أوهام العمر

الأربعاء, January 13, 2021
كاتب المقالة: 

في طرفة تراثية، يقال إن أحدهم مر بباب الجامع ذات يوم، فوجد فقيهًا معروفًا يبكي بحرقة، فاستغرب ذلك، ودفعه الفضول للاقتراب منه وسؤاله عما يبكيه، فقال له الفقيه ما معناه أنه ومنذ ثلاثين عامًا وهو مؤمن بقضية ما، واليوم اكتشف بطلان تلك القضية، فقال له الرجل إنه يجب أن يكون سعيدًا لهذا الاكتشاف لا أن يبكي! فرد عليه الفقيه قائلًا إنه لا يبكي من أجل ذلك ولكنه يبكي خشية أن تكون القضية الجديدة التي يؤمن بها باطلة أيضًا، ويدركه الموت دون أن يكتشف ذلك.
وليس منا اليوم من لا يعرف قصة «دون كيخوته»، أو دون كيشوت في الترجمات العربية، أو «دون كيخوتي دي لا ما نشا» في أصلها الإسباني، لمؤلفها الأديب الإسباني ميغيل دي سيرفانتس (1547 ـ 1616م). بطل هذه الرواية الخالدة هو: «ألونسو كيكانو»، العجوز الثري الذي يقضي وقته في قراءة سير الأبطال وقصص مغامراتهم، وبخاصة سير فرسان العصور الوسطى، حتى تملكه حب أولئك الفرسان وأصبح مسكونًا بهم، فأراد أن يكون واحدًا منهم، وفي عصر لم يعد فيه وجود للفرسان وأخلاقياتهم. وتحت وطأة الهاجس، أو لنقل الهوس، فقد امتطى «ألونسو كيكانو» صهوة جواد، وحمل رمحًا كذاك الذي كان يحمله فرسان العصور الوسطى، وأخذ يحارب طواحين الهواء من حوله، متخيلًا أنها تنانين جبارة، وإلى جانبه كان يسير تابعه «سانشو» الساذج والمسلوب الإرادة. تنتهي هذه «الملحمة»، أو الكوميديا السوداء، باكتشاف دون كيخوته وهو على فراش الموت، أنه كان على ضلال طوال حياته، وأن كل عمره المنصرم كان قائمًا على وهم، أو سلسلة مترابطة من الأوهام، وأن «الحقيقة» كانت على مقربة منه، بل تحيط به من كل اتجاه، ولكنه كان غافلًا عنها بأوهام عقل مضطرب، أو مشوش في أفضل الأحوال.
وفي الفلم الأميركي المتميز «التاريخ الأميركي إكس» بطولة ممثل الأدوار الصعبة والمعقدة «إدوارد نورتون»، الذي يقوم فيه بدور «ديريك»، الأميركي النازي المتحمس، وإلى جانبه شقيقه الأصغر «داني» (إدوارد فورلونغ)، الذي يرى في شقيقه الأكبر قدوة حياة، فيسير على دربه في فكره وسلوكه، نرى كيف أن ديريك يقتل شخصين أسودين كانا يحاولان سرقة سيارته بدم بارد، ودون أن يكون هناك مبرر للقتل بعد إيقاف اللصين، ولكنه الحقد العنصري، فيدخل ديريك السجن، وهناك يتحول تحولًا جذريًّا، فتتغير قناعاته لدرجة أن يصبح له صديق أسود.
يخرج ديريك من السجن شخصًا جديدًا، ولكن شقيقه داني باقٍ على أفكاره النازية، وعضو في منظمة نازية، فيحاول ديريك أن يغيره وينجح في ذلك، ولكن داني يقتل في النهاية في المدرسة، على يد مراهق أسود كان له موقف مع داني في السابق، وينتهي الفلم بكوميديا سوداء أيضًا، حيث يُقتل داني وقد تحول عن معتقده العنصري.
ما الذي يربط بين هذه القصص الثلاث، وغيرها كثير؟ وفي هذا المجال، أذكر أنه كان لي صديق شيوعي، وفق التفسير السوفييتي، أو الماركسي اللينيني، لم يستطع أن يصدق أن الاتحاد السوفييتي قد سقط عام 1991م، وأن الشيوعية السوفييتية قد انتهت بلا رجعة، وبقي على هذه الحال لعدة سنوات وهو يعتقد أن الأمر كله عبارة عن مؤامرة أميركية، وأن السوفييت عائدون بهذا الشكل أو ذاك في يوم من الأيام نتيجة إرادة شعبية. نعود إلى السؤال المطروح آنفًا: ما الذي يربط بين كل هذه القصص المختلفة؟ الجواب بكل بساطة هو الوهم.
 

وهم الماضي وجمالياته
فالفقيه الذي كان يبكي على باب الجامع، كان مسكونًا بوهم «الحقيقة» التي اعتقد أنه حصل عليها أخيرًا، فإذا بها تتكشف في النهاية عن وهم لم يلبث أن انجلى. ودون كيخوته كان مسكونًا بوهم الماضي وجمالياته، وفق ما يظن، فإذا الأمر يتكشف عن حقيقة أن الماضي قد ولى وانتهى، وما انتهى لا يعود مهما أحببناه وحاولنا نفخ الروح فيه.
 
