دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

الخلاص الاستسلامي للشخصيات الرئيسية في الرواية العربية وورطة الخيبات كيف عمّق غموض الصورة النمطية للعربي وتأثيرها على المجتمع (1/2)

الاثنين, June 7, 2021
كاتب المقالة: 

يرى كولن ولسون في كتابه (فن الرواية) الذي ترجمه للعربية محمد درويش أن (داروين وماركس وفرويد ساهموا بتغيير وجه الحضارة الغربية، ولكن تأثير الرواية كان أعظم من تأثير هؤلاء الثلاثة مجتمعين».. وخلص الروائي والباحث المغربي الدكتور إبراهيم الحجري في كتابه صورة الشخصية الرئيسية في الرواية العربية إلى «أن الشخصيات وخاصة الرئيسية في الرواية العربية راوحت مكانها وما استطاعت الخروج من عباءة خيبات الإنسان العربي منذ الهيمنة الاستعمارية وقد انعكست الأحداث والانتكاسات على الفرد مثلما انعكست على المجتمعات فصارت الأزمات التالية للإنسان العربي وإحباطاته المتكررة مادة دسمة للروائي العربي يجول في عوالمها السردية التي تقارب الذات العربية وتحاورها في حالات التشظي والصراع والمقاومة من أجل البقاء»..

 

حول فكرة استسلام الشخصيات في الرواية العربية لحالة التشظي والإنسان العربي المخذول والمفرغ من بشريته والانعتاق بالواقع المأساوي الذي أصبح أحد أهم الملامح الغامضة التي تعكسها مرآة الرواية في الإخفاقات نحو مزيد من الإخفاق وفي خيبات أحداثها نحو مزيد من الخيبة بدلا من مواجهة الخصوم.. نستطلع آراء مجموعة من الروائيين بحسب وجهة نظرهم وربما الدفاع حول ما تقدم من استنتاج بات واضحا في الكثير من الروايات العربية سواءً شئنا أم أبينا..وكيف تساهم الشخصية الروائية في تبديد غموض الصورة النمطية للعربي وتأثيرها على المجتمع؟

 

في سياق الفكرة الرئيسية التي نطرحها في هذا الاستطلاع يرفض الروائي السعودي عبده خال التسليم بهذا الاستنتاج الانهزام المبكر للاستطلاع في صياغته حيث يقول: كان من الضروري التزام الحياد لمناقشة القضية أو الاستطلاع، إذ أن المعد (الصديق فيصل بن سعيد العلوي) قد جنح للانهزامية في صياغة الاستطلاع متمشيا مع استنتاج الدكتور إبراهيم الحجري في كتابه صورة الشخصية الرئيسية في الرواية العربية، وهو استسلام مبكر من قبل المعد قبل الوصول إلى آراء المستطلعين وتكوين محصلة لبؤرة لما قيل في المقدمة، إذ كان بالإمكان الوقوف أمام تهم الدكتور إبراهيم الحجري احتجاجا على فرضية الانهزامية لدى الروائيين العرب، بدءًا بحجة عدم مقدرة الدكتور الحجري على قراءة كل الروايات العربية من محيطها إلى خليجها ليكون رأيه الذي بدأ الاستطلاع به، رأيا ضمن آراء عديدة لا يرتهن عليه كقاعدة للحكم، فرأي الدكتور الحجري استند على نتاج من قراءته لبعض الرويات التي قرأها، فكم رواية قرأ؟ عشرة.. عشرين..مائة، فمهما كان العدد المقروء فهو لا يمثل المجموع الروائي العربي، وعليه يعد حكمه حكمًا جزئيًا لا يعتد به كحكم مطلق.

 

إن استسلامنا الداخلي بوقع الهزيمة يجعل حياتنا منهزمة في كل جوانبها حتى في الجوانب الإبداعية، والتي لا ترتهن أو تقيد بالهزيمة الحضارية، فالإبداع ذاته حالة حضارية لا تخص مكانا عن مكان، ولا تسير على قضبان تطور الدول المتقدمة، أقول هذا كون القصّ مزيجا تكون منذ أن نشط العقل البدائي الأول للبحث عما يمكن من صياغة وجودية من خلال تضفير المستحيل مع الواقع.

