دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

أدب وأدباء وظف التاريخ والتراث في تجربته الإبداعية يوسف القعيد.. جمع بين أساليب فنية متعددة في رواياته

الاثنين, November 22, 2021
كاتب المقالة: 

نجح الروائي يوسف القعيد في شق طريقه، ورسم عالمه الروائي والتعبير عن رؤيته الخاصة، مستخدماً في ذلك التقنيات التجريبية الجديدة، فاستطاع بذلك ابتكار أسلوب جديد له في الكتابة الروائية، متوسلاً بوعي تقنيات القص التجريبي (الميتاقص) التي تدشن مشروعاً تحديثياً، يستحق القراءة

وُلد في قرية الضهرية، التابعة لمركز إيتاي البرود بمحافظة البحيرة في الثاني من إبريل عام (1944م)، وحصل على شهادة معهد المعلمين بدمنهور، وعمل بالتدريس في المدارس الابتدائية لفترة قصيرة، ثم عمل محرراً أدبياً بمجلة (المصور)، وتدرج في العمل الصحافي حتى أصبح نائب لرئيس تحريرها، واستقال منها في فبراير عام (2000م)، ليلتحق بالعمل في مجلة (الهلال)، محرراً أدبياً. لقد شاطرت الصحافة الأدب في إنتاج يوسف القعيد الأدبي، فكان لها تأثير في اختياره لموضوعاته، وفي أسلوبه، وأبنيته القصصية والروائية. وقد جمع في معظم رواياته بين أساليب متنوعة، ومن ذلك جمعه بين الوصف القصصي، وفن المقال الصحافي، في نقله الخبر.

ولا يفتأ يوسف القعيد عن تأكيد خصوصية تجربته الفنية، وتوقه إلى التجديد والتجاوز، ورفضه القواعد الأدبية التقليدية، وبحثه عن أشكال روائية مغايرة على مستوى السرد والتقنية والبناء، تاركاً بذلك هو وأقرانه بصمات واضحة في عالم النتاج الروائي الذي احتل، ومايزال، حيزاً كبيراً على خريطة الرواية العربية، فقد تمثل الإنجاز الكبير لما عرف بـ(الرواية الستينية)؛ أي التي تمت كتابتها خلال فترة الستينيات من القرن العشرين، في مصر بقدرتها على رؤية متناقضات الواقع، وتصويرها وتجسيد قضاياها، ومحاولة رصدها بطريقة فنية تنزع إلى الجدة والتحديث، متجهة في ذلك إلى الإفادة من نزعة التجديد الأوروبية لدى جويس وكافكا، ووجودية سارتر وكامو، والسريالية وإبداع فوجنر وهمنجواي، وإلى الرواية الجديدة الفرنسية، ومسرح العبث اللا معقول.

ودائماً ما يحرص (يوسف القعيد) على تقديم صياغة فنية جديدة للواقع وقضاياه، مؤمناً بأن الكاتب الجيد، هو الذي يستطيع أن يجعل من كتاباته وسيلة للتغيير والتحديث. لقد انتهج يوسف القعيد استراتيجية تقنية مغايرة للمألوف، استطاع من خلالها تشييد عالم قصي مركب يتوسل عدة كيفيات بنائية تخيلية، تبرز مدى وعيه بالمروي، ودوره في خلقه وتركيبه بوصفه موضوعاً للقص برغم امتداده، فيتبادل الدور مع مؤلفه وقارئه وناقده المتخيل. أيضاً تتميز كتاباته الروائية والقصصية بتنويع الحبكات السردية، والفضاءات النصية، والشخصيات الروائية، والتجديد في القص والاستطراد، والقدرة على رسم المواقف، وإعادة تصوير الوقائع من منظورات مختلفة. (تبرز في رواياته معايشته للقرية، ومواجهته للواقع المعيش، ومزجه بين الخيال، ووقائع يجيد انتقاءها من أجل استكمال الصورة الكلية التي يستهدف رسمها).

