الخطاب الثقافي – المعرفي عند مالك بن نبي للدكتور محمد جلوب الفرحان (1)

الثلاثاء, July 25, 2017

في البدء هناك أسئلة تطرح نفسها : كيف نقرأ الكتابات التي دونها مالك بن نبي؟ وما حقيقة المنهج الذي يمكن الإعتماد عليه في دراسة النصوص الفكرية والمعرفية التي كتبها مالك؟ أولا وقبل كل شيء لا بد من القول أن هناك أبحاثاً ودراسات أكاديمية تناولت تفكير مالك في جزئية أو أكثر، ووضعت بعض المقدمات لمعظم مؤلفاته. ومن واجبنا أن ندقق في تلك المناهج التي قرأت نصوصه لمعرفة الكيفية التي إستندت إليها في البحث. ونحسب أنها خطوة أولى تفيدنا في معرفة الموضوعي البريء والذاتي الاحتفالي أو المخاصم الهادف إلى التهشيم.

  إن الدرس المنهجي الذي تعلمناه من خلال قراءة مالك بن نبي هو أن يقوم الباحث بقراءة النص على أساس كونه بناء مستقلا بذاته، وأن يكتشف بعد عمليات حفر وتنقيب ما يحتويه البناء من عناصر التماسك، وأن يقف على طبيعة الأسلوب الذي إعتمده في البناء (أي هندسة البناء)، وأن يحسب بدقة مقدار النجاح الذي حققه مالك في كتابة النص، وأن يعرف حجم الإخفاق وعد التوفيق في مضمار إنشاء النص وتدوين الإفادة.
  أما الدرس المنهجي الثاني الذي تعلمناه من دائرة منهجيات مالك، فهو أن نقرأ النص الذي كتبه بالإستناد إلى مرجعية نص آخر، ومن ثم نعقد مقارنة بين النصين مركزين على نقاط التشابه وأوجه الإختلاف في تجربة النصين. والحقيقة أن مالكا أشار إلى هذه المنهجية في كتابه ”الظاهرة القرآنية“، وذلك عندما سعى إلى دراسة الأطروحات القرآنية بمنهج قرآني خالص، وتناول في الوقت ذاته الأطروحات القرآنية من زاوية الإفادات الإنجيلية والتوراتية ..
  حقا إنه منهج مالكي جدير بالإعتماد عليه في دراسة نصوصه. ولعل من المؤسف القول إن معظم الدراسات التي توافرت لدينا قد جانبت هذا المنهج المالكي ووضعته على هامش أبحاثها، وعالجت النص بمناهج مجزوءة تتجاوب مع أفعال التقطيع التي قامت بها لنصوص مالك، وتعاملت معها في كتابة أبحاثها ودراساتها ومقالاتها. بل إن هذا الكلام ينطبق حتى على المقدمات التي كتبها بعض الكتاب والمترجمين لمؤلفات مالك ذاتها.
نعود إلى دائرة التساؤل: كيف نقرأ ما كتبه مالك؟ وهل بالإمكان قراءة ما كتبه بعيداً عن مصادر ثقافته الغربية؟ وهل في الإمكان قراءة إفاداته الفكرية والمعرفية بعيداً عن مصادر ثقافته العربية الإسلامية؟
  في الواقع إن قراءات عدة قد أنجزت في مضمار الدراسات المالكية، غير أن معظمها قام بقراءة النص المالكي بعيداً عن المصادر التي أخذ منها مالك مادته الثقافية والمعرفية، ولهذا جاءت قراءات جزئية إنتقائية لم تتمكن من معرفة وزن الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي مقارنة  بمصادر الإنتاج والتكوين. وعلى هذا الأساس نلحظ أن هذه القراءات قد ثابرت بكل جهد على إبعاد مصادر ثقافة مالك الغربية لأنها وقعت في فخ ” الدفاع عن فكر مالك“، ولذلك تعطل لديها المنهج العلمي الموضوعي، وإشتغلت بدلاً عنه العواطف والهوى . ونلحظ كذلك أن بعض هذه الدراسات لاذ إلى دائرة الصمت ولم تصدر عنه كلمة تؤُشر وتُعينُ مصادر القضايا الثقافية والمعرفية التي أبدع بها قلم مالك ..
