الأفغاني في عين لبناني: معرفة التعدد وصيانته

السبت, March 9, 2013
كاتب المقالة: 

معروف ان السيد جمال الدين الأفغاني قد انضمّ الى «المحفل الماسوني» في القاهرة، وفي محاضرة له في المحفل تعرّض للأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر محمّلاً الاحتلال الانكليزي مسؤولية التردّي في مصر وغيرها، فثارت ثائرة المحفل، ونبّه السيد أن نشاطاته لا تطال القضايا السياسية، فأبدى السيد تعجّبه، فالمحفل إذن ليس أكثر من جمعية إحسانية لأعضائها، كما قال السيد! وخرج السيد بعدما كاشفهم بهمومه وتوجهاته وكاشفوه باستنكافهم السياسي وسياستهم الاستنكافية، السياسة المفروضة من جهة المنشأ الانكليزي القابض، المعدّة للبلاد الخاضعة، والتي تتجلى ـ سياسة المحافل ـ في تغييب الوعي بالقضايا الأساسية، وتحيل الضروري الى ثانوي والثانوي الى ضروري، فتصبح المطالبة بالثانوي قطعاً للطريق على المطالبة بالضروري. كما كتب وبحث (هربرت ماركوز) ناقداً حضارة الغرب من واشنطن من دون أن ينسى السوفيات وأزمة الشمولية الشيوعية في مقابل الرأسمالية المتغولة.

وفي محاولة لفهم انخـراط السـيد في «المحفل» يرى بعض الدارسين أن السـيد كان يرى ان جهوده وجهود أمثاله من أجـل الاستقـلال والحرية والوحـدة والتـقدم للأمة العربية والاسلامية، لا يمكن أن تثـمر الا اذا انتـظمت في سياق يتيح لها التراكم والنمو كشـرط موضـوعي لتحويل الأفكار الى وسائل تغيير فعلي، فوجد في المحفل إطاراً منظماً يمكن العمل من خلاله لتحـقيق هـذه الغـاية، أو اكتساب الخبرة اللازمة لبـناء تجربة تنظيمية ملائمة. كان يريد حـزباً. هذه الإرادة التي تسـربت الى الشـيخ محمد عبده وأدخلته في «الحزب الوطني» على قلق منه وميل الى عدم الانتظام، بفعل الأسـئلة المعرفية المتدفقة على عقله بقوة، والمانعة له من طاعة الأنظمة الحزبية المقيّدة.

ولم تكن قد اتضحت بعد التباسات وأسرار وأدوار ووظائف المحافل «الماسونية»، وكانت لا تزال تمارس إغراءها للنابهين والواعدين والطامحين من خلال حملها وتبشيرها بمبادئ الثورة الفرنسية في الإخاء والمساواة والحرية. ويرجح هذا التفسير ان السيد بعد خروجه بقيت فكرة التنظيم تلحّ عليه، ما جعله يسهم بجدّ في تأسيس «الحزب الوطني» الذي كان له شأنه في تاريخ مصر في أواخر القرن الماضي وأوائل الحالي، وجاء تشكيله مطابقاً لرؤية السيد الثقافية والاجتماعية التعدّدية التي تستوعب الفوارق الدينية والمذهبية والعنصرية وتتجاوزها الى ما ينظمها في إطار فكري أوسع.

إضافة الى كونه عالِماً وعارفاً ومثقفاً طليعـياً حيوياً رافضاَ للظلم داخل الأقطار العربية والاسلامية التي عاش أوضاعها عن كثب، وفتحت له المعايشة باباً على الوعي بداخل الأقطار الأخرى التي تتصل أوضـاعها المـتردية اتصالاً سببياً بالسلوك الاستعماري المتـداخل والمتـدخّل، وفي طليعته انكلترا التي وجدهـا حيـث ذهب... إضـافة الى هذا كله، كان السيد جمال الدين الأفغـاني فقيـهاً تخـرّج من النجف الأشرف، بل أُخرج منـها بالحسنى والنصيحة من قبل مرجعها (الأنصاري) الذي كفله ورعاه، لأنه أحدث فيها جدلاً حامياً حول أمور أساسية في العقيدة والشريعة.

وانتقد، وهو شاب يافع بعد، وبجرأة، فوضى الحوزة وسكونيتها، مما كان يحدّ من دورها المرتجى في عملية المواجهة والاحتياط لأمر الأمة والمعرفة.

