الذاكرة وجدلية التاريخ الاستعماري في الجزائر

الأربعاء, August 29, 2012
كاتب المقالة: 

لعل ما يشغل بال الجزائريين والفرنسيين على حد سواء هذه الأيام ، هو الذاكرة والتاريخ ، كل يود توظيفهما حسب ما تقتضيه مصلحته ، ويبقى التساؤل المطروح : هل سنتصالح يوما ما مع الذاكرة المشتركة ؟ متى يكتب تاريخ جزائري-فرنسي مشترك ؟ أو بالأحرى هل يمكن بناء صداقة جزائرية-فرنسية متينة بعد التصالح مع الذاكرة و التاريخ ؟ قبل أن نحدد مفهوم الذاكرة ، لا بد من القول أن هناك اختلاف بين الذاكرة والتاريخ في المعنى والوظائف ، لكن الاختلاف لا ينفي العلاقة بينهما . وإذا أردنا إعطاء تعريف وجيز للذاكرة ، نقول بأنها نشاط بيولوجي ونفسي يُمكن الإنسان من تسجيل تجاربه التي عايشها سابقا في ذهنه . تقسم الذاكرة من منظور المجتمعات البشرية إلى قسمين ، ذاكرة المجتمعات التقليدية ، خاصة تلك التي تكون ثقافاتها شفوية ، تستند الذاكرة الجمعية فيها على شكلين تاريخيين : ذاكرة اثنية وذاكرة أُسرية ، نجد ذلك في المجتمع الريفي الجزائري ما قبل العهد الكلونيالي".

كان الريف الجزائري يتشكل أساسا من القبائل ، وإذا حاولنا إعطاء تعريف للقبيلة في الجزائر ، نقول بأنها عبارة عن وحدة متماسكة يجمعها جد واحد وشيخ واحد وتراث مشترك ومصالح مشتركة ، تعيش حياة السلم وتعلن الحرب كوحدة ذات مصلحة خاصة ، ولها ذكريات مكتوبة وأخرى شفوية وأساطير ، ولها أحساب وأنساب يحفظها الصغير عن الكبير . ولكن في إطار سياسة الانتقام من القبيلة التي وقفت ضد الاحتلال الفرنسي ، حاول الجيش الفرنسي تضييق الخناق عليها أو اتباع سياسة "الأرض المحترقة" ، وانتزاع الأراضي منها ، عبر سلسلة من القوانين أبرزها قانون "سيناتوس-كنسلت" ابتداء من سنة 1863 ، الذي ساهم بشكل مباشر في تفكيك نظام القبيلة . لقد انتقل المجتمع الجزائري من القبيلة إلى العائلة ومن العائلة إلى الفرد . لقد محيت الذاكرة تدريجيا ، ولم يعد الأهلي الجزائري يعرف من حسبه ونسبه ، سوى لقبه الذي مُنح له في إطار نظام الحالة المدنية .                                                                   

                              

     أما في المجتمعات الحديثة ، ظهر مفهوم الذاكرة الوطنية ، بفعل نمو المذاهب القومية ، ونشأة الدولة الوطنية ، التي أسست المتاحف الوطنية ، وأقامت دور الأرشيف والمكتبات الوطنية ، وكرست الاحتفال بالأحداث والشخصيات عبر إقامة الأعياد الوطنية والنُصب التذكارية. ينطبق ذلك على جزائر ما بعد الاستقلال ، إذ أن الحكومة سنت أعياد وطنية مخلدة للذاكرة على مدار السنة ، من ذلك 18 فبراير (اليوم الوطني للشهيد) ، 19 مارس (يوم النصر) ، 16 أفريل (يوم العلم) ،8 ماي(ذكرى مجازر ماي 1945) ، 19 ماي (يوم الطالب) ،  5  جويلية (ذكرى الاستقلال) ، 20 أوت (يوم المجاهد) ، 17 أكتوبر (يوم الهجرة) ، 1 نوفمبر (ذكرى اندلاع الثورة) ، 11 ديسمبر (مظاهرات الشعب) . وبمناسبة إحياء الذكرى العشرين لاستقلال الجزائر ، دُشن "مقام الشهيد" سنة 1982 ، الذي يمثل رمز الجزائر المستقلة ، وصار جزءا من العملة الوطنية (200 دينار) ، التي تم صكها بعد هذا التاريخ ، كما رافقت صورته الطوابع البريدية ، وكذا مختلف التظاهرات الثقافية والفنية التي جاءت عقب إنجازه ، إلى درجة أنه أصبح أيقونة تعرج بالجزائريين باتجاه تاريخهم النضالي الطويل .                                                        

