الثقافة السورية.. نسخة مصدّقة عن الحرب

الجمعة, December 19, 2014
كاتب المقالة: 

لعل المكابرة على الجرح من أبرز السمات التي غلبت على طابع الثقافة السورية وهي تستعد لدخول عامها الخامس من الحرب، تاركة الكاميرات نائمةً بأعينٍ مفتوحة على صورة العائلة السورية الموثقة إلى أنابيب الأوكسجين والدم في غرف العناية المشددة، ولعل هذه الصورة تزداد قتامة كلما اقتربت هذه الكاميرا من سرير هذا المريض الذي حاول بكل قوته أن يفتح عيونه سينمائياً ومسرحياً وسردياً قبل ذهابه في غيبوبة التخدير الكلي؛ متمسكاً بكل أسباب الحياة وفروضها المُلزمة؛ فلم تكن الحركة الثقافية بعيدة عما يكتبه الموت يومياً في حروب الشوارع، وانخطاف الأرواح المتحاربة، بل شهد هذا العام تنويعات متعددة على لحن الكارثة، مقاربات جعلت من الجرح المفتوح مادةً غنية لها. ربما تكون السينما هنا في طليعة الجراحين الذين تصدوا لإجراء عملية زرع القلب هذه؛ ناقلين الصورة مباشرةً من غرف الإنعاش الثقافية والصدمات الكهربائية إلى ما يشبه التوثيق للمأساة والتماهي معها. هكذا تصدّرت أفلام عديدة هذا المشهد، ليحقق باسل الخطيب شريطين عن بلاد نامت في مركبها النشوان بينما ركابهُ يغرقون طلباً ليابسة أوروبية تهبهم اللجوء، الخطيب حقق فيلميه الطويلين «الأم» و «سوريون - المؤسسة العامة للسينما» معززاً ثلاثية المرأة السورية في زمن الحرب التي كان قد بدأها مع فيلمه «مريم»، فيما أنهى جود سعيد تصوير فيلمه الجديد «مطر حمص - مؤسسة السينما» مقترباً من هول الكابوس السوري عبر حادثة اختطاف يكون فيها الحب وجهاً آخر للحرب في قصة شاب وفتاة يعيشان عشقهما الأول بين أنقاض مدينة حمص القديمة، بينما حقق محمد عبد العزيز مدوّنة خاصة به من خلال تحقيقه لشريطه الأخير «حرائق البنفسج - مؤسسة السينما»، مستلهماً أجواء قصص زكريا تامر في العنوان الذي أحال قصة الفيلم كإعادة لتمثيل الجريمة التي تحدث دائماً وأبداً في مكان وزمان معلومين من دون أن يحرّك أحد ساكناً.
المسرح بدوره كان شاهداً على فداحة المصائر عبر العديد من العروض التي أنتجها المسرح القومي، وكانت فاتحتها مع عرض «روميو وجولييت» لعروة العربي الذي ولَّف قصة الحب الشكسبيرية مع بروفاته اليومية إلى مفارقة مسرحية من نوع خاص، ليبدو كل من روميو وجولييت السوريين هنا ملعونَين كبيرين في زمن القتل على الهوية، وتجريم الآخر سياسياً. حكاية لا تقل أهمية عن العرض الذي قدمه عجاج سليم على مسرح الحمراء بعنوان «هوب هوب - مديرية المسارح»، عن نص «الجزيرة القرمزية» للروسي ميخائيل بولغاكوف وإعداد جوان جان؛ إذ مرر «سليم» صرخته على الخشبة؛ طالباً من سائق الحافلة السورية إيقاف الحرب فوراً، مذاكرة عوّضت عن التراجيدي بالكوميدي الساخر، على خلاف مسرحية «الطباشير القوقازية» التي أعدها وأخرجها الفنان أيمن زيدان للمسرح القومي، مستلهماً نص برتولد بريخت الشهير لإدانة «الحق» كمفهوم سوري سوّغ لحرب أتت على الأخضر واليابس، محيلةً هذا «الحق» إلى شظايا «حقوق» ما زال كل واحدٍ من أصحابها يصرخ في وجه الآخر: «هذا حقي».! بالمقابل قدم زيناتي قدسية عرضه «إكليل الدم - مديرية المسارح»، عن نص من تأليفه وإخراجه؛ مقارناً بين سيكولوجية الرأس المرفوع والرأس المقطوع؛ وذلك عبر تورية فنية أرادها «قدسية» بمثابة إدانة لحفلات قطع الرؤوس الممتدة على كامل الجغرافيا الوطنية.
السرد
