العربيّةُ لُغة البَرْمَجَة.. ولكنْ أيّ بَرْمَجة؟

الأحد, September 13, 2020
كاتب المقالة: 

غيّرت الرَّقْمَنة مفهوم العلاقة مع الثقافة بمعناها الواسع كطريقة شاملة في الحياة تتمثّل بمجموعة من الأنساق الرمزيّة، تأتي اللّغة المتجذّرة في النصّ والخطاب كإحدى أكثر الوسائل التعبيريّة لها، ثمّ تأتي باقي الأشكال، كالصور والموسيقى والصوت وغيرها كوسائل للتعبير. وبالتالي، يصبح من الطبيعيّ أن تتأثّر اللّغة بالرَّقْمَنة كمفهومٍ عامّ، وبالتطبيقات المعلوماتيّة كوسيلة تَجمع بين المُمارَسة والنظريّة. ومن ضمن هذه التطبيقات خوارزميّات الذكاء الاصطناعيّ المُعتمَدة حاليّاً، والتي ترتكز عليها التطبيقات كافّة، وخصوصاً تلك المتعلّقة بالفكر البشريّ المتمثّل باللّغة.

قبل البدء بالحديث عن العلاقة بين اللّغة والذكاء الاصطناعي، نُعرِّف اللّغة من الناحية الشكليّة فقط، بعيداً عن الجانب الثقافي والاجتماعي والفكري؛ فهي مجموعة اصطلاحيّة من الرموز الصوتيّة والكِتابيّة، ومجموعة من القواعد التي تحدِّد كيفيّة الاستخدام الصحيح للتركيب اللّغوي والنصيّ (في سياق معيَّن) لتوصيف الرسائل الناتجة من حركة الدماغ بواسطة العقل (أو التفكّر)، بهدف إيصال هذه الرّسالة – الرموز – إلى المتلقّي وفَهْمها وتفسيرها بشكلٍ لا لبْس فيه بواسطة قنوات متعدّدة.

وفي ظلِّ الرَّقْمَنة و "حَوْسَبة اللّغة"، من المُفترَض أن يُصار إلى تشفير هذه الآليّة الشكليّة بواسطة الآلات عبر تنفيذ أوامر بشكلٍ تسلسليّ منظَّم تُسمّى خوارزميّات، وهي متعدّدة النسق والبنيات المنطقيّة والقواعد. وحاليّاً، إنّ الأكثر استخداماً منها هي خوارزميّات "الذكاء الاصطناعي".

ومن هنا نطرح أسئلة عدّة: كيف يُمكن أن تستفيد اللّغة العربيّة من تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ؟ وكيف نَستخدم خوارميّات الذكاء الاصطناعي في حَوْسَبة اللّغة العربيّة (أو اللّسانيّات الحاسوبيّة) التي تُعَدّ أولى العلوم الجديدة التي انبثقت عن هذا التداخل البَيْني (بين علوم اللّغة والمعلوماتيّة)؟

العلاقة بين اللّغة والمعلوماتيّة متجذّرة من الأساس، لكون اللّغة من أصعب ما تواجهه خوارزميّات الذكاء الاصطناعي. ففي مجال حَوْسَبة اللّغة، فإنّ التطبيقات التي ترتكز على خوارزميّات الذكاء الاصطناعي (التعلُّم الآلي machine learning، والتعلُّم المعمَّق deep learning) تهدف إلى جعْل ما هو مُضمَر في النصّ واضحاً للآلة، أي لا لُبس فيه، وذلك من خلال بناء برمجيّات "تتعلَّم" من التجارب السابقة، بحسب المدوّنات التي ترتكز عليها خلال مرحلة التعلُّم الآلي.

إنّ ظهور مصطلح الذكاء الاصطناعي كان مُصاحِباً لظهور الترجمة الآليّة، ولقد برز المصطلح في العام 1956، من قِبَلِ مارلين منسكي وجون ماك كارتي، بهدف بناء عِلمٍ يُساعِد في نمْذَجة الذكاء البشري ومُحاكاته. وفي العام 1957، نُفِّذت تجارب لبرْهَنة مُعادلات رياضيّة بسيطة. وحتّى العام 1980، كان ذلك كلّه مَبنيّاً على النّظم الخبيرة، ولم يُعطِ نتائج فعليّة، وكان من الصعب الوصول إلى حلول، ولكنّ التوقّعات المَبنيَّة عليه كانت كبيرة جدّاً.