  وخلاصة القول إن هذا النمط من الدراسات قد أسهم بقصد ووعي عال بتعطيل منهج الإحصاء الثقافي، وهو المنهج الوحيد القادر على الإرتقاء إلى الطوابق العليا من الخطاب الثقافي - المعرفي الذي كتبه مالك. إن في إمكان هذا الإحصاء الكشف عن المصادر المعرفية التي شاركت في تكوين هذا الخطاب . وهي في حقيقة الأمر نوعان من المصادر: مصادر من دائرة الذات، وأخرى من دائرة الثقافة الغربية. ولذلك نرى أنه النهج الوحيد الذي في مقدوره  حساب الأصالة والإبداع في الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي، ومن ثم في إمكانه مرافقة الإفادات المالكية خطوة خطوة وصولاً إلى بيان حجم الحوار الذي فتحت أبوابه مع الثقافة الغربية وتعيين مقدار الأخذ والاستحواذ على الإطروحات التي دار حولها الحوار المالكي.
  ولهذا فإن هذا الفصل  ينزع إلى دراسة أربعة أنماط من الدراسات التي تناولت بالبحث والاستقصاء الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي، وذلك من خلال البحث عن إجابات عن الأسئلة الآتية:
أولا: ما طبيعة الدراسات الإحتفالية التي قدمت الإفادات الثقافية والمعرفية المالكية إلى القارئ العربي؟ وما نوع المناهج التي توسلت بها لإنجاز فعل الإحتفال؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذا النهج الإحتفالي؟
ثانيا: ما هي الأسس الفكرانية (الأيديولوجية) التي إستندت إليها الدراسات المخاصمة للإطروحات الثقافية والمعرفية المالكية؟ وما طبيعة المنهج الذي اتكأت عليه لإنجاز معاندتها ومخاصمتها؟ وما هي النتائج التي إنتهت إليها؟
ثالثا: ما هي الإسهامات الأكاديمية في مضمار الفكر المعرفي المالكي؟ وماذا أضافت إلى رصيد البحث في الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي؟
رابعا: ما هي الجوانب الإيجابية في الدراسات الجزئية التي تناولت جانباً من جوانب العمارة المعرفية المالكية؟ وماذا ترتب عليها من حق عندما أغفلت الطابع الشمولي للخطاب الثقافي - المعرفي المالكي؟
1 - نماذج من الدراسات الإحتفالية:  
  شكلت مجموعة من الدراسات التي بحثت في جانب من جوانب الفكر المالكي مضماراً في الإمكان الاصطلاح عليه  ”بمضمار الدراسات الإحتفالية“. وهذا النمط من الدراسات يقدم ذاته عينة ممتازة على الإفادات التي ذكرناها حول الأبحاث والدراسات التي حفرت في أسس العمارة المعرفية والثقافية التي شيدها مالك. إلا أن عملها لم يوفق إلى إكتشاف الأصيل وإنما إقتصر في أحسن الأحوال على إعادة إنتاج ما كتبه مالك. ومن حق هذه الدراسات علينا أن نذكر أنها كانت دراسات إقتصرت ميدان بحثها على قشرة الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي، ولم تتمكن من تجاوز السطح، فظلت قابعة هناك ولم تفلح في التغلغل إلى أعماق الإفادة المالكية بحيث تتمكن من اكتشاف حقيقة اللب وأصالة الجوهر.
