أزمة النقد تعود إلى أزمة ثقافية عامة

الخميس, December 20, 2012
كاتب المقالة: 

يطمح الناقد المصري الدكتور أيمن بكر إلى مشروع نقدي عربي ضخم، تقوده مؤسسات علمية وأكاديمية، تحتضن أبناءها من الطلبة والأساتذة، وتدعمهم لإثراء المحتوى النقدي العربي، داخل المجلات العلمية المحكمة دوليا، وتقودهم إلى إنجاز نظريات محلية معتبرة لا تضطرهم إلى استعارة نظرية من هذه الدولة الغربية أو تلك .
أيمن بكر سبق له التدريس في جامعة جازان في المملكة العربية السعودية، وهو الآن يعمل أستاذاً للأدب العربي والنقد في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا بالكويت، وله كتب عدة .

كيف بدأت مشوارك الأكاديمي؟

 

- كنت قد قررت قبل العمل على رسالتي الماجستير والدكتوراه أن أؤسس نفسي في التراث العربي قبل أن أبدأ العمل على الأدب الحديث، في الماجستير أعددت دراسة عن السرد التراثي، تحديداً في مقامات بديع الزمان الهمذاني، ودرستها باستخدام المناهج الحديثة تحديداً النظرية السردية .

 في الدكتوراه عملت على الشعر الجاهلي، وكان عنوان الرسالة “تعدد الرواية في الشعر الجاهلي، ديوان الهذليين نموذجا” عملت أيضاً بمناهج حديثة، تحديداً فلسفة التفكيك لجاك دريدا، أخذت منها أفكارًا تتناسب مع طبيعة الشعر القديم، كنت أود أن تعمل النظرية عند الشعر، لا أن يعمل الشعر عند النظرية . كانت بدايتي أكاديمية تراثية تماما، من يقوم بعمل دراسة عن الأدب هو بالضرورة متخصص في النقد، لأنه يجب أن يمتلك أدواته بشكل كبير، لذا أستطيع القول إن الرسائل التي أعددتها كانت في النقد بالأساس، والأدب مادة محترمة لها تقديرها، طوال الوقت مسألة النقد موجودة، فإذا ذكر الأدب ذكر النقد .

  عقب انتهائك من الماجستير والدكتوراه، هل فكرت في التأسيس لمشروع نقدي؟

 - فكرة التأسيس لمشروع نقدي، مسألة من الصعب أن يقوم بها فرد واحد، ليست قراراً فردياً، وإنما التأسيس لمثل هذه النظريات الكبرى لا يكون إلا بجهد مؤسساتي، وللأسف فإن هذا النوع من الجهد غائب في الثقافة العربية، إلا من رحم ربي . المؤسسات المعرفية والعلمية لا تتبنى مشاريع نقدية تؤسس للنظرية، في مجالنا لدينا مركز ينتج النظرية، هو الغرب، وأطراف تستهلك النظرية، والمحاولات التي تتم في العالم العربي من أجل إنتاج النظرية، هي محاولات فردية، وقد كان لي أكثر من محاولة للمشاركة في النظرية، منها كتاب طرحت فيه مفهوم أدعي أنه يمكن إضافته للنظرية السردية اسمه “السرد المكتنز”، كنت أحاول أن أعرف فيه واحدة من تقنيات السرد التي لم تعرّفها النظرية السردية، والشيء الطريف في الموضوع أن هذا البحث تمت ترجمته، وتم استخدامه في دراسات أكاديمية باللغتين العربية والإنجليزية، وهذا شيء أقوله للمرة الأولى، لا يعرفه أحد، لأنني غير حريص على الإعلان عما أفعل .

  ما المؤسسات المنوط بها إنتاج مثل تلك النظرية التي تحدثت عنها؟

 - وزارات الثقافة، والمجالس العليا للثقافة، والجامعات، تلك الأخيرة يفترض أنها مؤسسات منتجة للمعرفة، وثمة تجارب حادثة في المغرب، مثل مختبر السرديات، شيء جيد جدا، الجامعات ليس عليها فقط أن تقوم بالتدريس، الجامعات بالأساس يمكن معرفة دورها إذا ما قرأنا مانيفستو جامعة القاهرة الذي يشير إلى إنتاج المعرفة لمصلحة المعرفة”، لكن المؤسسات في ظل ارتباك سياسي، وارتباك حضاري عام، لا تقوم بدورها، باستثناء حالات فردية، ولا أستطيع أن أجد أكثر من ذلك، ليس لأنها غير موجودة، ولكن لأنها لم تصبح بعد واضحة للعيان في الثقافة العربية كي أتمكن من الحديث عنها .

