أحدهم يذبح 25 بقرة يوميا للفقراء وآخر يوزع عليهم 24 ألف رغيف.. كيف استقبل المسلمون رمضان؟ جزء2

الجمعة, May 1, 2020
كاتب المقالة: 

وفي رحلة ابن بطوطة أنه جرت العادة في مكة المكرمة بأنه "في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة فاذا ختم نُصب له منبر مُزيَّن بالحرير، وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات، وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويُختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم".

وكثير من هؤلاء السلف والعلماء الكبار كانت لهم في رمضان أحوال خاصة، وبعضهم كان يترك كل شيء متفرغًا لهذا الشهر الفضيل؛ مثلما أورده ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- قال: "كان الحنيني إذا دخل شهر رمضان ترك سماع الحديث، فقال له مالك (بن أنس إمام المالكية المتوفى 179هـ): يا أبا يعقوب، لمَ تترك سماع الحديث في رمضان؟ إن كان فيه شيء يُكرَه فهو في غير رمضان يكره. فقال له الحنيني: يا أبا عبد الله، شهر أُحب أن أتفرغ [فيه] لنفسي".

وجاء في كتاب ‘ربيع الأبرار‘ للزمخشري (ت 538هـ): "كان سفيان الثوري (ت 161هـ) إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن". ويروي الحافظ ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- أن الإمام اللغوي أبو عمرو بن العلاء التميمي البصري (ت 157هـ) "كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد فيه بيتا من الشعر حتى ينسلخ".

ويقول المقريزي -في ‘المواعظ‘- إنه في مصر الفاطميين "كانت العادة جارية من الأيام الأفضلية (= نسبة إلى الوزير الأفضل الجمالي المتوفى 515هـ) في آخر جمادى الآخرة من كل سنة: أن تُغلق جميع قاعات الخم~ارين بالقاهرة ومصر وتُختم، ويحذّر من بيع الخمر" حتى ينقضي رمضان! كما يذكر حرصهم على زيادة رواتب القرّاء والمؤذنين في نهاية هذا الشهر الكريم، فإذا "كان في التاسع والعشرين من شهر رمضان خرجت الأوامر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر".

وكان من عادة المحد~ث العلامة سويد بن عمرو الكوفي (ت 204هـ) أنه "لا يُحدِّث في رمضان، فقيل له، فقال: لعلَّنا نسلمُ منكم، لا نذكر أحدًا في رمضان"؛ حسب جمال الدين المزي (ت 742هـ) في ‘تهذيب الكمال‘. وعلى الدرب نفسه سار قاضي الأندلس أبي بكر ابن زَرْبٍ الأندلسي (ت 381هـ)؛ يقول عنه النبّاهي (ت 792هـ) -في ‘تاريخ قضاة الأندلس‘- إنه "كان لا يحكم في شهر رمضان ويُفرّغ فيه نفسه للعمل والعبادة، لم يزل مواظبًا على ذلك إلى أن مات".

وبعض هؤلاء العلماء كان يتفرّغ لكتابة المصاحف، مثل محمد ابن العديم الحنفي الحلبي (ت 626هـ) -وهو عم الوزير والمؤرخ كمال الدين ابن العديم (ت 660هـ)- الذي يقول عنه المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) في ‘الوافي بالوفيات‘: "كان يكتبُ في رمضان -إذا اعتكف- مُصحفًا أو مُصحفين"!!

رباط وجهاد
وكان بعض كبار علماء تونس يحب أن يقضي شهر رمضان مرابطًا في الثغور أمام العدو، مثل الإمام المالكي سحنون التنوخي (ت 240هـ) وصديقه العالم موسى بن معاوية الصُّمادحي (ت 225هـ). وفي ذلك يقول سحنون حسبما يرويه عنه أبو العرب التميمي (ت 333هـ) في ‘طبقات علماء أفريقية‘: "كُنّا نُرابط بالمُنستير (= حصن دفاعي شمالي تونس على ساحل البحر المتوسط) في شهر رمضان ومعنا جماعة من أصحابنا، فكان موسى بن معاوية أطولهم كلّهم صلاة وأدومهم عليها، فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان طبَّقها من أولها إلى آخرها".

ويأتي على رأس هؤلاء العلماء المرابطين الإمامُ العلامة المجاهد عبد الله بن المبارك (ت 181هـ)، الذي اشتُهر باشتراكه الدائم في معارك العباسيين وجهادهم ضد البيزنطيين، ومكوثه فترات طويلة مرابطًا أمام العدو في ثغور الشام الشمالية، حتى إنه "مات منصرفا من طَرَسوس (تقع جنوبي تركيا اليوم) في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة"؛ حسب الدارمي في ‘مشاهير علماء الأمصار‘.

وكانت مدينة طَرَسوس هذه ثغرا خطيرا ورباطا عظيما للجهاد مع البيزنطيين حتى استولوا عليها سنة 354هـ. ومثل ابن المبارك في ذلك؛ المحدث العراقي الحسين البيروذي الأهوازي (ت 261هـ) الذي قال عنه الخطيب البغدادي (ت 463هـ) -في ‘تاريخ بغداد‘- إنه "مات في النفير بمَلَطْيَة (وسط تركيا اليوم) في شهر رمضان سنة إحدى وستين ومئتين".

