العرب يكتبون أدب البحث عن الذات لا أدب التأمل

الاثنين, August 6, 2018
كاتب المقالة: 

"العرب" تلتقي بخيرالدين مبروك، السينمائي الفرنسي من أصول جزائرية، المتكفل بصناعة الأشرطة القصيرة حول أصحاب القائمة القصيرة في جائزة البوكر وأعمالهم المرشحة.

 

عل الغالب في نظرة الجمهور إلى المواد التوثيقية عن الكتاب الفائزين بجائزة البوكر أو غيرها من الجوائز هو اعتبارها روبورتاجا صحافيا لا أكثر. وقد تكون تلك نظرة سليمة في حال جوائز عديدة. ولكن حين يكون صانع المادة ومخرجها سينمائيا يبحث عن الفني في كل ما يلتقطه من صور فإن المسألة تختلف تماما، وتصير خطابا فنيا يدور حول خطاب فني من نوع آخر، يحاكيه ويعلق عليه بأدواته الخاصة وقد يذهب إلى إنشاء رؤية مصاحبة، حتى موازية له. هذا ما يخبرنا به المخرج السينمائي الفرنسي من أصول جزائرية خيرالدين مبروك وما نراه في أعماله المنشورة على موقع الجائزة.

الصدمة الأولى

لأن الفنان يختزن في داخله وفي مدونته تجربة ثرية متعددة الأوجه، فقد سعينا إلى الكشف عنها لجمهور القراء “العرب”، خاصة وأن لسانها وسياقها الفرنسيين جعلاها تمكث في مسافة ما بعيدة عن هؤلاء المتلقين المعنيين بها رأسا.

 

يهتم جمهور الأدب ومتابعو الجوائز الأدبية الكبرى عادة بالفائزين بها وقيمة الجائزة وطبيعة أعمالهم المرشحة ومسائل أخرى كثيرة، متناسين في غالب الأحيان الآثار الفنية التي تخرج عن محمل الكتابة لتقدم لهم هؤلاء الكتاب وآثارهم، من قبيل الأفلام الوثائقية القصيرة التي تقارب مشروعهم الكتابي ومظانه الثقافية والاجتماعية والفكرية. وفي سياق محاولة الكشف عن الخصوصية الفنية لهذه التجربة، التقت “العرب” بخيرالدين مبروك، السينمائي الفرنسي من أصول جزائرية، المتكفل بصناعة الأشرطة القصيرة حول أصحاب القائمة القصيرة في جائزة البوكر وأعمالهم المرشحة.

ولد خيرالدين مبروك في فرنسا لوالدين من أصول جزائرية. وقد افتتح مدونته الفنية يافعا من خلال الرسم وتحديدا من خلال القصص المصورة التي نشرها باكرا. وقد تنقل منها إلى سينما التحريك وتصميم الأغلفة في دور نشر فرنسية عديدة وأنشطة أخرى تعددت وانتهت إلى تجربة السينما، من خلال فيلم طويل تشارك في إخراجه مع سمير عبدالله وهو بعنوان “غزة سْتروف”.

يصور الفيلم ما لم يتم الكشف عنه إعلاميا خلال الحرب على غزة سنة 2008. وقد تعددت محاولات منع عرض الفيلم في فرنسا بنسختيه التلفزيونية والسينمائية. لكن ذلك لم يتم في النهاية بفضل الجهود التي بذلها المخرجان بمعية وجوه ثقافية فرنسية وأخرى عربية. وتحصل الشريط على عدة جوائز دولية مرموقة جعلت صاحبيه يشرعان في تأسيس تجربة مميزة في الفن السابع.

بالنسبة إلى خيرالدين مبروك ستنطلق معه تجربة أفلام البوكر التي ستتواءم رأسا مع توجه قديم حمله معه منذ مرحلة الشباب، يقول “نشأت في سياق فرنسي خالص، وقد نقل إليّ والداي ثقافة حلت لدي بشكل سعيد في البداية. لم أكن أملك أبدا ذلك الشعور بعدم الانتماء ولا أي مشكلة من المشاكل التي قد يواجهها فرنسي من أصول عربية. لكن عندما حلت حرب الخليج شعرت بصدمة قوية جدا، بلغت ما يشبه المرض الجسدي والنفسي رغم أنني كنت فتيا أدرس في المعهد. بدت تلك لحظة تتجاوزني ولكنها دفعتني إلى الوعي بشيء مخصوص: أنا مولود في فرنسا وأعيش فيها. جنسيتي فرنسية. لكن فرنسا كانت تهاجم قسما آخر ينتمي إلي. هذا ما شعرتُ به آنذاك. كانت تلك صدمتي الكبيرة الأولى التي تلقيتها بمفردي”.