الترجمة الآليّة كأبرز تحدٍّ للذكاء الاصطناعيّ

استطراداً، إنّ ظهور الإنترنت والتطوّر الحاصل في عالَم الحواسيب وسرعتها، أدّى إلى بناء أوّل بَرنامج فعلي للعب الشطرنج. وقد تغلَّب في العام 1997 على غاري كسباروف، بطل العالَم في الشطرنج، في حينه. وفي العام 2000، أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر واقعيّة، وذلك من خلال التعلّم من الأحياء كافّة، بما فيها عالَم الحيوان. ونعني بعبارة "أكثر واقعيّة" أنّه بات أقلّ تحدّياً للذكاء البشري، وأقلّ تطلّباً في تنفيذ الأمور. أمّا في مجال تصنيع خلايا تشبه الخلايا البشريّة والشبكات العصبيّة عند الإنسان، فما زلنا بعيدين كلّ البعد عن تحقيق ذلك، ولكنْ ثمّة بعض الخوارزميّات التي تُبنى بحسب تمثّل المعرفة البشريّة في الدماغ!

ولا ضرورة للتذكير بأنَّ اللّغة العربيّة هي لغة مَعرِفة عِلميّة تمتلك كلّ الظواهر اللّغويّة التي تسمح لها بالتأقلم مع التغيّرات في تمثيل المعرفة، مهما كانت، وما ينطبق من خوارزميّات على كلّ اللّغات في العالَم ينطبق أيضاً على اللّغة العربيّة. ولذلك، فإنّ استخدام الخوارزميّات "الذكيّة" سيكون مُساعِداً في رَقْمَنة النصوص العربيّة والتراث العربي والتعريف به وتخزينه ونشْره، وستكون عاملاً أساسيّاً في إثراء المحتوى الرقمي العربي. كما ستكون خوارزميّات التعلّم الآلي مُساعِدة في تحسين جودة برمجيّات الترجمة الآليّة من اللّغة العربيّة وإليها، إضافة إلى تطوير برمجيّات التنقيب عن المعلومات باللّغة العربيّة على الشبكة العنكبوتيّة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، والمُساعدة في تصميم برمجيّات لتعليم اللّغة العربيّة.

بالنسبة إلى خوارزميّات الشبكات العصبيّة، فهي تعمل من خلال شحن الآلة بملايين النصوص مع ترجماتها لقراءتها كأوّل مرحلة للتدريب. غوغل مثلاً يستخدم كلّ أنواع النصوص، بما في ذلك النصوص الرسميّة الصادرة عن الأُمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، وفيها نصوص يترجمها مُترجمون مختصّون. كما يعمل على قراءة ترجمة الأفلام. وبعد مرحلة تدريب الآلة، تتّجه الحواسيب نحو التنفيذ الفعلي. إنّ الإنسان يُعلِّم الآلة ويُصوِّب خطأها، ومن ثمّ تبدأ الخلايا الصناعيّة بتصفية نتائجها. مثلاً، إذا كان 3 أشخاص قد ترجموا كلمة cat إلى "قطّة" بدلاً من "سنور بري" و "رفع" و "امرأة خبيثة" و "سوط"... ففي المرة القادمة، ستُترجمها الآلة إلى كلمة "قطّة". وفي غوغل مثلاً، يدخل 140 مليار كلمة مُترجَمة كلّ يوم إليه بحوالى 103 لغات، وهو يسمح للمُستخدِمين بأن يُصحّحوا الأخطاء، ما يمكّنه بذلك من تحسين نظامه الترجمي.

وفي مجال أكثر تخصّصاً، باتت بعض المؤسّسات تُترجِم بحسب الطلب، من مثل Reverso و DeepL، وهي تعمل على الترجمة المتخصِّصة من خلال وضْع جدول مُفردات متخصّصة. هذه الكلمات المتخصِّصة في مجالٍ معيّن عند مرحلة الترجمة الآليّة لا تكون في أغلبها مُلتبِسة. وللإشارة، فإنّ الترجمة الآليّة تُساعِد حالياً على ترجمة الكُتب العِلميّة غير المُربِحة، نظراً إلى قلّة المَوارِد الماديّة.

لعلّ الترجمة الآليّة أحد أبرز التحدّيات التي تُواجِه برمجيّات الذكاء الاصطناعي. ومن نافل القول إنّ اللّغة في حركة دائمة، وهي كباقي اللّغات العالَميّة مُنفتِحة على كلّ اللّغات والثقافات، ولا بدّ من الاستفادة من الرَّقْمَنة بشكلٍ عامّ من أجل تعزيز النشر الرقمي للنصوص العربيّة وتخزينها وأرشفتها وتوزيعها والتعريف بها، والتي بدَورها تُساعِد في بناء البرمجيّات التي تدعم حضور اللّغة العربيّة على الشبكة وتغذّي المحتوى الرقمي العربي.

