إضاءات حول الإسراء والمعراج

الثلاثاء, June 19, 2012
كاتب المقالة: 

ربما كان الاحتفال ببعض المناسبات الإسلامية نوعا من الوصل الحضاري بين شباب اليوم وتاريخهم ودينهم؛ ففي الوقت الذي يحفظ فيه الشباب معلومات هائلة وبالتفصيل عن أحداث ربما لم يكن لها أهمية كبيرة لو لم نعرفها، نجد أن كثيرًا من شبابنا يغيب عنهم معرفة معلومات وتفاصيل عن أحداث مهمة في تاريخ أمتنا التي ننتمي إليها، وهو ملمح مهم جدا؛ فليس الانتماء إلى الدولة القومية وحدها، فهذا انتماء مهم، ولكن هناك انتماء أكبر منه، وهو الانتماء إلى أمة الإسلام

ومن تلك الأحداث التي تمثل أهمية في حياة الأمة كلها: الإسراء والمعراج، ولربما يسأل بعض الشباب: وما أهمية الإسراء والمعراج، وهو حدث تاريخي قديم، صحيح أنه حدث للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ما أهميته إلا أن نتذكر حدثا للرسول صلى الله عليه وسلم؟.

 ذاكرة التاريخ

 ولربما كان هذا السؤال علامة من علامات الانسلاخ الحضاري بين شبابنا وتاريخ أمتهم؛ فاعتبار الإنسان أن يكون له تاريخ وحضارة وماض شيء مهم في حياة الأمم؛ لأن الذي يعرف هذا التاريخ يدرك أنه ليس وليد اليوم، ولكنه امتداد لأجيال عاشت قرونا من الزمن، وهو يكمل تلك المسيرة، كما أنه يستطيع أن يحاسب نفسه ويراجعها عن الفارق بين جيله الذي يعيش فيه، وبين تلك الأجيال السابقة، ما الفوارق بينها؟ كيف كانت تعيش وكيف نعيش؟ ما أهم السلبيات في حياتنا وحياتهم؟ ما أهم الإيجابيات في حياتنا وحياتهم؟.

 يضاف إلى هذا أن الإسراء والمعراج مع كونها أحداثا تمثل معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لها ارتباطًا مهمًّا في حياة المسلمين على مر التاريخ حتى يقوم الناس لرب العالمين.

 انتقال القيادة

 إن الإسراء والمعراج تضع حدودا فاصلة في تاريخ الأمة الإسلامية مقارنة بأمم أخرى، كأمة بني إسرائيل، وذلك -ونحن نرى الصراع بين المسلمين ودولة الكيان الصهيوني- فكان من أهمية الإسراء والمعراج أنها كانت بدءا لانتقال قيادة العالم من يد اليهود إلى المسلمين، القيادة الروحية، والقيادة الفكرية، ومن بعدها كانت القيادة السياسية التي بقيت ردحا من الزمن.

 ثم دارت عجلة الزمان وتغير الحال، ولكن بقيت القيادة الروحية لهذه الأمة، وذلك أن الله تعالى كان قد جعل القيادة لبني إسرائيل على الأمم، كما قال تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 47)، أو كما يحكي القرآن عن موسى -عليه السلام- حين قال لبني إسرائيل: {قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 140).

 فجاءت الإسراء والمعراج لتنقل تلك القيادة من بني إسرائيل إلى أمة محمد، ولهذا كانت بداية الرحلة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وهو المكان المقدس عند اليهود ثم عند المسلمين، وكان مقر القيادة العالمية، وجمع الله تعالى الأنبياء لرسوله صلى الله عليه وسلم، وصلى بهم ركعتين، إماما على ملة إبراهيم، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى بالأنبياء إماما، والحكمة أنه صلى على ملة إبراهيم؛ لأن إبراهيم -عليه السلام- هو أبو الأنبياء، وهو الجد الأعلى لأمة بني إسرائيل (ذرية يعقوب عليه السلام) ، والجد الأعلى لأمة محمد (ذرية إسماعيل عليه السلام)، وفيها إشارة إلى أحقية المسلمين بالمسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين، وثاني المسجدين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 مما يعني أن يربط المسلم بينه وبين هذا المسجد الذي عرج منه بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء العلى، حتى سدرة المنتهى {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (النجم: 15-18).

 الليل الجميل

 ومن المعاني اللطيفة أن معنى الإسراء هو السير ليلا، والليل -عند المسلم- وقت العبادة والطاعة وقيام الليل وقراءة القرآن، لا كما يقع من كثير منا؛ فمن الحكمة أن يأخذ الشاب المسلم من ليله ما يتقرب فيه إلى ربه سبحانه وتعالى.

 ومن معاني المعراج أنه الصعود، وحينما صعد الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج فرض الله تعالى عليه الصلاة؛ ليعلم أن الصلاة معراج للنفس والروح، والتعالي عن الشهوات والملذات، وأنها تعلي شأن صاحبها، في الوقت الذي يبتعد ملايين الشباب من أمة محمد عن الصلاة تكاسلا وتركا؛ فتجيء رحلة المعراج لتذكرنا بالفريضة التي فرضت في السماء، فلا يحافظ عليها إلا مؤمن عالي الهمة، عالي القدر عند الله.

 وهكذا تجمع رحلة الإسراء والمعراج بين المعاني الفردية من العبادة بالليل، والسمو بالروح من خلال الطاعات والعبادات وعلى رأسها الصلاة، وبين معراج أمة محمد وقيادتها للعالم، وأن تقوم بدورها في ريادتها للعالم من خلال نشر منهج الله الذي يسمو بروح الإنسان، ويعرج بها إلى الله تعالى.

 

** باحث شرعي في وحدة التأصيل بالمركز العالمي للوسطية.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

12 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.