اكتشاف الجذور

ابتدأ مع هذا الحدث سعي خيرالدين إلى اكتشاف العالم العربي وثقافته، شيء ما يشبه العودة إلى الجذور المجهولة. في تلك الطريق مر بندوات وقراءات ومتابعات. وعبر لاحقا بشريطه عن غزة. لكنه وجد نفسه في النهاية مع الكتاب العرب، يحاورهم بشأن تجاربهم.

 يقول في هذا السياق “ذهبت إلى كتاب من مختلف المشارب والتجارب والأعمار؛ كتاب عاشوا تجارب ثرية ومكثفة. كنت أستذكر حلمي القديم، وأشعر أنني طفل أمامهم يحاول النظر بعمق إلى العالم العربي. الإشكاليات التي كانوا يطرحونها في كتبهم ورواياتهم كانت هي نفسها الإشكاليات التي طرحتها على نفسي فتيا. هذا ما اكتشفته في الأدب العربي؛ إنه أدب بحث أكثر من كونه أدب تأمل، أي أنه يتجاوز التأمل المحض ليذهب إلى التساؤل والبحث عن إجابات تحيره”.

لقد توفّق مخرج شرائط البوكر في التقاط شيء ما مختلف، لأنه منذ البداية -وعلى حد عبارته- لم يكن معنيا بالصورة النمطية التي تطوف حول الكتاب عند تصويرهم عادة، من قبيل طريقة أكلهم وتنقلهم وطقوسهم الذاتية الخاصة جدا. فهو يعتبر أن ما يهمنا من الفنان هو فنه. وهو لا يكون كذلك إلا لحظة الخلق والإبداع.

ويرفد مبروك كلامه هذا بقوله إن هذا تحديدا ما حاول التركيز عليه في وثائقياته الوجيزة: لحظة الإبداع وما تشير إليه. ثمت حلقة وصل في مستوى الصورة السينمائية وما توحي به عميقا لدى المتقبل، بين “غزة ستروف” وهذه الأفلام، حسب رأيه، رغم التباعد الظاهر. وهي تستكمل مشروعا كان يسعى إليه منذ عقود.

وعن هذا المشروع يصرح المخرج “لطالما حلمت بعمل وثائقي كبير حول العالم العربي وخصوصياته الحضارية والثقافية. وكنت أعتقد دائما أنني سأعتمد الموسيقى والموسيقيين وسيطا وأداة ومضمونا لذلك. لكنني انتبهتُ فجأة إلى أن ما شرعتُ فيه مع جائزة البوكر بكل الحرية التي مُنحت لي وبكل التواطؤ الذاتي الذي سيرني، أنني أنتهي إلى إنجاز مشروعي بشكل تلقائي نوعا ما، ولكن باعتماد عوالم الكتاب ورواياتهم. لقد كانت تجربة تنظر إلى العالم العربي بعين ليست خارجية تماما، من خلال الكتاب. أنا الآن أطمح بعد أن صار لدي 42 فيلما قصيرا إلى الاشتغال على تلك المادة وتحويلها إلى فيلم وثائقي طويل”.

وجوابا عن سؤال لماذا اختيار الفنانين بالذات، بوصفهم جسرا لتفهم العالم العربي والاقتراب منه وتقديم صورة عنه لأوروبا والعالم الغربي؟ يجيب خيرالدين مبروك بأن تناقضات كبرى تحكم واقعنا، وأنه شخصيا قضى شبابه يحاول تفهم هذا الواقع مستندا إلى قراءات فلسفية وفكرية حبرها كتاب وباحثون من العالمين العربي والغربي. ومع ذلك ليس بحوزته إلى الآن أي إجابة شافية. ولذلك وجد نفسه يتساءل: لعل نظرة الفنان الحساسة تستطيع أن تقدم بشكل مّا ما لم يقدمه الخطاب العقلاني المحض؟

المصدر: 
جريدة العرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.