 تقوم الجامعات في الدول الغربية بإنتاج المعرفة، لكن ليس بالاعتماد على الطلبة فقط، هم لا يُعول عليهم وحدهم، هذه الجامعات تمول الباحثين والمنظرين والفلاسفة والمفكرين وتضمن لهم بيئة مناسبة لإنتاج المعرفة، فهذا النوع من الإنتاج مرتبط بالسياق، ولا يمكن الشروع فيه بقرار، لا يمكنني أن أقرر اليوم أن أنتج معرفة، فأنتجها في اليوم التالي، السياق العام يمنح البيئة المناسبة أو لا يمنح .

  ما العوامل الواجب توافرها في الجامعات والجهات البحثية كي تقوم بهذا الدور في إنتاج المعرفة؟

 - الشروط الواجب توافرها ليست سرا، يجب على أي مؤسسة تريد إنتاج المعرفة سواء أكانت جامعية أم غير جامعية، أن يكون لديها مجموعة من الخبراء، على علم بمنجز معرفي في اتجاه بعينه، ويكون هناك إرادة لتطوير هذا المنجز على مستوى المؤسسة، فمثلا لو تحدثنا عن النقد الأدبي وتطوير النظرية الأدبية، فعلينا أولاً أن نسند هذا الأمر لمؤسسة بها مجموعة من الأساتذة والخبراء الذين يمتلكون وعيا عميقاً جداً بالمنجز الحالي بالنظرية الأدبية ويكون هناك إرادة لتطويره، ويكون هناك عوامل مناسبة لهذا، من مراجع وإمكانات مادية، والأهم أن يجري توفير الحرية، لأنه من دون حرية يكون الأمر بمنزلة “تهريج” ولن يتغير شيء .

  تحدثت عن آفة النقد أنه غير مؤسساتي . . ماذا عن باقي الآفات التي يجب التخلص منها؟

 - دعيني أربط ببين آفات النقد العربي، وآفات الثقافة العربية عموما، ثمة ارتباط بينهما، الثقافة العربية لديها ارتباك في الأولويات، مازلنا ننظر للفكر والأدب والشعر والنقد، باعتباره أنشطة ثانوية، الشيء الثاني أن لدينا أسئلة حضارية ووجودية معلقة، عديدة للغاية، ما لم نجاوب عنها، فلن ننتج شيئاً على الإطلاق، ولعل هذا هو السبب في أننا لا ننتج في الأدب، ولا ننتج في هندسة الطيران أيضا، يجب أن نحسم أمورنا في البداية . لذا أقول إن أزمة النقد فرع من أزمة ثقافية عامة .

  فنيات الرواية هي أداتك في الحكم . . هل ترى طفرات ونسب تجريب عالية في مجال فنيات الرواية؟

هذا من أكثر المجالات التي يوجد فيها إبداع وتجديد وتجريب، إذا نظرنا للمنتج الروائي بصفة عامة، سنجد أنه من أكثر المجالات تحرراً، لأن الرواية تقوم على تجربة فردية، فتجد أن المنتج الروائي كما المنتج الشعري، به مساحات من التجديد، وأكثر ألوان النشاط الثقافي قدرة على الانفلات من صعوبات الواقع الثقافي العربية، لأنه مشترك معها في فكرة التمثيل الجمالي، وثاني سبب أنه معتمد على الفرد، ونحن دول غنية جداً بأفرادها، إذا ما رأينا كم الروايات العربية المترجمة للغات أخرى، كمي التلمساني مثلاً، لها روايات مترجمة لست لغات، الرواية العربية هي واحدة من أهم السفراء التي تعبر عن الممكنات الإبداعية للإنسان العربي .

 أصدرت كتاباً بعنوان “المفكر الرقاصة” . . في ظل الأحداث الجارية، ما الدور الذي يؤديه هذا المفكر الآن؟

-  كلمة “الرقاصة” لها أكثر من معنى، منها الأرض التي لا تنبت وإن مُطِرت، وأيضا لها معنى السراب الذي يخايل المسافر، لذا إذا مزجنا هذه المعاني سنجد أن مفهوم المفكر الرقاص يجمع بين الجدب والسراب، والقدرة على التلاعب بالأفكار وفقاً لعنصر خارجي هو الأوضاع السياسية ومصلحة الشخص .

أما الآن فنحن في مرحلة حرق أفكار ووجوه، ومن ثم أي مفكر رقاصة  وهو مبدع بالمناسبة  في هذه المرحلة صامت، أو يتحدث بحذر شديد، لأنهم يعلمون أن هذا سياق تاريخي يختبر بسرعة أي فكرة تطرح، ويضعها في موضع سؤال هل هي فكرة صالحة أم لا، أصيلة أم لا؟

إذا ما استقرت الأوضاع هل سيعود إلى الظهور؟

   - نحن نتحدث عن كيان ثقافي شائهٍ موجود في كل وقت، وسيظل موجودا، المسألة في المساحة التي يتخذها، هل سيكون مسيطراً، منتشراً، هل سيجد مجالاً يتسع فيه دوره، أم لا؟ المنتظر والمأمول أن السياق لا يسمح باتساع دوره، ولكن هل سيكون موجودًا بالطبع؟ سيكون موجودًا.

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.