وبرزت هذه الظاهرة عند علماء الأندلس أيضًا؛ فابن الفرضي (ت 403هـ) يقول -في ‘تاريخ علماء الأندلس‘- إن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (ت 370هـ) -وهو أحد كبار علماء وقضاة الأندلس الأموية، وكان يتولى وظيفة "صاحب الرد" في قرطبة، وهي منصب قضائي جليل يشبه راسة "محكمة التمييز/ النقض" في عصرنا- كانت "وفاته بكركي (= حصن شمالي الأندلس) في غزاة الصائفة (= الصيف)، وذلك في صدر شهر رمضان سنة سبعين وثلاثمئة".

والتماسا للأجر المضاعف الذي قرنه النبي (ص) برمضان حين قال إن «عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» (صحيح البخاري)؛ كان عدد من كبار علماء وقرّاء مكة المكرمة يحرصون سنويا على أداء عمرة رمضان. فقد حكى محمد بن إسحق الفاكهي (ت 272هـ) -في ‘أخبار مكة‘- أن عبد الله ابن خُثيم (ت 132هـ) قال: "أدركتُ عطاءً (ت 114هـ) ومُجاهدًا (ت 104هـ) وعبد الله بن كثير الدّاري (ت 120هـ) وأُناسًا من القراء إذا كان ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان خرجوا إلى التنعيم فاعتمروا من خيمتيْ جُمانة، من حيث اعتمرت عائشة (ت 58هـ) رضي الله عنها". ويقول الصفدي -في ‘نكث الهميان في نكت العميان‘- إن الفقيه الضرير محمد البندنيجي الشافعي (ت 495هـ) "يعتمرُ في شهر رمضان ثلاثين عُمرة"!

أما عادة الإقبال على الإنفاق في أوجه الخير خلال رمضان، وصنع الطعام للمحتاجين تصدقًا وبرّا بهم؛ فهي تقليد إسلامي قديم يعود إلى عصر الخلفاء الراشدين بعد أن أخذه الصحابة عن النبي (ص) حين وصفوا كرمه في هذا الشهر الفضيل، فقالوا إنه كان «أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ»؛ (صحيح مسلم). بل إن ابن الأثير (ت 630هـ) -في تاريخه ‘الكامل‘- يرجع هذه العادة إلى العصر الجاهلي، حيث قال إن عبد المطلب بن هاشم (جد النبي ص) هو "أول من تحنّث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين جميع الشهر".

وعن عمل الصحابة في هذا المجال؛ جاء في تاريخ الطبري (ت 310هـ): "كان عمر يجعلُ لكل نفس من أهل الفيء في رمضان درهمًا في كل يومٍ، وفرضَ لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين، فقيل له: لو صنعتَ طعامًا فجمعتهم عليه! فقال: أُشبعُ الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان الذي كان صنع عمر وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبّد الذي يتخلّف في المسجد وابن السبيل والمعترّين بالناس في رمضان".

وقد خُصص للصائمين شراب عند فطرهم في المسجد النبوي الشريف، إذ روى ابن سعد -في ‘الطبقات الكبرى‘- عن التابعي عمران بن عبد الله الخُزاعي (ت بعد 93هـ) أنه "كان في رمضان يُؤتى بالأشربة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم".

وسار الأمويون على درب الخلفاء الراشدين في عادة إطعام الصائمين، فالأزرقي يفيدنا -في ‘أخبار مكة‘- بأن مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) اشترى -من آل المؤمل العدويين- دارًا في مكة المكرمة وسماها "دار المراجل" أي قدور الطعام؛ "لأنها كانت فيها قُدور من صُفْر (= نُحاس) يُطبخُ فيها طعام الحاجّ (= الحُجّاج) وطعام شهر رمضان" الذي يفرق على الفقراء والمعتمرين وغيرهم من الصائمين.

ودأب بعضُ الأمراء على الإكثار من الإنفاق والتصدق على الرعية في شهر رمضان، مثل أمير تونس العادل أحمد بن محمـد بن الأغلب (ت 249هـ) الذي كان من عادته -حسب ابن عذاري في ‘البيان المُغرب‘- أن يركب كل ليلة في رمضان "وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دوابّ [محمّلة] بالدراهم، فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه يدعون له".

وفي ‘تاريخ دمشق‘ لابن عساكر أن أمير دمشق والأردن للعباسيين مالك بن طوق (ت 260هـ) كان "من الأسخياء المشهورين"؛ فكان "إذا جاء شهر رمضان نادى منادي مالك بن طوق بدمشق كل يوم على باب ‘الخضراء‘ -بعد صلاة المغرب- وكانت دارُ الإمارة في ‘الخضراء‘ في ذلك الزمان: الإفطار رحمكم الله، الإفطار رحمكم الله؛ والأبواب مفتحة فكل من شاء دخل بلا إذن، وكان لا يمنع أحدًا من ذلك".

ولقد ساهم أهل الخير واليسار وصغار الأمراء والوزراء في إطعام الصائمين؛ فهذا حماد بن أبي سليمان الكوفي (ت 120هـ) -وهو شيخ الإمام أبي حنيفة النعمان (ت 499هـ)- كان "يُفطّر كل ليلة في شهر رمضان خمسمئة إنسان، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبًا ثوبًا، وأعطاهم مئة مئة"؛ طبقا لما أورده الشجري الجرجاني (ت 499هـ) في ‘ترتيب الأمالي الخميسية‘.

ويحدث أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) -في ‘يتيمة الدهر‘- عن أن الوزير البويهي الصاحب ابن عبّاد (ت 385هـ) كان "لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد -كائنا من كان- فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يُطْلق (= يُنفق) منها في جميع شهور السنة".

المصدر: 
الجزيرة نت
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.