ينتمي يوسف القعيد إلى جيل الروائيين في الستينيات، هؤلاء تميزوا عن غيرهم من الأجيال الأخرى في أنهم امتلكوا وعياً اجتماعياً حاداً، وثقافة عريضة متنوعة، تمثلوا تياراتها المعاصرة وعملوا على استيعاب معطياتها، لذلك أُطلق عليهم اسم كتاب (الموجة الجديدة) في الكتابة الروائية، ومن أمثال هؤلاء: جمال الغيطاني، وإدوارد الخراط، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ويحيى الطاهر عبد الله، وغيرهم من المبدعين. ولعل هذا ما يفسر التنوع الشديد في أساليب الكتابة القصصية عند هذا الجيل. وهذا التنوع نفسه هو الذي خلق حساسية جديدة في الإبداع القصصي العربي الحديث، وفرض على الكتابة السردية أن يكون إشكالها الأول بحثاً عن آليات التعبير وأشكال المضامين، وتجديداً في طرائق النظر، وأساليب التخيل حتى يكون ذلك عنوان حداثتها. وباتت النصوص الروائية عند أدباء هذا الجيل (جيل الستينيات) قد حملت في طياتها عدة ظواهر أسلوبية، تحطيم الحدود في الفنون الكتابية، وتضمين الشواهد والنصوص الخارجية في صلب النص الروائي، والاعتماد على ظاهرة التقابل والتضاد في السياق، لتوليد المعاني بين الكلمات والخلط بين الأزمنة في تصريف الأفعال، استخداماً للذاكرة الروائية.

ويعد يوسف القعيد من أوائل الروائيين الذين وظفوا التاريخ والتراث في تجاربهم الروائية، و(ثلاثية شكاوى المصري الفصيح) رواية من ثلاثة أجزاء هي (نوم الأغنياء، والمزاد، وأرق الفقراء). وفي روايته (ثلاثية شكاوى المصري الفصيح) يعمد إلى توظيف حكاية المصري الذي  رفع شكواه إلى فرعون مصر، ثم نال حقه بعد ذلك، لكن يوسف القعيد يعيد سرد الحكاية من جديد أملاً في تحقيق ما توصل إليه الفلاح، إلا أن المفارقة أنه لا يصل إلى  ما أراده، وإذا كان توظيف التناص  قد أعطى بعداً دلالياً عبر توظيف هذه الحادثة التاريخية، فثمة أبعاد أخرى فنية وجمالية في النص الروائي. ويعتبر النقاد أن يوسف القعيد في اختياره لموضوعات رواياته ومواكبته لأحداث عصره، هو امتداد للأديب الراحل (فتحي غانم) في أعماله الروائية (زينب والعرش، الرجل الذي فقد ظله، وحكاية تو، وغيرها من أعماله).

كانت أعماله الأدبية الروائية منها والقصصية مجالاً للعديد من الدراسات الجامعية المصرية والروسية والإسبانية، وترجمت أعماله إلى لغات كثيرة منها: الروسية والإنجليزية والفرنسية والهولندية والألمانية والأوكرانية واليابانية والصينية، وشكلت أعماله القصصية والروائية مادة سينمائية خصبة، لأكثر من فيلم لاقى بعضها رواجاً جماهيرياً كاسحاً، برغم ما فرض عليها من رقابة ومصادرة ومنع، له أكثر من عشرين عملاً روائياً، لعل أبرزها (الحداد)، (أخبار عزبة المنيسي)، و(أيام الجفاف)، و(البيات الشتوي)، و(يحدث في مصر الآن)، (ثلاثية شكاوى المصري الفصيح)، (قطار الصعيد)، و(طرح البحر)، و(بلد المحبوب) و(وجع البعاد)، و(من أوراق النيل)، و(البكاء المستحيل)، فضلاً عن مجموعاته القصصية الكثيرة التي صدرت له في سنوات مختلفة، والكتابات الأخرى ككتب أدب الرحلات: (الكتاب الأحمر ــــ رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي)، و(مفاكهة الخلان في رحلة اليابان). واليوميات: (من أوراق النيل)، والأحاديث الأدبية: (أصوات الصنت).

ومن كتب الرحلات (الكتاب الأحمر- رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي 1992م)، تناولت بعض الرسائل الجامعية أعماله، وتحولت بعض نصوصه إلى أعمال فنية: أخرج صلاح أبوسيف فيلم (المواطن مصري)، عن رواية (الحر في بر مصر)، واخرج منير راضي (زيارة السيد الرئيس) عن روايته (يحدث في مصر الآن)، وأخرج إسماعيل عبدالحافظ مسلسل (وجع البعاد) عن الرواية التي حملت العنوان نفسه.

المصدر: 
مجلة الشارقة الثقافية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.