وفي مصر انخرط السيد في دورة التعليم الأزهري فتعزّزت قناعته بأن الفوضى لا تصل وانه لا بد من التنظيم، فتوجّه الى الطليعة المصرية ليؤسّس بها الحالة المنشودة آخذاً في اعتباره أن التنوّع أو التعدّد قانون، وإن تجاهله والعمل على أساس البُعْد الواحد، هما إهمال للقانون الطبيعي وتعطيل، فأعاد قراءة المتحوّل الرسالي الإسلامي في بداياته المكية ومنعطفه المدني، حيث اجتمع حول الرسول (ص) جماعة من الصحابة متعدّدي المناشئ والمشارب والحساسيات والمواقع والمعارف والأمزجة، كوّن منهم كتلة تاريخية على أساس التوحيد، تحوّلت في ما بعد الى رافعة للمشروع الحضاري الإسلامي الذي أعاقته عوامل الإحباط من الداخل والخارج وبالتناغم بينهما... واجتمع حول السيد كوكبة من الكفاءات المختلفة المناشئ والمتنوعة تنوع المجتمع المصري الملتقية على حالة مصرية من الوحدة على الثقافة العامة، والوطنية المصرية العميقة، المنفتحة على آفاق العالمين الاسلامي والعربي. وتأسى السيد برسول الله في مجال آخر، فهو في مراهنته على الطليعة لم يكن نخبوياً انفصالياً، كان متصلاً وعلى تماس يومي هو وصحبه، مع الكتلة البشرية الواسعة في كل البلدان التي مرّ بها أو أقام وخاصة مصر... ومعروف سهره الطويل في مقاهي الأزبكية التي كان يطلّ من خلالها على الجميع ويطلّ عليه الجميع بالفكر والعطوس في مقهى (متاتيا). ولو كان نخبوياً انفصالياً لما استشعر الآخرون خطره فطاردوه، من كابل الى الهند الى بطرس بورج الى الأستانة، في المرة الأولى والثانية، الى القاهرة وغيرها... ولو كان مجرد قائد جماهيري لما استطاع أن يربّي أو يجمع هذه الطلائع في مختلف البلاد لتحمل الراية معه وبعده على أساس من خط فكري عميق... بطليعيته وشعبيته وتنوّع خبراته لم يتنصل من هويته الوطنية مستنداً الى إسلام رآه مكوّناً لوجدان وثقافة الطليعة والجمهور معاً، وفي مصر خصوصا، وبالحدّ الأعلى من الوضوح، حيث كانت القبطية الوطنية، على قاعدة وطنية مصرية جامعة، مكوّناً ثقافياً في وعي المسلمين، كما كان الإسلام على القاعدة نفسها مكوناً ثقافياً في وعي الأقباط... أما الحساسية المذهبية فقد تخطّاها بالالتباس الشيعي السنّي في شخصه، وقد كان من العمق والحذاقة والنباهة بحيث مضى ولم يمضِ معه الخلاف على تحديد مذهبه وموطنه الأصلي بين إيران وأفغانستان حيث ادّعاه الطرفان، ولكن أفغانستان عادت واحتوت جثمانه الذي نقل اليه بعد عقود من وفاته، فكانت عمّته سوداء مرة وخضراء مرة وبيضاء مرة، وهي في كل حالة مختلفة شكلاً عن العمة الأزهرية والنجفية معاً... كان آتياً من النجف الى الأزهر، ماراً بأفغانستان و«شاه دوست» ومشاركته المباشرة في الشأن السـياسي والثورة التي سبّبت إخراجه، ثم إيران الحوار مع ناصر الدين الشاه القاجاري بعد التواصل مع الأستانة في عهد عبد العزيز وطرح مسألة الوحدة من أجل المواجهة للمخاطر، بين تركيا وإيران، ثم عبد الحميد والتواصل الحميم الذي أغرى «الماسونية» وبواكير الصهيونية بالتدخل لفكّه وتلافي مخاطره على المخططات، ما كشفته تجربة عبد الحميد مع هرتزل وإيمانويل قراصو في ما بعد... الى مصر وعرابي وسعد زغلول ومحمد عبده ومكرم عبيد ورؤوس الأقباط فكراً وقيادة ووجاهة، الى إيران كذلك، والسجن من قبل ناصر الدين الشاه في منطقة شاه عبد العظيم بين الري وطهران، الى مقتل ناصر الدين على يد ميرزا رضا كرماني الذي سبق للسيد أن التقاه في الأستانة على قلق شديد، فأعاده الى وعيه وانتمائه الديني فعاد الى وطنه وانتقم من الطاغية... وأثناء ذلك كله، علاقته بالميرزا الشيرازي ودوره في ثورة التنباك في إيران.. كل ذلك تحقيقاً لقوله عندما طالبه أبوه وهو ابن سبعة عشر عاماً، وكان ماراً بطهران من النجف، بأن يذهب الى مدينته قرب همدان ليقوم بوظيفته الدينية فقال: «أرى نفسي كالصقر المحلّق ولا أرى هذا الفضاء مجالاً لتحليقي».

السفير

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.