دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

الخطاط السوري أدهم فادي الجعفري لـ " الوطن": قواعد الخط العربي ليست جامدة ومتحجرة وقد تطورت عبر التاريخ

الثلاثاء, September 21, 2021
كاتب المقالة: 

يعتبر الخطاط أدهم الجعفري من الأسماء اللامعة في مجال الخط في الساحة السورية.. ومن أهم مدرسي فن الخط العربي. وهو من مواليد دمشق عام 1973، تخصص في علم رسم المصحف الشريف. أنشأ مدرسة لتدريس الخط باسم (المدرسة الشامية للخط العربي). وضع مناهج الخط العربي لوزارة التربية. قام بكتابة القرآن الكريم كما قام بكتابة خطوط عدد من المساجد في سورية وخارجها.

التقيناه وكان هذا الحوار الشيق حول الخط العربي.. وحول أسباب نجاحه في تدريس هذا الفن الروحاني الجميل.

ما الذي شدك إلى الخط العربي؟

بسم لله الرحمن الرحيم ...الحقيقة أن الخط العربي فيه جمالية خاصة لابد ان تشد الناظر، فعندما كنت أزور مسجد الحي وأصلي به (مسجد الحلبوني)، كانت تدهشني فيه لوحات الخطاط موسى شلبي والخطاط شكري اللحفي الموجودة فيه، وقد اثرت بي كثيرا، كما تأثرت أيضا بلوحة جميلة جدا للخطاط حلمي حباب كانت موجودة في مدرستي الابتدائية (مدرسة الملكة بلقيس)، وهي من أجمل ما كتب الأستاذ حلمي، هذه الأعمال وغيرها هي ما شدني إلى عالم فن الخط العربي.

هل تأثرت بخطاط معين؟ وإن تأثرت بأحد هل كان التأثر ظاهرة إيجابية؟

الحقيقة تأثرت طبعاً وأول من تأثرت بهم خالي الأستاذ المهندس محمد سالم نويلاتي وهو خطاط من الطراز الأول وله كتابات كثيرة منها أغلفة الكتب ومنها لوحات عديدة، فعندما بدأت في صغري بدأت بالدراسة عليه كنت في الثامنة من عمري وتأثرت به كثيراً ومع تقدمي في مجال الخط درست على أساتذة عدة منهم: الأستاذ شكري خارشو وأستاذي الذي أجزت منه الأستاذ حسن جلبي، وطبعاً التأثر في الخط يكون إيجابياً إذا كان مستوى الخطاط الذي تأخذ عنه مجيد وعالي يعني كلما كان مستواه أعلى كان التأثر إيجابياً أكثر.

*ـ تعتبر من أهم أساتذة الخط في دمشق.. هل يمكن الحديث عن تجربتك ونظريتك في التدريس وسر نجاحها؟

الحقيقة من يدرس العلم دراسة أكاديمية بشكل علمي وصحيح يستطيع أن يدرّس بشكل سليم وصحيح، وملكة التدريس مكتسبة من تجربة التدريس نفسها فكلما عملت في هذا المجال أكثر أصبح عندك خبرة في التدريس أكبر، والتدريس يحتاج إلى صبر وجهد أكثر من التعليم نفسه لان الجهد الأكبر يكمن في تعليم الآخرين وإعطاءهم المعلومات الصحيحة والدقيقة.

 أما عن نظريتي في التدريس فأنا أقول دائماً أن التدريس هو موهبة و عطاء من الله، وتدريس الخط بالذات  ليس تعليم إنما هو تدريب لأنك إن كنت مدرباً ناجحاً فانت مدرس ناجح ، فالطلاب لا يحبون أن تملي الدرس وتلقي بثقل هذه المادة عليهم لكي يفهموها و يستوعبوها، إنما يحبون أن تقدم لهم آليات هذه المادة و المعلومة وأن تصل بهم إلى المهارة المطلوبة، وطالب الخط تحديدا يحتاج إلى معونة ، فنظريتي في مجال التدريس هي أن أصل إلى الطالب من خلال التدريب و المسك بيده وإيصاله إلى ان يحب ويلامس هذا الحرف الجميل ، من خلال الأساليب التي امتلكتها عبر هذه السنوات الطويلة في التدريس .لا أن أعطيه المعلومة لكي يذهب و يتدرب . وباعتقادي أن هذا سبب نجاحي في تدريس هذا العلم.

من خلال التدريس ما هي المصاعب التي يواجهها الطالب في تعلم الخط؟

يمكن القول ان أهم الصعوبات او الاحباطات هي عندما يبدأ الطالب في دراسة الخط ويجد أنه لا يستطيع أن يصل الى ما يكتبه المدرس فيشعر بالإحباط ، وهنا يأتي دور الأستاذ، فانا مثلا أحاول أن أبسّط هذه المعلومات للطالب حتى انني اكتب بالقلم نفسه الذي يكتب به الطالب على دفتره حتى يشاهد الطريقة و يشاهد حجم الحرف بقلمه الذي يتدرب به وهذا يساعده كثيرا ..فاغلب الصعوبات تكون في المراحل الأولى ، ولكنه عندما يبدأ التدرب بدأب وحب ويجد من يثني على خطه ولوحته فان معظم الصعوبات تنتهي ويبدأ بسلوك الطريق الصحيح وتكون أموره بخير إن شاء الله ، ويمكن ان الصعوبة الحالية هي عدم توفر الأدوات اللازمة فهناك بعض الصعوبة في تحصيلها فضلا عن ارتفاع ثمنها.