                                                                                    

     إن الذاكرة تمنع النسيان ، تجسدها الحكومات المتعاقبة في الجزائر المستقلة ، من خلال إطلاق تسميات لشهداء الكلمة والرصاص ، على الأمكنة ، فهذا شارع "العربي بن مهيدي" في وهران ، وهذه دائرة "ابن باديس" في ولاية سيدي بلعباس ، وهذا مطار مصالي الحاج في تلمسان ، وذاك مطار أحمد بن بلة (السانية سابقا) . وهناك وزارة المجاهدين ، وهي تعمل منذ الاستقلال على تشييد المتاحف والنصب التذكارية ومقابر الشهداء...الخ ، في إطار المحافظة على ذاكرة الأمة ، تتبعها منظمات ما سمي بالأسرة الثورية ، كالمنظمة الوطنية للمجاهدين التي تأسست سنة 1963 ، يتحدد دورها كما ورد في قانونها الأساسي (المواد 5-6-7-8) ، في الحفاظ على روح الثورة وإبراز قيمها وحمايتها من كل تحريف وتزييف ، وهي تعمل كذلك على المحافظة على التقاليد الثورية والقيم الوطنية ، و التنسيقية الوطنية لأبناء الشهداء التي تم الاعتراف بها رسميا في 4 جويلية 1994 ، تعمل على ترسيخ قيم نوفمبر وتشجيع تنمية المجتمع في إطار القيم الوطنية الإسلامية وضمن ما يتوافق والشخصية الجزائرية .                                                            

                                                                                                 

     إن الذاكرة ترتكز على أمرين أساسيين : الرواية الشفوية والوثيقة المكتوبة ، ولكي يكتب تاريخ الجزائر انطلاقا من ذلك ، سعت الدولة الجزائرية ، في اتجاه تنظيم دور أرشيفها ، ولملمة الأرشيف المتواجد خارج الجزائر ، ولكي يتم إعادة كتابة تاريخ الفترة الاستعمارية ، أسست مركزا وطنيا للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 . ولكن هل هذا كاف ؟ أو بالأحرى هل هذه المنجزات المحققة في الجزائر منذ الاستقلال ، قد لعبت دورها المنوط بها ؟ .     إن المشكل هو في كيفية غرس مبادئ ثورة أول نوفمبر 1954 في الأجيال التي لم تعايش الثورة ، وعندما أتكلم عن صعوبة تسليم المشعل من جيل الثورة إلى جيل الشباب ، فذلك يعني  بأن هناك أزمة ثقة ، كما أن احتكار فئة معينة للذاكرة الجماعية ، سيولد المزيد من التفاوت ، والفرقة ، التي نخشى أن تئول في النهاية إلى قطيعة غالبية شباب المستقبل بذاكرتهم .                     

 

     وفيما يخص الجدل القائم بين الفرنسيين والجزائريين حول الذاكرة والتاريخ ، ذكر المؤرخ الفرنسي "بن يامين سطورا" ، أن التاريخ يجمع الجزائريين والفرنسيين ، لكن الذاكرة تفرقهم ، مستندا في ذلك على مقاربة أن الفرنسيين بحاجة إلى شجاعة سياسية للاعتراف بالأخطاء التي وقعت خلال حرب التحرير ، وأضاف أن أهم العراقيل التي وقفت في وجه كتابة  موضوعية للتاريخ ، هي أن فرنسا لما خرجت من الجزائر في 1962 أرادت نسيان خسارتها للجزائر ، وليست الدولة وحدها التي أرادت نسيان هذا التاريخ ، بل المجتمع الفرنسي أيضا أراد النسيان .  لقد انتقد "سطورا" الصمت الكبير للسياسيين الفرنسيين إزاء التاريخ الفرنسي الطويل مع الجزائر ، ورغم مرور خمسين سنة على توقيع اتفاقية "إيفيان" (مارس 1962-أفريل 2012) ، فإنه اليوم لا توجد-حسبه-إرادة حقيقية لفتح نقاش سياسي حول حرب الجزائر ، وهذا راجع إلى أن المرشحين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية ، لا يريدون جرح أي شخص حتى يصوت لصالحهم أكبر عدد ممكن من الناخبين  .                                                                   

                                                     

