أرواد.. جزيرة الأحلام والأرجوان

الأربعاء, January 13, 2021
كاتب المقالة: 

أسسها الفينيقيون قبل (4000) سنة

أرواد أو (أرادوس) جزيرة سورية قديمة قدمَ التاريخ، يحتضنها ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهي الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان منذ أيام الفينيقيين قبل (4) آلاف عام. جزيرة أرواد الفينيقية التي ذكر ياقوت الحموي في معجمه أنها (جزيرة في المتوسط قرب قسطنطينية دخلها المسلمون سنة (54هـ) مع جنادة بن أبي أمية في أيام معاوية).
 كما ذُكرت (أرواد) في ألواح مدينة (إيبلا)، فقد كانت عاصمة مملكة ازدهرت في الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت حدود هذه المملكة بين النهرين الكبيرين الشمالي والجنوبي في الساحل السوري، وكان لها أسطول تجاري مهم، إذ عاشت عصرها الذهبي في القرنين الرابع عشر والثامن عشر قبل الميلاد
ويختلط تاريخ (أرواد) بالأساطير، وتحكي إحداها عن قصة شاب ركب البحر طالباً الرزق، لكنه لم يعد، فراحت حبيبته تسأل عنه إلى أن أخبرها صديقه أنه وقع ضحية جنيات البحر اللواتي أغرقن مركبه، لكن الفتاة لم تصدق تلك الرواية وراحت تبتهل حتى يعود، وعندما سمعت دعواتها ملكة الجنيات رقّت لحالها، وبعثت إليها مع أحد طيور الماء رسالة تخبرها أن حبيبها سيعود، وأمرت ببناء ملاذ آمن لهما هو جزيرة أرواد. وتروي أسطورة فينيقية: أن (أرواد) ابنة بعل (إله البر) أُعجبت بـ(يم) (إله البحر) الذي كان عدو أبيها، ففضّلت البقاء معه ونسبت الجزيرة إليها.
ورد اسم (أرواد أو أرادوس) في رسائل تلّ العمارنة، وفي حوليات ملوك آشور، وفي نصوص أوغاريت، وجميع هذه الكتابات تتحدّث عن أهمية أرواد التاريخية والاقتصادية والملاحية، وعن أنها من أهمّ المدن الفينيقية. وسُميت الجزيرة قديماً (آراد) أو (آرفاد)، باللغة الفينيقية. وفي زمن الكنعانيين، كانت مملكة مستقلة سُميت (أرادوس) وبهذا الاسم عرفها اليونانيون، وتعني الملجأ والمأوى والملاذ، إذ كانت ملجأ سكان الساحل السوري من الغزوات الآشورية، وأطلق عليها الرومان اسم مرفأ الأرجوان، وكل هذه التسميات تشير إلى أن مؤسسيها كانوا من الفينيقيين.
تقع جزيرة (أرواد) أمام السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، قبالة البرّ السوري جنوب غربي مدينة طرطوس. تتكون الجزيرة من توضّعات طينية حديثة تعود إلى الحقبة الجيولوجية الرابعة، تغطّي صخوراً رملية تُعرف بحجر الرملة، وترسم هذه الصخور عند التقائها بالبحر، شرفات وجروفاً ساحلية، كما تحيط بالجزيرة خمس جزر منسية غير مأهولة، تنتشر حولها تسمى (بنات أرواد) وهي: الحبيس والمخروط وأبو علي والنمل والمشار.
ويبلغ طول الجزيرة (800) متر، وعرضها (500) متر، أي أنّ مساحتها تبلغ تقريباً (400) ألف متر مربّع، المسكون منها (50) في المئة، وقد وصفها العالم (استرابون) بأنها مدينة مهمّة تشغل مساحة من اليابسة وصخرة يلطمها البحر من كلّ جهة حتى يكاد يغمرها.
 ومن أهم معالمها الأثرية (المرفأ)، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية من الجزيرة، مقابل مدينة طرطوس، وتحيط بالجزيرة بقايا سور قديم، يعود للفترة الفينيقية لحماية المدينة من العواصف البحرية ولصد الغزوات مبني من حجارة ضخمة يصل وزن بعضها إلى عشرين طناً، وارتفاعه كان تقريباً عشرة أمتار.
ومن معالمها القديمة؛ معبد يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وبقايا ملعب رياضي كبير كان الأرواديون يقيمون عليه مواسم الألعاب الرياضية الأولمبية القديمة، ويعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، ومنهم أخذ اليونانيون تلك الفكرة وأطلقوا الألعاب الأولمبية.
توجد في أرواد قلعتان صغيرتان؛ الأولى وسط الجزيرة، وهي من القرن (13)، تتألف من طابق واحد، بنيت بالحجارة الرملية المنحوتة، أرضها صخرية، وبابها من جهة الغرب مزخرف بالمرمر والأحجار البيضاء، فيها قاعات وملاجئ ومستودعات، وغرف لسكن الجنود، ويحيط بالقلعة سور فيه ثلاثة أبراج مستديرة في ثلاثة من الزوايا، لها شرفات ومرام ومسارات للحراس، أهمها البرج الأيوبي ويقع في الجهة الشرقية، ويتألف من طابقين.