 

من المعروف أن للخط العربي قواعد صارمة، فكيف يمكن تجاوز هذه القواعد لكتابة لوحة مختلفة؟

لابد من لفت النظر بداية الى ان قواعد الخط العربي تطورت عبر التاريخ فكل جيل من الخطاطين الأساتذة أضاف شيئا من الجمالية على الخط، وقد اكتسبت هذه الجماليات مع مرور الوقت صفة القاعدة أيضا، فمن يريد أن يكتب بخط جميل لابد أن يتبع هذه القواعد، والقواعد لها موازين مثل ميزان النقطة وميزان التركيب وميزان الجمالية، فالخطاط عندما يتمكن من هذه القواعد كلها يستطيع تقديم صياغة جديدة للوحة بتراكب أحرف خاص به يعكس شخصيته وثقافته واتقانه للخط، فالقواعد ليست جامدة ومتحجرة كما يدعي البعض.

 

يلاحظ وجود اقبال شديد على تعلم الخط العربي؟

هذا صحيح. هناك إقبال واسع على تعلم الخط العربي، في هذا الوقت الذي ابتعدت فيه الناس عن الروحانيات في الكتابة، وشاعت المادية في العلاقات الاجتماعية وأصبحت كلها من خلال وسائل التواصل، فانت تكتب على الكييورد ولا تتفاعل مع الحرف.. كما تشاهد الصورة في التلفاز ولا تتفاعل معها ولا تستطيع أن تعبر عن رأيك فيها، أصبح الناس بحاجة إلى الروحانيات، ويأتي الخط العربي في قمة هذه الروحانيات وأعلاها وأجملها وخاصة أنه يستقي المادة الأساسية من القران الكريم. والحكم والعبر. فالإقبال في هذه الفترة أصبح عالٍ جداً، وبفضل الانترنت أصبح يمكن للطالب ان يشاهد أجمل اللوحات وأعظمها.

ولكن لا بد من الإشارة الى ان خطاطي هذا العصر مختلفين عن الخطاطين الكبار القدامى ، فالخطاط في عصرنا الحالي يصنع لوحة اكثر مما يكتبون ، أما الخطاطين القدامى كانوا يكتبون المصاحف و دلائل الخيرات والقطع واللوحات والأوراد... فكانت كتاباتهم فيها روح أما الآن قلة الكتابة جعلت روحانيتها قليلة أما عن النهضة الخطية فنعم هناك نهضة من كافة الفئات سواء كانوا طلاباً أو مدرسين وعندنا في الدورات الآن أعمار متفاوتة تبدأ من الطلاب الذين يدرسون الابتدائية إلى الجامعيين والخريجين لتصل الى أعمار السبعين وما فوق حتى .

*ـ وكيف نميز بين الخطاط الحرفي والخطاط الفنان؟

الخط هو علم كباقي العلوم عن كونه فنا جميلا.. فهناك دائما اشخاص أبدعوا في هذا العلم او ذاك مقابل اشخاص لم يستطيعوا اتقان العمل كما يجب. وبالتالي يمكن القول ان كل الخطاطين فنانين لكن منهم من وصل الى درجة عالية ومنهم من وصل الى درجة متوسطة او درجة أقل، والارتقاء في هذا الفن هو رزق من الله تعالى. لكن الذي يسعى في هذا العلم ييسرله الله أكثر في هذا الرزق فالخطاطين بعضهم من درس بشكل احترافي هذا الفن وهيأ الله له مدرس يدرسه الخط بشكل جيد فكما يقال الخط مخفي في تعليم الأستاذ وقوامه كثرة المشق فبعضهم من يكتفي بمرحلة معينة يقف عندها ولا يطور نفسه ويبقى يكتب بنفس الطريقة سنوات عدة ومنهم من يبقى في ترقي بهذا الفن ويبحث ويشاهد هنا وهناك ويشاهد الكتابات القديمة والجديدة ويسعى في تطوير ملكاته وعلومه فهذا الفرق بين خطاط واخر.

*ما مدى صحة المقولة (من لا يكتب خط الثلث لا يعتبر خطاطاً)؟

كل الخطوط جميلة ودقيقة وبحاجة الى بحث وتدقيق في أشكال الأحرف وفي نسبة الأحرف إلى بعضها، لكن الثلث هو الأعلى فعلا، ويحتاج إلى معرفة كبيرة بأشكال الأحرف، فكل حرف له عدة أشكال وهناك خيارات واسعد جدا في التراكيب وهنا مكمن الصعوبة في خط الثلث وهذا غير موجود في كثير من الخطوط الأخرى. ويمكن القول أن خط الثلث نعم من الخطوط الصعبة والعبارة التي تقول (من لا يكتب خط الثلث لا يعتبر خطاطاً) عبارة صحيحة.

*كيف ننظر الى استخدام الحاسوب على الخطاط؟

الحاسوب أداة مثل باقي الأدوات يمكن أن يستخدمها الخطاط في تجهيز اللوحة وكيف تضاف الزخرفة وبعد ذلك ينفذ على الورق فهي أداة لتجهيز العمل وأيضا أصبحنا نكتب ونسحب الكتابات على السكنر ونستخدم هذه الكتابات في أغلفة الكتب وعناوين القصائد ... أما عن حرف الحاسوب فهو حرف جامد بلا روح يبقى حرف اليد هو الأجمل.

الحديث عن الخط حديث جميل ولا ينتهي ونحن بحاجة إلى شواهد دائما يعني الحديث عن الخط نظرياً لا يعطي الجمالية الكافية ولفهمه جيداً يحتاج الى صور توضيحية وحتى إلى كتابة أمام المشاهدين ليتذوقوا هذا الفن الأصيل.

المصدر: 
جريدة " الوطن" العمانية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.