر ثقافة الإسلام الصحيحة بين الناس، ولا بد من مواجهة الفكر الديني المتطرف والثقافة الإسلامية المغشوشة التي شاعت بين كثير من الناس .

واجب كل دعاة الإسلام أن ينقلوا المفاهيم الإسلامية الصحيحة للناس، وأن يوضحوا لهم بالأدلة والبراهين العديدة أن الإسلام لا يعادي التقدم، ولا يحرم الإنسان من حقوقه، بل هو يدعمها ويدافع عنها لأنه دين نهضة وتحضر ورقي .

تواجه المرأة في بلادنا العربية والإسلامية موجات متصاعدة من العنف، حيث يتم العدوان عليها وإهدار حقوقها داخل البيوت من قبل الآباء والإخوة والأزواج، أو في الشوارع والميادين، كيف تنظرون إلى هذا العنف وما موقف الإسلام منه؟

لا أحد يقر العنف ضد المرأة على الإطلاق، والشريعة الإسلامية تدين هذا السلوك وترفض كل أشكال العنف ضد المرأة، فالإسلام أحاط المرأة بسياج من التكريم والحماية والرعاية، ووفر لها حياة طيبة كريمة في رعاية وحماية أب أو زوج أو أخ، فالمتهمون الآن بضرب المرأة وإهانتها هم المكلفون بحمايتها ورعايتها ورفع كل ظلم أو عدوان عنها، وعلينا أن نذكر الذين يعتدون على المرأة دائما بأن الإسلام دين رحمة ورأفة وعفو، وهو يفرض على كل الرجال أن يعاملوا بناتهم وزوجاتهم وشقيقاتهم وزميلاتهم وكل امرأة يلتقون بها بكل رحمة ورأفة وأن يقدموا لها كل مساعدة في ظل الالتزام بحدود الله وضوابط وأخلاقيات الإسلام .

زوج أحمق

نقلت بعض الصحف منذ أيام تفاصيل جريمة ارتكبها زوج ضد زوجته حيث فقأ عينها بسبب خروجها من المنزل من دون إذنه . هل من حق الزوج معاقبة زوجته على خروجها من المنزل؟

أولاً: هذا زوج أحمق، حيث لا يجوز العدوان على إنسانة بهذا العنف بسبب تجاوز سلوكي يجب أن يواجه بالنصح والعتاب، وفي حالة تكراره يجوز معاقبتها بالعقوبات الشرعية المتدرجة من نصح ثم هجر في الفراش ثم ضرب رمزي بسيط، وهكذا، أما إتلاف عينها فهذه جناية يجب أن يعاقب عليها هذا الزوج المتهور .

أما الموقف الشرعي من سلوك الزوجة، فلا شك في أنها لم تتصرف وفق ما أمرها دينها، فتعاليم الإسلام التي تستهدف تنظيم علاقتها بزوجها تفرض عليها أن تستأذنه قبل الخروج من المنزل، وأن يعلم الزوج الجهة التي تقصدها زوجته عند خروجها، وأن تكون صادقة وواضحة معه حتى تقضي على كل بواعث الشك والريبة، فإذا أذن لها بالخروج خرجت وإذا ما تحفظ أو رفض كان عليها الاستجابة لرغبته، حرصاً على استقرار حياتها الزوجية مع احتفاظها بحق مناقشته في دوافع رفضه، لكن لا ينبغي أن تخرج إلا بإذنه .

ضحايا الشعوذة

من الملاحظ أن معظم ضحايا الدجالين من النساء . لماذا تقع المرأة ضحية سهلة لتجار الوهم والخرافة؟

هذا أمر مؤسف تساعد عليه الأمية التعليمية والثقافية، حيث إن نسبة كبيرة من نسائنا في العالم العربي أميات، وبسبب هذه الأمية يقعن فريسة سهلة للدجالين والمشعوذين وينخدعن بما يتردد عنهم في أوساط البسطاء، ولأن الأمية الدينية تنتشر أكثر في أوساط النساء فمن الطبيعي أن يكون معظم ضحايا الدجالين من النساء .

وهذا الواقع المؤسف يفرض علينا أن نحمي نساءنا من كل أشكال الدجل والشعوذة، وأن نحصنهن ضد هؤلاء الدجالين والمشعوذين وألاعيبهم بالثقافة الإسلامية المفيدة، وأن نذكرهن دائما بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”، وهو القائل أيضاً: “من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما” .

فوضى سلوكية

كيف ينظر د . جمعة إلى حالة الفوضى السلوكية الشائعة في كثير من بلادنا العربية وحالة الانفلات الأخلاقي التي تعيشها بعض هذه البلاد؟

للأسف سلوكات المسلمين ليست ترجمة لآداب الإسلام وقيمه وأخلاقياته، ولذلك ليس غريباً أن نشاهد هذا الانفلات السلوكي والأخلاقي الذي انتقل من الشوارع والميادين إلى الجامعات والمؤسسات الإسلامية، ونحن في كثير من البلاد العربية نعاني مشكلة سلوكية، فالمسلمون لا يترجمون تعاليم ومبادئ وأخلاقيات دينهم إلى سلوكات وتصرفات تحكم تعاملاتهم اليومية سواء فيما بينهم كبشر أو فيما بينهم وبين عناصر الكون، من ماء وهواء وجماد ومرافق عامة ينتفع منها الجميع عندما تكون نظيفة وجميلة، ويضار بها الجميع عندما تكون ملوثة وضارة .

وكيف نتخلص من هذه الفوضى السلوكية من وجهة نظركم؟

الإسلام ليس مجرد طقوس دينية تؤدى في المساجد أو المنازل أو أماكن العمل، وليس شعارات سياسية أو اقتصادية يرفعها البعض لكي يكتسب منها ويحقق طموحاته وأهدافه الاقتصادية، بل هو دين أراده الله خاتماً جامعاً لكل الفضائل لكي ينظم حياتنا ويحل مشكلاتنا ونعيش في رحابه في طمأنينة واستقرار .

والمواجهة الصحيحة تكون بالتربية الإسلامية الصحيحة، فلو عادت قيم ومبادئ وأخلاقيات الإسلام إلى حياة الناس ومعاملاتهم اليومية وعلاقاتهم ببعضهم بعضاً لاختفت كل مظاهر الفوضى السلوكية والانفلات الأخلاقي الذي نعانيه الآن .
دار الخليج

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.