     هذا ما نلمسه عند أحد السياسيين الفرنسيين الطامحين إلى السلطة ، وهو "جان بيار شوفنمان" رئيس جمعية فرنسا-الجزائر(عمدة بلدية بلفور –ووزير دفاع سابق) ، عندما دعا الجزائريين والفرنسيين إلى الاستلهام من تجربة جنوب إفريقيا في معالجة المشاكل المتعلقة بالذاكرة والماضي الاستعماري ، وهي تجربة المصالحة بين البيض والسود ، بعد عشرات السنين من الفصل العنصري ، التي تبقى-حسبه-الأمثل لتطبيقها على الحالة الجزائرية-الفرنسية . لكنه في نفس الوقت رفض اعتذار فرنسا للجزائر ، أو "التوبة" عن الماضي الاستعماري لكون هذا المصطلح الأخير-حسبه دائما-له خلفيات دينية ، مكتفيا بمطالبة بلاده أن تكون واعية تجاه ماضيها الاستعماري في الجزائر .                                                                           

                                                         

     أما المفكر "برنار هونري ليفي" صديق ومستشار الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي"(المنتهية عهدته) ، فقد حاول النيل من الثورة الجزائرية ، من خلال الدفع بالمجاهدة  "زهرة ظريف" ، التي شاركته في مناظرة منتدى "حرب التحرير بعد خمسين سنة" ، الذي نظمته صحيفة "ماريان" بالتعاون مع يومية "الخبر" الجزائرية ، في اتجاه الاعتراف بما اعتبره جريمة في حق المدنيين الفرنسيين ، خلال تفجيرها لقنبلة بحانة "ميلك بار" بالجزائر العاصمة في سبتمبر 1956 .                 كما تحدث "ليفي" عن جرائم نسبها إلى جبهة التحرير الوطني على غرار قضية "ملوزة"، وغيرها من القضايا الشائكة ، واعتبر أن العلاقات الجزائرية-الفرنسية يجب أن تقوم على ما سماه الطرف الجزائري "تصفية ذاكرته" .                                                                        

                                                     

     قد يكون مقصود المفكر الفرنسي/اليهودي "ليفي" من قوله هذا أنه مثلما ارتكب الاستعمار الفرنسي في الجزائر أخطاء ، فإن جبهة التحرير الوطني الجزائرية ، هي الأخرى ارتكبت أخطاء في حق المدنيين الفرنسيين ، ولا سبيل لبناء علاقات الصداقة بين البلدين ، إلا من خلال تصفية الذاكرة الاستعمارية ، وبالتالي إلغاء مطلب الاعتذار نهائيا . هنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حالة مثقف وهو داخل السلطة ، فهو لا يمثل إذن وبأي حال من الأحوال ، الصوت النزيه والحر ، لأنه ما هو إلا خادما للسلطة ويعتبر أن ذلك من واجباته الوطنية ، مثله مثل المثقف داخل السلطة في الجزائر ، ولكن شتان بين مثقف يتخذ من "الحرية" و"حقوق الإنسان"  شعارين للسطو على الذاكرة ، ولتغطية نزعات استعمارية جديدة ، ومثقف سلطوي آخر يقابله من الضفة الأخرى وهو في حالة دفاع عن ذاكرته .                                                  

                

     رغم مرور خمسين سنة على اتفاقية "إيفيان" ، فإنه من الصعوبة بمكان ، كتابة تاريخ جزائري-فرنسي مشترك ، على الأقل في الوقت الراهن ، الذي تشوبه الحساسية المفرطة ، وتتحكم فيه الظروف السياسية والاقتصادية أيضا ، صحيح أن الأرشيف الفرنسي الخاص بالفترة الاستعمارية ، مفتوح أمام الباحثين في الداخل والخارج ، وقد وفرت له الدولة الفرنسية أحدث    الوسائل . ومع ذلك  هناك ملفات "خطيرة" لا يمكن بأي حال فتحها في الوقت الراهن ، وإن فتحت ملفات فذلك من أجل زعزعة استقرار أي دولة استعمرتها فرنسا سابقا ، امتنعت عن السير في ركابها .                                                                                 

                                                                                              