 

ويضيف الروائي عبده خال: لو ألقينا الضوء على الدول المتقدمة إبداعيا سوف نجدها دولا متأخرة في السلم الحضاري التقني، فالإبداع وتحديدًا الرواية تحمل شعلته دول أمريكا اللاتينية، وبعض دول إفريقيا، ثم تتوزع خارطة الإبداع على بقية الدول، ونلحظ أن الإبداع مؤسسة فردية ينهض به المبدع بغض النظر عن موقعه الجغرافي، فكم من مبدع أنتج نصا حضاريا متقدما عما تعيشه دولته من تأخر في السلم الحضاري مقارنة بوضعية بيئته.

 

وكنت أهجس روعة ما كان يراه كولن ولسون في أن تأثير الرواية كان أعظم من تأثير عظماء البشرية في تحريك الحياة.. ولو تماشى الاستطلاع مع رأي كولن ولسن تحديدا مع شخصية البطل اللامنتمي فلربما جاز لنا إطلاق سراح الأحكام المقيدة، فالوجودية الإنسانية هي اغتراب اجتماعي إذا اعتبرنا أن المبدع غير متصالح مع واقعه الرث، وهذا يؤدي إلى إيجاد عالم إبداعي يخترق الأسباب الصلدة لكي يوشم الفكر الإنساني ببصمة متفردة، وتلك البصمة قد توجد في أي بقعة جغرافية، فلسفة ليست لها إقامة جبرية في الدول المتحضرة، وكم من فلسفة عظيمة ولدت لدى مبدع ما لم يتم التنبه إليه بسبب موقعه الجغرافي المهزوم، وأجدها فرصة للإشارة إلى أن من هزائمنا العربية عدم تصدير أدباء العالم العربي، والتصدير الذي أقصده ترجمة العلوم والفنون إلى لغة عالمية كالإنجليزية مثلًا، فالعيون المتحضرة لا تراك بلغتك، فلنقرب ذواتنا بلغة يفهمها المنتصر حضاريا، فهما كنت تمتلك فلسفة وحلولًا للإنسانية لن يشار إليك وأنت تحمل لغة لا تنتج شيئا تقنيا، إلا أنها تنتج إبداعيا متجاوزا لو تم إعادة رونقه بالترجمة.. كما أن التأثير الروائي ليس مقتصرا على نقل الواقع بويلاته، بل هناك رويات استشرافية متجاوزة نكبات الواقع إلى المستقبل، فثمة أفكار يؤمن بها أبطال روايات عربية، ويجدفون في واقعهم المتردي بحثا عن أفق مستقبلي يليق بالإنسان والإبداع معا.. ولأننا ما زلنا نعيش (عصر الهزيمة) وهو الكتاب، الذي ناقش فيه ويلسون أسباب اختفاء البطل في الثقافة الإبداعية الأوروبية في الستينيات كان علينا مناقشة أسباب تهميش البطل الابداعي في الثقافة العربية، لكي لا نكون مهزومين بشكل دائري.

 

الشخوص مرايا متشظية

 

من جانبه يرى الروائي العماني محمود الرحبي أنه من الصعب فصل الشخصية الروائية في الروايات العربية عن الواقع العربي حاضرًا وتاريخًا، وذلك بسبب أن الشخوص الروائية في حقيقتها مرايا متشظية تعكس هذا الواقع.. فكاتب الرواية كثيرا ما يسقط شعوره وقراءاته وأسئلته الخاصة على شخصيات رواياته، وذلك لكي تقول ما يشعر به بصدق، وهذا الشعور يمكن أن ينبثق من الخيبات كما يمكن أن ينبثق من الأتراح. وإذا كانت الشخصية الروائية تعيش هذا الالتباس أو الحالة الرمادية بين الواقع المرير والحلم بالخلاص، فإنها نتاج الواقع الذي نعيش، وهو واقع كما يلمس الجميع يشهد صراعا على مستويات عدة، فالفرد في العالم العربي مسير بالمطلق وضحية ظروف كونية وحسابات وتوازنات، عليه وحده في نهاية المطاف أن يدفع ضريبتها معزولا. لذلك فإن الرواية وهي تحبك مفارقات الواقع ودفائنه، لا يمكنها أن تخترع واقعًا وهميًا من أجل أن تبرز جانبا مشرقا في الحياة، بل إنها تعبر عن الحياة من وجهة الواقع نفسه، فهو من يوجه مسيرة الشخصيات وفقًا لقوانينه وإكراهاته. فحتى روايات أمريكا الجنوبية التي تعجبنا قراءتها بسبب واقعيتها السحرية، شخوصها كذلك ينطلقون من واقع تلك الدول وتاريخها. ولكن الكاتب وبطريقته (السحرية) -إن صح التعبير- وعبر اللغة بالأساس، يجتهد في التعبير عن تفاصيل هذا الواقع تعبيرا أدبيا، أي تعبيرا بلاغيا، في مقابل التعبير التقريري المباشر، وهذا مكمن سر (الخلطة السحرية) لأدب أمريكا اللاتينية.