أما القلعة الثانية؛ فهي عربية صغيرة تقع إلى جانب المرفأ، وتستخدم حالياً كمتحف، أحد أبراجها المركزية يضم أجنحة للفخاريات والنقود الأروادية والصدفيات البحرية النادرة والأسفنج الطبيعي والصناعات اليدوية الأروادية والفن الحديث، وفيها آثار من العهد الفينيقي، وبعض الكهوف وبقايا الحمام العثماني، الذي تهدّم بسبب الأمواج القوية التي تضرب الجزيرة، وعثر على كتابات منقوشة عددها (22) نصاً.
 اشتهر سكان الجزيرة بأنهم بحارة ماهرون، حتى قيل إنهم من أهم بحارة البحر المتوسط، كما كانوا يلمّون بالظواهر البحرية، والجوية، ويعملون بالصيد والتجارة البحرية وصناعة الشباك والأشغال الصدفية اليدوية، والحرفة الأساسية لهم التي توارثوها عن أجدادهم هي صناعة السفن، التي ضربت شهرتها آفاق الأرض، وكانت أرواد قديماً تملك أسطولاً بحرياً قوّياً، وحارب الأرواديون ضدّ الإغريق اليونانيين، ووقعت بينهم معركة بحرية هي معركة (سالاميس).
كانت (أرواد) مدينة مزدهرة منذ الألف الثاني قبل الميلاد، ثم وقعت تحت نفوذ مملكة صور، إلا أنها استقلّت عنها، وأخذت تنمو وتمتدّ لتؤسّس مستعمرات، وتنشئ مدناً على الشاطئ لضرورات اقتصادية ودينية ودفاعية، وسمّيت هذه المستعمرات أيضاً (بنات أرواد)، وتوغل الأرواديون في الداخل فأقاموا معابد وقلاع، وأسهموا في تأسيس مدينة طروادة، وأشهر بنات طروادة (أنترادوس) وهي طرطوس الحالية، و(عمريت).
فعندما أغارت شعوب البحر على أوغاريت، كانت أرواد أوفر حظاً، إذ نجت من الغزو، وأصبحت من أبرز المدن الساحلية، إلا أنها خضعت للملك الآشوري (تغلات بلاصر) الأول ثم (آشور ناصربال)، غير أن الأرواديين اتّحدوا مع ملوك سوريا الآراميين عام (854) قبل الميلاد، ليحاربوا جيش (شلمانصر الثالث) الذي تمكّن فيما بعد من فرض الغرامات على أرواد.
 وقد غزا الإسكندر المقدوني البلاد عام (333) قبل الميلاد، وقدّم ابن ملك (أرواد) الخضوع والطاعة أمام الإسكندر، واللافت أن الإسكندر لم يشأ إثارة حساسية أهل أرواد وشعورهم، ولم يدخل الجزيرة على رغم وجوده في (ماراتوس) طرطوس القريبة منها، والمقابلة لها على البر السوري.
كان لأرواد شأن مهمّ في النزاع بين البطالمة والسلوقيين، لذا، منحها (أنطيوخيوس الثاني) استقلالها ليضمن مساعدة بحريتها، وتمتّعت وقتذاك بامتيازات المدينة الحرّة، واعتبر العام (259) قبل الميلاد نقطة بدء التأريخ لديها، وتدخّل الأرواديون في نزاع السلوقيين بين بعضهم بعضاً، حيث وقفوا إلى جانب سلوقس الثاني، واضطر (أنطيوخيوس الرابع) إلى إخضاعهم بعد مقاومة، ثم تحالف معهم، وأعاد (أنطيوخيوس) السابع إلى (أرواد) حرّيتها ليكسب مساعدتها، وكان لأرواد نفوذ عظيم على طول سواحل سوريا.
وعندما احتل الرومان سوريا بقيادة القائد الروماني (بومبيوس)، حافظت (أرواد) على استقلالها النسبيّ، وأيّدت القائد الروماني (بومبيوس) عند خلافه مع قيصر، واستخفّت بعملاء (أنطونيوس) ورفضت دفع الجزية. إلا أن المجاعة التي نتجت عن الحصار دفعتها إلى الاستسلام، واحتفظت (أرواد) في تلك الآونة بمؤسّساتها الهيلنستية، وكانت الوحيدة التي حافظت على حرّيتها.
لم تدخل (أرواد) الفتح العربي مع سوريا، بل بقيت قاعدة بحرية بيزنطية، إلى أن قرّر معاوية بن أبي سفيان فتحها. أُعيد استخدام الجزيرة كقاعدة بحرية لأساطيل الدول الإيطالية في حقبة الغزو الإفرنجي، واستقرّ فيها فرسان الهيكل فزادوا من تحصينها. بعد ذلك تناوب على أرواد المماليك، ثم أُهملت وأتى العثمانيون زمن السلطان سليمان القانوني، وشيّد فيها حصنان صغيران.
وفي الحرب العالمية الأولى، نزلت فيها البحرية الفرنسية وأخضعتها لفرنسا عام (1915)، وحتى استقلال سوريا عام (1946)، ومن أشهر أبنائها الشاعر عبدالله لبادة والفنان المويسقار صفوان بهوان.
 

المصدر: 
مجلة الشارقة الثقافية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.