وديريك اكتشف في النهاية أن التفوق العرقي، مهما كانت دوافعه ومبرراته، ليس إلا أكذوبة مصطنعة، فالناس في النهاية سواسية يرجعون إلى عرق واحد لا ثاني له، هو العرق الإنساني، وما حكاية التفوق العرقي والقول به إلا وهم لا يلبث أن ينجلي، طال الوقت أم قصر. بطبيعة الحال، فإن كل وهم من هذه الأوهام، وأوهام الحياة عديدة ومختلفة، له خلفياته وأسبابه التي يمكن إدراكها في النهاية، ولكن كل ذلك لا ينفي أن كثيرًا من الأوهام تسير حياتنا، وتصيغ نظرتنا إلى طبيعة الأشياء والعلاقات، وتشكل مفاهيمنا في هذه الحياة وعنها، فالأشياء والعلاقات وشؤون الحياة لا معنى لها دون أن نسبغ نحن، أفرادًا وجماعات، عليها المعنى.
والحقيقة، إن كان هناك حقيقة، أنه من أصعب الأمور على المرء أو الجماعات أن تكتشف وهم حياتها في هذه اللحظة أو تلك من الزمان، ولذلك بكى ذلك الفقيه، لا لخوفه من الوقوع في وهم الحقيقة ثانية، كما قال للسائل عن سبب بكائه، ولكن لسقوط وهم حياته الذي يضفي المعنى على هذه الحياة. وموت دون كيخوته في النهاية ليس إلا بسبب فقدان معنى الحياة بالنسبة له، بعد أن سقطت كل أوهامه، أما ديريك، فلا أشك في أنه سيقضي بقية حياته في حالة ندم شديد على تلك الأيام من عمره، التي لوثت فيها العنصرية نظرته للحياة ومعانيها، والتي أدت في النهاية إلى مقتل شقيقه المحبوب.
وأوهام الحياة ليس بالضرورة أن تكون فردية بحتة، كما في قصصنا الثلاث، بل قد تكون أوهامًا جماعية، وذلك وهم التفوق العرقي الذي ساد ألمانيا إبان الفترة النازية، أو وهم العظمة الذي ساد إيطاليا إبان الحقبة الفاشية، أو شعب الله المختار لدى اليهود، أو وهم خير أمة أخرجت للناس لدى المسلمين.
وهي أوهام لأنها تسكن عقول معتنقيها والقائلين بها، دون أن يكون لها سند من واقع معيش، وذلك مثل أوهام دون كيخوته وطواحين الهواء. والوهم الجماعي أشد خطرًا في أثره وآثاره من الوهم الفردي، فالوهم الفردي أثره ونتائجه لا يتعدى دائرة الشخص الواحد، أما الوهم الجماعي فدائرته هي كل الجماعة، مجتمعًا كانت تلك الجماعة أو دولة أو أمة.
ثمالة الوعي الجماعي
وحتى بعد الإفاقة من ثمالة الوهم الجماعي، يكون الضرر الكارثي قد وقع. فوهم تفوق العرق الآري النازي، أدى في النهاية إلى دمار أمة كاملة هي الأمة الألمانية، وإلى كارثة عالمية هي الحرب العالمية الثانية، وضحاياها من البشر والشجر والحجر. ووهم خلق جنة الله على الأرض، ذلك الوهم الشيوعي الذي كان أثيرًا لدى كارل ماركس، أدى إلى إفقار دول مثل الاتحاد السوفييتي السابق، والصين وغيرها حتى أفاقت من الوهم، ولكن بعد أن سالت الدماء أنهارًا من أجل وهم ولا أقول حلم، وشتان بين الوهم والحلم، فالحلم طموح والوهم توهان.
ولماذا نذهب بعيدًا ولدينا في عالم العرب والمسلمين أمثلة صارخة على تحكم أوهام جماعية بالعقل الأسير، فما الرسالة الخالدة والمهمة التاريخية لأمة العرب، في الخطاب القوموي العربي، أو التمكين في الأرض والإثخان فيها في الخطاب الإسلاموي، إلا غيض من فيض أوهام تكبل العقل العربي والمسلم من الإسهام الحضاري في هذا العالم.
بل إن سياسة مثل سياسة الرئيس التركي رجب طيب أرودغان، القائمة على وهم إعادة الخلافة والسلطنة العثمانية البائدة، أو سياسة ملالي قم وطهران بتمهيد الأرض وتهيئتها لعودة الإمام الغائب، الذي سيملأ الأرض عدلًا بعد أن امتلأت جورًا، هو نوع من أوهام جماعية لا شك عندي في أنها سوف تدمر إيران وتركيا معًا، فنتائج الوهم دائمًا مدمرة، هكذا يقول التاريخ.
وسواء كان الوهم فرديًّا أو جماعيًّا، فإن الإفاقة من ثمالته وخدره ممكنة، بعد معاناة وكوراث بطبيعة الحال، كما في الحالة الألمانية مثلًا، ومحاولة إصلاح ما أفسده الدهر ممكنة أيضًا، ولكن ما لا يمكن تداركه أو إصلاحه هو المكابرة في الأمر، أو قاعدة «فأخذته العزة بالإثم»، وبذلك أعني أن تتكشف الحقيقة المعيشة للفرد أو الجماعة، فيذوي الوهم ويتلاشى، ومع ذلك يتمسك به صاحبه وهو يعلم أنه وهم.
ولعله يكون معذورًا في ذلك، فوهمه يشكل معنى حياته، ولا معنى للحياة بدونه إن لم يكن هنالك بديل، ولكن تفهم الوضع البائس لصاحب الوهم المكابر، لا يعني أن الحياة ستتوقف عنده وعند أوهامه، بل إنها تسير، ويسحق هامته دولابها، ولعل هذه هي حالة كثير من العرب والمسلمين وجماعات أخرى في هذا العالم.
خلاصة القول في موضوع يبدو أنه طال، هو أنه ليس من الخطيئة أن يكون لدينا أوهام حياة، بل ربما كانت الحياة كلها مجرد وهم، ولكن الخطيئة كل الخطيئة ألا نفيق من تلك الأوهام.

 

المصدر: 
مجلة فيصل
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

14 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.