 

روايات النائحة

 

مؤكدا اعتقاده بأنه ليس من مهمة الرواية (العربية، الصينية، الغربية الخ) ولا من واجبها الأخلاقي أن تكون «إصلاحية» أو «صيانية» لعناصر ما يمكن أن تسمّى «الهوية» يقول الروائي العراقي أحمد سعداوي: لعلّ من طبيعة الرواية الجدلية على مستوى الأفكار والرؤى أنها تحاور تلك المطالب التي تصدّرها خطابات فكرية وعقائدية وأيديولوجية، من أفراد أو جماعات أو مؤسسات، ولكن ليس من «روائية الرواية» أنها تخضع لهذه المطالب، أو تتحوّل إلى منصّة لها. بل إن من سوء حال الرواية العربية، على سبيل المثال، أنها خضعت لجو العواطف السياسية والأيديولوجية في الحقب والعقود الماضية. لا أن تفككّها وتسائلها.

 

فالرواية تقترب من جوهرها الإنساني حين تشكّك بهذه الخطابات المكتملة في الخارج، خارج الرواية، وتكون قريبة من صخب الآراء والتصوّرات الإنسانية، وأن تكون صوتَ من لا صوت له من عامّة الناس، لا صوت النخب فحسب، هذه النخب القادرة على صناعة خطابها بنفسها من دون الحاجة إلى الرواية.

 

ويضيف «سعداوي»: إن البعد المعرفي للرواية يتجّلى في نقد السائد من التصوّرات أيًا كان مصدرها، انتصاراً لحقّ الإنسان الفرد في الحياة وأن يكيّف الأفكار لحياته لا العكس. من جانب آخر، لا بدّ للرواية من «مسافة عاطفية» مع موضوعاتها التي تناقشها، وأن لا يخضع الكاتب للانفعالات العامّة، فتغدو كتابته أشبه بردّ الفعل العاطفي أو الاستجابة الإعلامية، فيغرق في البكائيات الوطنية، ولوم وجلد الذات، من دون فحص معرفي يحمل قيمة التجاوز والإحاطة. وهذا مهوى تسقط فيه الأعمال الروائية السريعة التي تحاول ملاحقة حدث عام يهيّج الانفعالات، فيكتب الكاتب وهو داخل الحالة لا عنها. ويغطس في مبالغات عاطفية واستنتاجات متشائمة أو متفائلة محدودة الأفق. إن الرواية الجيّدة مكتملة العناصر تحاول، إن كان الكاتب يقصد ذلك أم لا يقصد، إنصاف الإنسان الفرد من حبائل المجموع، إن كان المجموع نظامًا سياسيًا أو عقائد اجتماعية أو منظومة تصوّرات سائدة، أو دولًا عظمى مهيمنة عالميًا.ويؤكد الروائي العراقي أحمد سعداوي أن الهزائم والانكسارات والخيبات هي صناعة المجموع، ولا يمكن تجاوزها معرفيًا وعاطفيًا إلا بالنقد، وفحص مشاركة الفرد في الفعل الجماعي المؤدي إلى هذه الانكسارات، وأيضا، فحص مسارات أخرى يتّخذها الفرد من دون عبء هذه الانكسارات. وهذا كلّه طبعًا لا علاقة له بتلك الرواية «النائحة اللاطمة» التي تصوّر الانكسارات وكأنها نهاية العالم، فهذه بالتأكيد ترسل رسائل خاطئة معرفيًا وثقافيًا، وتقوم بشيء ليس من مهّمات الرواية ولا وظائفها.

المصدر: 
جريدة "عمان"
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.