  ومن الأمثلة على هذا النمط من الأبحاث والكتابات، دراسة كتبها (زكي أحمد) بعنوان (مالك بن نبي ومشكلات الحضارة). وهي بتقديم (جودت سعيد) (أنظر: زكي أحمد ؛ مالك بن نبي ومشكلات الحضارة ، تقديم جودت سعيد ، دار الصفوة ، ط1 ، بيروت 1992) . ولعلاقة الدراسة بالكاتب والمقدم أوردناهما سوية. ولنبدأ بمجموعة الإطروحات التي أدلى بها ”الأستاذ جودت“، وهو من محبي مالك وفكره والمتعاضدين مع منهجه وإفاداته في الحضارة والثقافة.
   تميزت المقدمة التي كتبها الأستاذ جودت بكونها مقدمة إحتفالية، ولهذا نحسب أنها كتبت أمام عتبة منهج البحث العلمي وإشتراطاته، وكانت حركتها مدعومة بفعل عوامل عاطفية لا تمت بأية صلة لدرب الكد الفكري وتقنيات البحث المتعارف عليها في أوساط الباحثين الأكاديميين. ولذلك لم تتمكن هذه المقدمة من إختراق جدار المعالجات المالكية، ولم تفلح في التغلغل لتمس روحها. ولهذا أعادت إنتاج القضايا التي سبق أن كتبها قلم مالك، وبالتحديد في المحاور الثلاثة التي تكونت منها مقدمة الأستاذ جودت، وهي ”مشكلة الحضارة، مشكلة القابلية للإستعمار، والحديث عن الكاتب والأجيال الجديدة“. وكان المقدم قد إنتخبها من مكونات الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي. إنها حقاً مقدمة إطراء لا تنهض على منهج من التقويم والتحليل والنقد (أنظر: المصدر السابق ، المقدمة ، ص ص 9 - 29) . ونحسب أن مالكاً لا يحتاج إلى مثل هذا الإطراء بقدر ما يتمنى تطوير الخطاب الثقافي - المعرفي الذي كتبه بإتجاه تكوين مدرسة فكرية مالكية تتألف من مريدين وباحثين وخلايا دراسات وأبحاث.
  ولذلك نرى أن المنهج الملائم لدراسة الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي، والقادر على التعامل مع طبيعة مكوناته، والذي يتمتع بقابلية على كشف الأصيل في المركب الثقافي المالكي، ومن ثم معرفة حجم حضور مصادر الذات ومقدار الأخذ والضم من دائرة الثقافة الغربية، هو منهج الإحصاء الثقافي والحساب المعرفي القائم على رصد حركة المصدر الثقافي الوافد إلى دائرة تفكيره، وتسجيل درجات نبض المصدر الثقافي الرافد. فالأول مصدر ثقافي مجلوب من الخارج، والثاني مصدر ثقافي نابت ونابع من الداخل. ونحسب إنه دون توافر ”الحساسية العلمية“ و ”المنهجية الأكاديمية“ القادرة على رصد حركة هذين المصدرين يظل فكر مالك بن نبي غير مقروء قراءة علمية فاحصة. وتبقى القراءة حبيسة مصادر الذات، وقادرة على الإمساك بطرف وحيد من المعادل الثقافي المالكي. في حين أن الطرف الآخر (الثقافة الغربية)، وهو المهم في فهم طبيعة هذا المعادل الثقافي، قد فلت وزاغ من سيطرة المنهج. وبذلك ضاعت فرصة لا تتكرر مرتين على المقدم من الإمساك بها. ولعل كل ذلك يعود إلى ضغوط عاطفة الإنحياز المسبق إلى الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي، ودفاع لا يقبله منهج مالك المنفتح على الآخر والحوار معه. إنه دفاع عن أصالة تفكير مالك الإسلامي عن طريق تجريده من كل أثر يدل على حضور الثقافة الغربية.
  ونحسب أن في هذا الخيار المنهجي لدراسة الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي تعدياً على حقيقة تفكير مالك وتجاوزاً للأمانة العلمية في البحث والدراسة، وشطباً لأهم ركن تميزت به الأطروحة المعرفية المالكية، وهو ركن الحراثة في الأرض الثقافية الغربية. ونظن أن في هذا الشطب إلغاء للأطروحة المالكية برمتها.
