العالم يتحدى كورونا: باريس تصفق للأطباء وروما تغني للحياة وراقصة تونسية تدعم “خليك في البيت”

الخميس, March 26, 2020
كاتب المقالة: 

حين أغمض عيني وأعود إلى طفولتي أتذكر أيام الحرب بتفاصيلها. أيام طويلة أمضيتها مع أهلي وجيراني في الملاجئ . صحيح أنها كانت أياماً صعبة، ولكننا كنا ندرك عدونا ونعرفه جيداً ونرقص وندبك ونغني على وقع صواريخه وقذائفه المنهمرة فوق رؤوسنا.
أما اليوم فنحن في مواجهة عدو متخف وفريد من نوعه. قد يفتك بنا ونحن نشتري كيس خبز بعطسة طائشة.
عدو لا يمكننا رؤيته وقد نخفق في مواجهته ويكون مصيرنا الموت. أجبرنا أن نحجر أنفسنا في البيوت بعيداً عن أصدقائنا وأحبائنا كي نحد من انتشاره.
أعترف أن الحرب كانت أخف حدة منه. على الأقل كنا نتجمع مع سكان العمارة في مكان واحد. وكنت أقرأ كثيراً حتى بات الكتاب أحد أصدقائي المقربين.
أما اليوم أجلس في غرفتي وحيدة منذ أكثر من أسبوع. وقد حاولت كثيراً أن أقرأ كتاباً اخترته منذ بداية الحجر الصحي، ولكن دون جدوى. أقرأ المقطع نفسه عدة مرات ولا أفهم كلمة واحدة. ببساطة شديدة، أعيش حالة توتر نفسي لم أواجهه سابقاً حتى في أصعب مراحل حياتي. كيف أقرأ وأنا أعلم أن صديقتي وعائلتها محجورين في غرفة في مستشفى يواجهون الموت. كيف أكتب وجارتي العجوز تخاف أن تمد رأسها إلى الخارج لتسقي ورودها، التي لم تتوقف عن رعايتها منذ سنوات طويلة. كيف لا أقلق وصديق ابني الصغير يواجه الفيروس اللعين، منذ أكثر من أسبوعين وقد اضطر لدخول العناية الفائقة وعمره لا يتعدى التسع سنوات.
إنها كارثة لا تعرفها الإنسانية إلا مرة كل مئة سنة! وباء أطفأ أنوار أعظم مدن العالم وحيّر العلماء بقدرته الجبارة على الانتشار السريع.
وسط هذه الظلمة كان لا بد أن نتمسك جميعاً بالأمل ونغني للحياة كما فعل سكان إيطاليا من خلف الشبابيك وعلى الشرفات. كان من اللازم أن نقدم الدعم لبعضنا البعض فنصفق لهؤلاء الذين يضعون حياتهم في خطر لأجل إنقاذ المرضى. تماماً كما صفق سكان باريس للأطباء والممرضات في وقت واحد كتعبير عن امتنانهم ومحبتهم وتقديرهم للفرق الطبية التي تسهر على وجع المواطنين.
إنها حرب الكورونا العالمية الأولى، كما وصفتها الروائية الجميلة إنعام كجه جي.
لذلك يتحتم على كل فرد أن يمد يده لإشعال شمعة تضيء شيئاً من النفق المظلم الذي نعيشه.
في تونس التزم الناس بقرار الحكومة، كما طلب منهم وجلسوا في بيوتهم.
وانتشرت فيديوهات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الفضائيات لراقصة تحاول أن تسلي الناس عبر صفحتها الفيسبوكية فتقدم لهم وصلات من الرقص لساعات متواصلة كي تشجعهم على البقاء في منازلهم.
وأخرى لعازف لم يبخل على متابعيه بعزف كل المقطوعات الموسيقية، التي يحبونها فقط لدعم مجتمعه.
وفي السياق نفسه كانت بعض الطباخات يبثن عبر صفحاتهن فيديوهات يعلمن ربات المنازل وجبات جديدة من الطعام بشكل مجاني.
وبعض الصبايا قررن أيضاً أن يشجعن صديقاتهن على ممارسة الرياضة في المنزل رغبة منهن في زرع الأمل.
هنا في لندن للمرة الأولى أشهد تكاتفاً اجتماعياً لا مثيل له! لقد تشكلت مجموعات على الـ”واتساب” لسكان كل حي في المدينة. وهي مجموعات تهدف لمساعدة كل من يحتاج طعاماً ولا يستطيع الخروج أو من يحتاج سيارة إسعاف أو حتى من يود دعماً معنوياً. فجأة أصبحت أنا وجيراني الذين لم أكن أعرفهم سابقاً سوى بالوجوه، عائلة واحدة.
الوباء وحدنا وجعل من لندن الباردة مدينة تخفق حباً ومودة.
أكثر ما أثر بي منذ بداية الأزمة العالمية كلمات رددها مذيع على راديو “بي بي سي” الإنكليزية ومفادها:
نعم هناك خوف، نعم هناك عزلة، نعم هناك هلع وهيستيريا وشراء غير مبرر. نعم هناك مرض. نعم هناك موت.
ولكن يقولون في ووهان بعد عدة سنوات من الضجة يمكنك أن تسمع صوت العصافير من جديد.
يقولون إنه بعد عدة أسابيع من الهدوء السماء ما عادت سميكة بغيومها، ولكنها الآن زرقاء صافية ترى نفسك فيها.
يقولون إن الناس اليوم يغنون لبعضهم البعض من خلف الساحات الفارغة تاركين شبابيكم مفتوحة للحياة حتى لا يشعر أحد بالوحدة.
يقولون إن أحد الفنادق في غرب أيرلندا يقدم وجبات مجانية للبيوت.
يقولون إن هناك امرأة مشغولة بتوزيع رقمها على جيرانها العجائز، حتى تكون لهم سنداً في وقت ضعفهم ومرضهم وحاجتهم لها.
يقولون إن الكنائس والجوامع والمعابد تفتح أبوابها لكل شخص لا مأوى له وللمرضى لتقيهم من الوجع.
كل الناس حول العالم يعودون الآن إلى أنفسهم ويفكرون بمعنى وجودهم الحقيقي.
كل الناس حول العالم ينظرون اليوم إلى جيرانهم بطريقة مختلفة.
كل الناس حول العالم استيقظوا على حقيقة جديدة.
أن الإنسان كبير فقط بإنسانيته!
إن قدرتنا على التحكم بالأشياء حولنا صغيرة جداً.
اليوم عرفنا فقط ما هي قيمة الحياة الحقيقية.
اليوم هناك خوف، ولكن ليست هناك كراهية.
نعم هناك عزلة، ولكن لا تعني الوحدة.
نعم هناك مرض، ولكن المرض لن يصل إلى الروح.
نعم هناك موت ولكن سيكون هناك دوماً ولادة للحياة.
ربما جاءنا الكورونا ليوحد العالم ويعيدنا إلى إنسانية كانت قد بعثرتها المادة.
فهنيئاً لنا في حياة ضائعة عادت من جديد.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

9 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.