السرد لم يغب عن وليمة الخراب السورية، حيث سجل نبيل سليمان روايته الجديدة «جداريات الشام ـ نمنوما - كتاب دبي الشهري»، عن دراماتيكية الأحداث السورية منذ ثمانينيات القرن الفائت، وصولاً إلى صدامات القامشلي وتظاهرة الحريقة واندلاع الانتفاضة في بلاده، حيث حاول «سليمان» تسجيل رؤيته السردية عن خراب الدورة الدموية للبلاد التي أنهكها الفساد ومافيات المال؛ وصولاً إلى حروب صغيرة مضمرة بين أفراد الأسرة الواحدة. مقترح سردي آخر عزز التاريخ في نصه المفتوح على الماضي الديني والحضاري، ليكتب خليل صويلح أيضاً في هذا السياق روايته «جنة البرابرة - دار العين - القاهرة»، مستلهماً «يوميات دمشق» للبديري حلاق وكتاب «تاريخ دمشق» لابن عساكر، جنباً إلى جنب مع مقابسات التوحيدي؛ حيث أراد صويلح الإطلالة على لحظة الاحتضار الجماعية من خلال ألف يوم ويوم من الكارثة التي كان شاهداً عليها من موقع المتلصص؛ في حين سجل الروائي باسم سليمان روايته «نوكيا - دار ليليت - القاهرة»، مجدداً أدوات سرد مغايرة عن وحشية الميديا وتغريبها المستمر للإنسان السوري بين غابات كثيفة يرتع بين أشجارها القتلة والضحايا، لتلتبس الصورة في نص يستوحي كائناته من فضاء افتراضي يؤمن حماية مؤقتة من آثار العبث الدموي الدائر. نضال كرم أيضاً حقق روايته «ستريتش - دار ليليت - القاهرة - جائزة البوكر»، عن الموضوع ذاته محيلاً القارئ إلى مناخات من الهلوسة والانكفاء إلى الذات السجينة بين حرب المدن وحروب النفس، حيث يذوّب السرد فروقاً جنسية عبر ولادات قيصرية لجسدٍ يتمزق عنه قماشه الضيق، موشكاً على انفجارات نفسية وجسمانية. بدورها حققت الروائية نادين باخص كتابها الجديد بعنوان «حمص ويستمر- طبعة مشتركة - النهضة العربية - الفيل»، موثقةً عبر أدب اليوميات ذكريات امرأة عن حمص المدينة؛ حيث أكدت «باخص» من خلال هذا الكتاب على أحقية الروائي بالتخفف من أعباء السرد التقليدي نحو ما يشبه «سينما الطريق» التي تجعل منها الكاتبة مرادفاً لتدوين خربشات الحرب على الوجوه والأمكنة؛ لينتفض زمن الخراب في وجه الجميع، شاهراً كلاباته الوحشية في قلوب العشاق والنازحين عن بيوتهم ومعابدهم وحدائقهم التي جعلتها الحرب أثراً بعد عين.
حركة النشر تراجعت هي الأخرى في سوريا، لا سيما في ظل غلاء أسعار الورق، وهجرة أصحاب دور النشر إلى دول الجوار للحصول على تراخيص للمشاركة في معارض بيروت ودبي والرياض وأربيل؛ وذلك بعد انسداد الأفق أمام هؤلاء بعد توقف معرض دمشق الدولي، والشلل القديم - الجديد لاتحاد الناشرين السوريين وعجزه عن إيجاد حلول بديلة، إلا أن كتب الشعر شهدت تقدماً إلى الواجهة في ظل الحرب؛ خصوصاً بعد تكريس ظاهرة الملتقيات الفنية والأدبية في دمشق، واللاذقية. منذر مصري كان أول الشعراء الذين دفعوا بكتبهم إلى الضوء عبر كتابه «داكن - دار أرواد - طرطوس»، الديوان الذي تعرّض للمنع بعد طباعته لأول مرة في مطابع وزارة الثقافة، أعاد «مصري» طباعته بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من تاريخ جمع الرقابة لنسخ الكتاب كاملةً من السوق السورية، بينما قدمت ناهدة عقل ديوانها «في غياب الرب - دار التكوين» منجزةً أرجوزتها الشعرية الخاصة التي مزجت فيها بين ثنائية القصائد الفجائعية من جهة، وبين قصيدة البورتريه. عدنان أزروني قدم بدوره كتابه الشعري «تصويبات - التكوين» مشتغلاً على خلخلة المفاهيم ومحاولة تقديم تعريفات جديدة للغة شعرية تتخلص من بلادتها وسِفر تكراراتها في الإصدارات الجديدة.
الفن التشكيلي
الفن التشكيلي غاب هو الآخر عن واجهة المشهد الثقافي، لا سيما بعد إغلاق معظم الصالات الكبرى «أيام، عشتار، آرت هاوس، تجليات، الأتاسي، السيد» في قلب العاصمة، تاركةً ذكريات ذلك الزمن الذي كان العمل الفني السوري على رأس قائمة البينالي العربي ومزاداته، لتغيب معها المعارض الفردية، وتحضر المعارض الجمعية التي يقيمها اتحاد التشكيليين؛ إضافةً لمديرية الفنون التي أعادت الأمل لجمهور التشكيل السوري عبر معرضي الربيع والخريف؛ المعرضان السنويان اللذان عملا على استقطاب ما تبقى من المحترف التشكيلي السوري، لكن يبدو أن هذه المبادرة ظلت رهينة مضاربات سوق الجوار، وانخفاض أسعار الأعمال التي تقتنـيها وزارة الثــقافة؛ كــل ذلك فاقم أزمة التشــكيل في زمــن الحــرب، تاركاً اللوحة السورية تطفو فوق دمائها ودموعها.
(دمشق)

المصدر: 
السفير
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.