  لقد حملت دراسة الكاتب (زكي أحمد) دعوة إلى التسامح مع فكر مالك. وهنا نقف ونتساءل، رغم تقديرنا العالي للمثابرة المعرفية التي أنجزها قلم مالك، وقبل ذلك تفكيره في مضمار الفكر العربي الإسلامي المعاصر: كيف يكون التسامح؟ في الحقيقة إن منهج البحث العلمي لا يميز بين نص صديق له حق، ونص غريب ينبغي تطبيق مجمل قواعد التحليل والتقويم والإحصاء والحساب والنقد وإعادة الإنتاج.
  إنه إشكال كبير وفخ منهجي هوت فيه هذه الدراسة. ولنبدأ أولا بإفادة الكاتب (زكي أحمد)، ومن ثم نتابع القراءة.  يقول زكي: " إن مفكراً يمارس الفكر الاجتماعي العلمي، وبهذا العمق، أحرى بأن نوجه شبابنا للتعامل معه، وأن نتسامح مع الأخطاء التي لا بد أن تأتي تلقائيا في توليد مثل هذا الفكر" (المصدر السابق ، ص 59) . وهنا نقف ونتساءل: ما هو المعيار العلمي والمنهجي الذي إعتمده الكاتب في الحكم على الأطروحة المعرفية المالكية ، أنها احتوت على أخطاء وقع فيها المفكر الإسلامي مالك ؟
  إن هذا السؤال يحملنا على القول أن الكاتب ارتكب خطأين بحق خطاب مالك الثقافي: الأول، الإعلان عن مشروع تسامح مع فكر مالك، والثاني الإعلان عن أخطاء تولدت من تفكيره. وفي الحالتين تعطل المنهج العلمي على يد الكاتب وهو يقوّم ويدقق في أطروحات مالك المعرفية.
  نعود إلى جانب آخر من جوانب الإشكالية في منهج هذه الدراسات التي إعتنت بفكر مالك بن نبي، ونعني مسألة تغييب المصادر الثقافية التي زودت دائرة تفكير مالك بمعطيات العلم والمعرفة والثقافة والمنهج وتقنيات البحث والتربويات. ونحسب أن المدخل إلى مناقشة ذلك السؤال الآتي: هل كان تغييب هذه المصادر إغفالاً مقصوداً وشطباً لإصرار مسبق؟ أم أنه قفز وعبور فوق المصادر التي إعترف بها قلم مالك بذاته؟
  الجواب: إنه إغفال مقصود وعبور فوق المصادر التي إعترف بها مالك بنفسه. وهنا نشعر أن هذا النمط من الدراسات يخفي فعل إنتقام من الأطروحة المالكية المؤسسة على منهج فيلسوف التاريخ ”هرمان دي كيسرلنج“ (أنظر : محمد جلوب الفرحان : الخطاب النهضوي عند مالك بن نبي ، الفصل الرابع والمعنون " المشروع النهصوي لفلسفة التاريخ) . والسؤال الذي يثار هنا: لماذا هذا الفعل الإنتقامي الذي يصل إلى حد طمس الحقيقة وإخفاء أثارها، وبالتأكيد هي أثار لا يمكن لأحد إخفاؤها، لأن مالك اعترف بحجم حضورها الكبير في مركبه الثقافي؟ (أنظر : محمد جلوب الفرحان : 1 – موزائيك عربي إسلامي / منشور على موقع صحيفة البلاد اللندنية (كندا) وموقع الفيلسوف . 2 – حضور هرمان كيسرلنج في خطاب مالك بن نبي / سلسلة مقالات / جريدة البلاد اللندنية (كندا) / الحلقات ستظهر تباعاً إعتباراً من العدد القادم) .