     وفي هذا الصدد دعا أحد المؤرخين الجزائريين وهو "محمد القورصو" إلى كتابة موضوعية لتاريخ الجزائر وضرورة التعامل معه بحكمة وتبصر ، وتفحصه بدون "طابوهات" ، ودعا أيضا إلى عدم الانسياق وراء الرؤى الفرنسية ، كما دعا إلى إعادة الاعتبار لتاريخ الجزائر بجوانبه الايجابية والسلبية لأن من قاد الثورة هم بشر وليسوا ملائكة ، وشدد على أهمية التصالح مع الذات والتاريخ ومعالجته بطريقة تقوم على أساس علمي ، معتبرا أن التاريخ جزء من السيادة الوطنية وحق شرعي ، حيث أضحى اليوم محل تطاول من الدولة الفرنسية . وحذر نفس الباحث مما يحتويه الأرشيف الفرنسي من مغالطات ستخلط أوراق الجزائريين ، مشبها بعض التقارير التي تحتويها والمضادة للثورة الجزائرية ، بالقنابل الانشطارية التي لا يتوقف انفجارها ، مهددة وجودنا كأمة ودولة انطلاقا من تاريخنا ، ووصف ما يجري من نقاش في فرنسا مؤخرا حول استقلال الجزائر ، أنه استغلال سياسي للتاريخ من أجل الحملات الانتخابية وورقة للأقدام السوداء والحركى والمحاربين القدامى . واستعرض المؤرخ قراءات عدد من المؤرخين الذين جندتهم فرنسا من أجل ما أسماه بالسطو على تاريخ المستعمرات القديمة ودمجه في التاريخ الفرنسي ، لهدف إلغاء وجودها ، وعليه دعا المؤرخ "القورصو" إلى التجنُد لمواجهة إيديولوجيات "الاستعمار الجديد"  .                              

                                                           

     نستنتج مما سلف ذكره ، أنه بقدر ما يكون الباحث ، مندفعا مهووسا لمعرفة الحقيقة التاريخية ، بقدر ما يكون كشف تلك الحقيقة للجماهير ، خطرا على وجود الأمة الجزائرية ، وهذا راجع-حسب رأينا- لعدم وجود استعداد ذهني ونفسي لتقبل الحقيقة كما هي في الوقت الراهن ، وقد يكون زملاؤنا في دور الأرشيف الجزائري محقين ، عندما يفتحون الأرشيف بأسلوب التقطير .    

                                                                               

     ومع ذلك نقترح جملة من النقاط انطلاقا من تأملاتنا و تجربتنا المتواضعة، فعلى المستوى الوطني كان لا بد من تفعيل دور العمل الجمعوي ، للحفاظ على ذاكرة حرب التحرير ، وبث روحها في شباب ما بعد الاستقلال ، الذي يعيش عصر العولمة الجارف للخصوصية والهوية ، إن مُثُل وقيم ثورة أول نوفمبر 1954 ، هي ليست شعارات مجردة ، إذ كان على جيل المجاهدين تفعيلها في المجتمع ، من خلال سلوكياتهم اليومية مع شعبهم ومع الشباب خاصة ، لا نستثني من ذلك دور النُخب الحاكمة في مساعدة وتوجيه تلك السلوكيات ، لأن المجاهد هو في النهاية أمي/فلاح ، وضحية من ضحايا جرائم الاستعمار .                                    

      كما يمكن للمؤرخين الجزائريين والباحثين بشكل عام ، أن يطَلعوا على الملفات السرية للغاية ما دام أن فتحها أضحى ممكنا ، على أن يقتصر عند التدوين التاريخي ، ذكر أسماء وألقاب من صنعوا التاريخ من الأموات والشهداء فقط ، أما الأحياء ،  فتستبدل أسماؤهم وألقابهم  بحروف مختصرة ، تفاديا لأي حساسية أو اشكال.                                                        

                    

     وإذا أردنا فعلا الالتقاء مع المؤرخين الفرنسيين لكتابة تاريخ مشترك لا تشوبه شائبة ، ولا يتطاول أحد على ذاكرة أحد .علينا أولا نحن المؤرخين الجزائريين ، أن نكتب كثيرا ، ونجتمع كثيرا ، ونعقد صالوناتنا الفكرية ، لبلورة أفكارنا وتصحيحها ، علينا أن ننزع من ذواتنا "ثقافة الحسد" ، والغرور أيضا ، حتى نكون في مستوى المناظرة التي تنتظرنا مع أقطاب المدارس التاريخية الفرنسية . أما الصداقة الجزائرية-الفرنسية ، المنشودة لدى كل من يتصالح مع ذاكرته وتاريخه في كلا الضفتين ، فهذا الأمر يجب أن يترك للزمن .                                                              

                                                         
المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.