ليست المعلوماتيّة فِرعاً من الرياضيّات

وعلى الصعيد الأكاديمي، لا بدّ من إدخال المعلوماتيّة إلى كليّات الآداب والعلوم الإنسانيّة، فلكي تواكب اللغةُ العصرَ، علينا تدريس العلوم والمعلوماتيّة باللّغة العربيّة وتدريس المعلوماتيّة كعِلمٍ في العلوم الإنسانيّة. ولا ننسى أنّنا في مرحلة اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على الرَّقْمَنة والبَرْمَجة.

إنَّ إدخال المعلوماتيّة إلى الإنسانيّات والاجتماعيّات والإعلام يُساعِد في تخطّي حاجزَ فهْمِ معنى "الذكاء البشري"، على أساس أنَّ مَن يعرف الرياضيّات والعلوم الصحيحة... هُم الأذكياء فقط! ما يدفع إلى التوجّس أحياناً، ويؤدّي إلى توجُّه معظم الطلّاب إلى الاختصاصات الشائعة في العلوم الإنسانيّة، ويعتقدون، خطأً، أنّ مَن لا يتعلّم الرياضيّات لا يُمكنه أن يتعلّم المعلوماتيّة، وهذا غير صحيح، فالمعلوماتيّة ليست فرعاً من الرياضيّات، والبَرْمَجة ذهنيّاً مُتاحَة لكلّ الناس، شرط أن نعرف كيف نَبني خطّةً لحلّ مسألة معيّنة. فالمعلوماتيّة ليست إلّا طريقة لحلّ المَسائل بشكلٍ منطقي تسلسلي. هذه الرؤية تؤدّي إلى تخطّي صعوبة إدخال المعلوماتيّة إلى العقول أوّلاً قبل المؤسّسات.

كما يجب إدخال المعلوماتيّة في مَناهِج التعليم الأساسي، لنُهيّئ الأجيال الجديدة كي تدخل عِلميّاً ومعلوماتيّاً في سوق العمل، ثمّ إنَّ تعليم البَرْمَجَة يتعلَّق بتعلُّم المنطق الذي يُساعِد في التحوّل نحو التربية على النقد وطرْح الأسئلة، وهذا ما يُساعد في أن نَخرج من ثقافة التلقين المُعتمَدة حتّى الآن في التعليم، على الرّغم من الخطابات الجوفاء الديماغوجيّة من طرف السياسيّين والإداريّين، وهي خطابات كُتبت في أغلب الأحيان لهم، ولا يُراد منها إلّا "الجَّعْجَة" وتسجيل مَواقِف فارغة لا تفيد في أيّ شيء يُذكر على الصعيد التربوي التعليمي، فيما المطلوب ربْط الموادّ الأساسيّة مع المعلوماتيّة وربْط الهيئات الأكاديميّة في ما بينها، وربْط الموادّ في ما بينها (الحساب مع التاريخ، والأدب مع الجغرافيا...).

لقد بات التخلّص من الأمّيّة المعلوماتيّة أمراً ملحّاً حاليّاً. والحصول على تطبيقات وأدوات لا يعني الاستفادة منها، بل علينا اكتساب المعرفة من أجل بناء معرفة جديدة، فأنظمة تعليم اللّغات والمنهجيّات التعليميّة لم تعُد تتوافق مع التقنيّات الرقميّة، سواء في ما يتعلّق بالثقافة الرقميّة للمُتعلّم أم في استخدام التطبيقات والأدوات الرقميّة في تعليم اللّغات؛ إذ إنّ طُرق التعليم اللّغويّة تتطوّر بحسب تطوُّر الفكر البشري والتغيرات في سلوكيّة الأفراد، ولا يُمكن أن نُدرِّس بالمفاهيم القديمة مُستَخدِمين أدوات حديثة!

إنّ اللّغة العربيّة هي لغة علوم، ومن المُمكن أن تكون لغة بَرمَجة، ولكنّ السؤال المهمّ هو: ماذا سنُبرمِج؟! فالانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج هو الأساس في أيّ عمليّة تطوُّر، وذلك من خلال استخدام البيانات والمَعرفة بهدف خلْق معلومات جديدة ومَعرفة جديدة.

المصدر: 
مجلة " أفق"
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

12 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.