  الجواب الوحيد الذي يفسر فعل التغييب والإغفال هو أن المؤلف "هرمان كيسرلنج" ينتمي إلى مدركات عقيدية، هي بالتأكيد غير مدركاتنا العقيدية. ومن زاوية فهم الدراسات الاحتفالية، وبفعل الغيرة العقيدية، فإنه من العيب على الفكر الإسلامي أن ينهض على أطروحات عقيدية غير إسلامية. ولما كان مالك يفرض فكره بقوة على الجميع، وذلك لكون فكره هو من المعالم النيرة لدائرة الفكر الإسلامي المعاصر، إذن لا بد وأن يكون لحماً وعظماً ودماً إسلامياً، وأن يكون خالياً من أي أثر غير إسلامي.
لكل هذا ثابرت الدراسات الإحتفالية دون وجه حق إلى إخفاء الحقيقة، وإختارت طريق السباحة ضد التيار المعرفي الجارف لإثبات براءة تفكير مالك من التأثر والانضواء في مضمار تطبيق الأطروحة "الكيسرلنجية" على الحضارة والتاريخ الإسلاميين، وذلك عن طريق تجريد الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي من أثار هذه الإطروحة ومن خلال السكوت وإغفال الحديث عنها.
  لذلك إعتقدت هذه الدراسات أن هذا الحضور للأطروحة "الكيسرلنجية" في الخطاب الثقافي المالكي عيب كبير، وأن خير عمل معرفي تقوم به هو طمس أثار هذا العيب (المزعوم) وبأي ثمن، حتى وإن طال ذلك حقيقة الخطاب الثفافي - المعرفي الذي كتبه مالك بقلمه. وهنا نستشهد بما تقوله إحدى الدراسات المتوافرة. فقد ذهبت إلى أن "ما يميز نظرية بن نبي في شروط النهضة في العالم الإسلامي ... جاءت جديدة وإبداعية، ولم تكن مقتبسة من نظريات سابقة في تاريخ سحيق أو تاريخ حديث" (المصدر السابق ، ص ص 80 - 81) .
  هذا إنموذج دال على كلام غير دقيق لا يقره منهج البحث العلمي وأسلوب المعالجة الأكاديمية، بل ولا يقبله فكر مالك ذاته، لأن قلم المفكر مالك، وقبل ذلك عمارته المعرفية ونهجه الثقافي يعترفان بحق الآخرين على الإنتاج الفكري المالكي.
  هذا الأمر فعلته دراسات إحتفالية كثيرة سنشير إليها. ولعل دراسة "زكي أحمد" (مالك بن نبي ومشكلات الحضارة) إنموذج وشاهد على ذلك. فقد سكت الكاتب عن أطروحة "كيسرلنج" ولاذ إلى دائرة الصمت. نلحظه مثلا في أثناء قراءة كتاب "شروط النهضة"، كان يتحول عنها بقصد، ولا يريد أن يعترف بوجودها، رغم حضورها غير الاعتيادي. إلا أنه في الوقت ذاته هرب من " كيسرلنج " ولاذ بالإشارات الهامشية لكل من فيلسوفي التاريخ والحضارة "إسوالد اشبنجلر" و "أرنولد توينبي" (المصدر السابق ، ص 77) .
  غير أن أسلوب الإغفال هذا لم يصمد طويلاً، فقد وقع الكاتب في فخ دراسة "كيسرلنج" وفكرانيته المتداولة، وذلك عندما أشار إلى أطروحته الواردة في الخطاب الثقافي - المعرفي المالكي. حيث يقول بلغة العموم التي تستبطن الإطروحة الكيسرلنجية : " نجد أن هذا (المركب) موجود فعلاً، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ " (المصدر السابق،ص 82). وبالمقابل كان مالك بن نبي صادق كل الصدق مع نفسه ومع مصادره ومع القارئ ، فقد أعلن في كتاب " شروط النهضة " صراحة إنه تبنى فكرة " هرمان دي كيسرلنج " والواردة في كتابه " البحث التحليلي لأوربا " وسيقوم بتطبيقها على التاريخ والحضارة الإسلاميين (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ موزائيك عربي إسلامي ، مصدر سابق) . فرحم الله مالك بن نبي مفكراً تنويرياً وطيب ثراه . 

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

المصدر: 
صحيفة الناس (البغدادية)
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.